المقالات
هل ترى إعلانًا سيئًا؟
انقر هنا لمعرفة السبب

ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون

فريق عمل طريق الإسلام

QR Code

قال بعض المفسرين: "فكل من أنفق ماله في حرام وفواحش وآثام، عوقب بالمصائب المقدمة في الدنيا من أمراض وأوبئة وكدر وتنغيص وفي الآخرة عذاب أليم على فعله"..

عدد الزيارات: 18,994
15 1

 

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ{36}

لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{37}


الحمدلله والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله وسلم تسليما مزيدا، يقول تعالى مبينا عدواة المشركين وكيدهم ومكرهم ومبارزتهم لله ولرسوله وسعيهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وأنّ وبال مكرهم يعود عليهم ولا يحيق المكر السيئ إلاّ بأهله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [سورة الأنفال: من الآية 36] أي: ليبطلوا الحق وينصروا الباطل ويبطل توحيد الرحمن ويقوم دين عبادة الأوثان، {فَسَيُنفِقُونَهَا} أي فسيصدرون هذه النفقة وتخف عليهم لتمسكهم بالباطل وشدة بغضهم للحق ولكنها ستكون {عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} أي: تكون ندامة وخزي وذل و{يُغْلَبُونَ} فتذهب أموالهم وما أملوا ويعذبون.. انتهى كلام العلامة السعدي..

قال بعض المفسرين: "فكل من أنفق ماله في حرام وفواحش وآثام، عوقب بالمصائب المقدمة في الدنيا من أمراض وأوبئة وكدر وتنغيص وفي الآخرة عذاب أليم على فعله"..

قال الإمام الشوكاني: "هذا التفات إلى مخاطبة الكفار وتهديدا لهم ومبالغة في إدخال الروعة في قلوبهم {فَسَيُنفِقُونَهَا} سيقع منهم هذا الإنفاق {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ} عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم وكأنّ ذات الأموال تنقلب حسرة ثم تصير ندما {ثُمَّ} آخر الأمر {يُغْلَبُونَ} كما وعد الله به في قوله {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [سورة المجادلة: من الآية 21]".

فهذه الآية 36 من سورة الأنفال نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من أعظم غزوة في تاريخ الأمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، وثبت دعائم الدولة المسلمة وأمضى لها سبق التحدي في معترك الحياة التي تعج بالضلال وعبادة الأهواء، فاستنارت بمنهج الله القويم الذي فصل لنبيه أحكام الجهاد والغنائم وجاءت في ثناياها بث روح الأمل للأجيال المؤمنة التي تأتي بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة..

المبشرات القرآنية ووعد الله بإحباط كيد الكافرين ومكرهم بالإسلام وأهله، وجهودهم الدائبة لإطفاء نوره، وفي ذلك يقول الله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً(17)} [سورة الطارق: 15-17]، مبشرات قرآنية تتحفك بقصص المرسلين والمؤمنين ومخالفيهم وكيف كان الهلاك والدمار للذين تمردوا على الله وكذبوا المرسلين، ومن ذلك، هذا المشهد القرآني الفريد الذي يبين لنا نهاية فرعون وملئه.

يذكر التاريخ لنا في بداية العشرينات من القرن الماضي كيف أنّ أحد اللوردات البريطانيين وقف في مجلس العموم البريطاني وكانت هذه الجلسة مخصصة للاستماع لمنجزات الحكومة البريطانية في مجال القضاء على المسلمين وتحجيم دورهم، وقف هذا اللورد ورفع نسخة من المصحف وقال: "إنّكم لن تستطيعوا القضاء عليهم حتى تنزعوا هذا من صدورهم"..

مهما أنفق أعداء الإسلام وأهل البدع من أموال ليصدوا عن الحق ويقتلوا أهله ويطفئوا جذوته فلن يستطيعوا لذلك سبيلا {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)} [سورة آل عمران: 196-197]، وهذه العقيدة مستقرة عند المؤمنين بوعد الله ونصره وعند العقلاء من أهل الملل والنحل الشاهدين بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ودينه القويم..

ومهما علا صوت أهل الباطل زمنا فمآله إلى البوار والزوال، وتاريخنا الإسلامي يزخر بالحوادث المؤلمة التي كانت امتحانا واختبارا ويقظة للمسلمين وثباتا لهم وخذلانا لغيرهم، وليس قتل أمة أو إغوائها عن دينها نصر حقيقي، إنّ النصر الحقيقي في مفهومه تمكين الحق في الأرض واعتراف بفضله وأهله من قبل أعدائه استمد الإسلام قوته من عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته من الكتاب والسنة ليقيم حياة الروح والبدن في وئام وطمأنينة لم تفسدها حريات لا لجام لها وقيود لا متنفس فيها، تنفق أموالها القليلة فيبارك لها في إحياء أمم، وتزكي ما تعلمته بذلا وعطاء لأبنائها ليصلوا نحو القمم تبغي في ذرا ريها علماء وقادة صالحين قد يشرق من أرحام الطهر والعفاف، شموس تأخذ بأيدي أبنائها وهم في ذروة المحن وفي ذروة إنفاق أهل الضلال أموالهم بالباطل للنصر والتمكين.. لا غرابة في ذلك ولا مستبعد على القوي العزيز، ليجدن المستبصر بدين الله عنايات إلهية في غمرة الكرب ومفاجآت ربانية لأعداء الله وهم لا يشعرون، كيف تكون أموالهم عليهم حسرة ثم يغلبون، فإن غابت جذوة الموحدين في الغرب تنامت في الشرق وإن ضعفت في الشمال قويت في الجنوب وهكذا دواليك سنة الله في عباده، صحيفة (اللوموند الفرنسية) نشرت في شهر آذار - مارس 2000 تحليلاً لـ "آلآن روبييه" قال فيه: "إنّ الغرب منذ 1300 سنة يعيش هاجس مقاومة الإسلام؛ ولكن مع هذا الانتشار السريع للإسلام في الزمن الحالي ما الذي يملك الغرب فعله؛ إنّه لم يعد يملك شيئاً؛ فالإسلام هذه المرة ينقض على الغرب وقريباً سوف تنتهي قيم الغرب الروحية والثقافية والمادية إن لم يجد الغرب وسائل لصد المد الإسلامي!!".

ألم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وأمة تلاحقه لقتله أو أسره {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال: 30] حتى انقلب الأمر في بدر الكبرى بالنصر والتمكين، أين ذهب الذي أنفقه أثرياء قريش ليصدوا عن دعوة التوحيد، بل قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ما قصه الله علينا من خبر موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، فأين ماله وأين مآله؟ وكانت عاقبة الموحدين من بني اسرائيل ما قصه الله في سورة الأعراف {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [سورة الأعراف: 137]، فماذا كان يصنع فرعون في بني اسرائيل محاولات حثيثة لو أد دعوة موسى عليه السلام.. وماكان الملأ من قوم فرعون يعملون له إلاّ حبا بالمال والعطايا فتأمل قولهم {وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)} [سورة الأعراف: 113-114].. لا عن حب لفرعون أو مبادئ واضحة ولا ريب في بغض الجاهل للحق فسرعان ما سينقلب السحر على الساحر وتنقلب العداوة إلى المحبة فالقلوب بيد الله والنصر من عند الله.. فمهما مكروا فقد حاق بهم سوء العذاب المعجل لهم في الدنيا والمدخر لهم في الآخرة {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} [سورة غافر: من الآية 4].

تأمل في مطلع القرن الماضي أين ذهب المستعمرون عندما تقاسموا دولة الخلافة أين مآلهم.. وأين مآل "كمال أتاتورك" الذي أنفق ما أنفق ليغرب البلد المسلم ويسلخه عن دينه.. ما هي إلاّ أوهام النصر الكاذبة وفرقعة فرحة مؤقتة.. وآل بفضل الله على المسلمين في تركيا وفي غيرها من بلاد الإسلام وغير بلاد الإسلام عودة طيبة لدين الله.. وإنّ الإحصائيات الرسمية لتثبت أنّ غير المسلمين يعتنقون الإسلام يوميا بالمئات بل الآلاف حول العالم من جميع القارات، ومن جميع المراحل العمرية مع سطوة الفتنة وشدة العداوة، بل لك عبرة بما أنفقه الإتحاد السوفيتي السابق في تغريب المسلمين واضطهادهم فرجع المسلمون أقوى ممّا كانوا، تلك معجزة هذا الدين العظيم ينفقون أموالهم ليحاربوه وإذا بأعدائه يعتنقوه، كما حصل للمغول لما دخلوا بلا د المسلمين غزاة خرجوا منها دعاة !! ووصل الإسلام بسببهم إلى مناطق شاسعة وبعيدة في أقصى الشرق وأسسوا مملكات إسلامية تحكم بالشريعة..

أين مآل أعدائهم لقد ذهبوا وأموالهم بالحسرات واللعنات، أين ذهبت أموال الحملات الصليبية المتتابعة سنين طويلة، لم تهدأ في زمن الدولة الأيوبية والمملوكية، ذهبت حسرة على الكافرين والمنافقين، ووارى جميعهم التراب وغدا عندالله الحساب والعقاب، أترى قامت الدولة الصفوية بلا مال ولا جهد جهيد بذلت فيه الأوقات والدماء وكل غال ونفيس، فقيض الله من ينقض عروشهم واندثرت دولتهم وبني عبيد الفاطميين، لم يبق في مصر المحروسة إلاّ أثر الرسم على جدران الحسرة والندم هيهات ذهب كل بما أنفقه {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [سورة الأنفال: من الآية 36] فقيض الله البطل المغوار "صلاح الدين الأيوبي" لينقض عروشهم وأفكارهم المسمومة قرون طويلة لا أعادها الله لمصر الحبيبة، سنة الله أن يبقى الحق والباطل في صراع مادامت هناك أرواح وأجساد {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [سورة الرعد: من الآية 17].

لقد يأس وأحبط بعض المسلمين وتوقفوا عن العمل لهذا الدين العظيم، وتصوروا أنّه لعالم أو خطيب فصيح لما يرونه من حرب منظمة على الإسلام تنفق لها الملايين فينبري لها العالم أو الداعية الحكيم، نعم في المسائل الشائكة، أمّا في غيرها فالمرأة والشاب الصغير والكبير الكل مطلوب أن ينفق وقته وماله لنصرة دينه كما فعل الصحابة ومن بعدهم، فبورك لهم بسبب صدق النوايا ودون استعجال قطف الثمر، فالأمور بيد الله {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} [سورة الشورى: من الآية 53] عاقبة وحمدا، كم من كلمة كانت حياة أنجبت عالما وداعية بأمة أليس ذلك من وجوه الإنفاق المبارك فكانت سنة حسنة؟

فنهضة أمة الإسلام ورجوعها زرافات ووحدانا للدين حسرة على الكافرين بضياع جهودهم أموالهم ثم يغلبون..

ظن الجرمون أنّهم يطفئون نور الاسلام فإذا به في ازدياد، لن تنسى مذابح البوسنة والهرسك..

يريدون استئصال المسلمين وإذا بهم يعودون أقوى ممّا كانوا، بل لقد أيقظتهم تلك الفاجعة عن حقد دفين للمسلمين في شرق أوربا، وإذا بالشباب والشابات يتجهون بفضل لله إلى دينهم وإلى الفضيلة ما لا تستطيع عمله كتائب من الدعاة، ولكن تنبع من المحن منح ربانية تشهد بقوة هذا الدين وتمسك أهله ومحبته له، وإذا بمفاجآت أهل التي يخططون لها عقودا طويلة وينفقون لها أمولا عظيمة تذهب أدراج الرياح ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون..

أسأل الله لأمة الإسلام صحوة حقيقية، وردا جميلا لدينهم، وأن يمكن للأجيال القادمة ما لم يمكن لم قبلهم.. وسيكون بوعدالله.

اللّهم آمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

والله الموفق والهادي إلى سيبيل الرشاد.

كتبه/ محمد الحجي


المصدر: طريق الإسلام

هل ترى إعلانًا سيئًا؟ انقر هنا لمعرفة السبب
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.