هل تصح الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس؟

منذ 2013-10-10

الذي يظهر لي والعلم عند الله سبحانه وتعالى هو رجحان، أن البقاء بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف بها نهارا سنة، وليس على من تركه شيء.

 

المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الحج إلى بيت الله الحرام قد تغيرت ظروفه وأحوال الناس فيه خلال خمسين سنة تغيرا عظيما، فقد كانت أعداد الحجاج على مدى أربعة عشر قرنا تقريبا لا تتجاوز المائة ألف حاج إلا قليلا، وفي أواخر القرن الثالث عشر، بدأت أعداد الحجاج تتزايد بشكل متسارع حتى بلغت ثلاثة ملايين حاج أو تزيد، تبعا لسهولة المواصلات واستتباب الأمن ولله الحمد والمنة، وقد استجابت الحكومة السعودية سددها الله لهذا النمو، بمشاريع عملاقة في المسجد الحرام والمشاعر المقدسة، وفي منافذ الوصول والمواقيت المكانية..

ورغم كل ذلك فإن المشاعر المقدسة لها طاقة استيعابية محدودة، غير أن هذه الطاقة قد تتغير زيادة أو نقصا تبعا لبعض الفتاوى أو المذاهب الفقهية، فطول وقت الرمي، والترخيص للحاج أو للضعفة بالدفع من مزدلفة قبل الناس، وجواز المبيت خارج منى لمن عجز عن المبيت فيها، والرمي والطواف والسعي في الأدوار العليا، ونحوها تزيد طاقة المشاعر المقدسة عند من يفتي ومن يقلد من يفتي بها، وذلك كله يزيد من فرص ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج، ممن تاقت نفوسهم، وتعلقت أفئدتهم بهذا البيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، إن على من يبحث في مسائل الحج أن يتذكر وهو يبحثها أموراً أهمها:

1- أن الله سبحانه وتعالى قد علق قلوب عباده ببيته، فما من مسلم إلا ونفسه تهفو لهذا البيت، وتتعلق بتلك المشاعر والبطاح، إن بالمسلم حاجة لا يسدها إلا الوفود على الله، والطواف ببيته، وتعظيم تلك المشاعر العظام، وعرض الحوائج على الله سبحانه وتعالى في تلك المواقف التي هي أعظم مواقف الدنيا، لقد جعل الله سبحانه وتعالى بيته قياما للناس تقوم به مصالحهم، وتصلح به أمور دينهم ودنياهم قال سبحانه: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [المائدة: 97].

على الباحث أن لا ينظر إلى مسائل الحج من خلال شرط الاستطاعة فحسب، بل عليه أن ينظر إليها من خلال ما بالمسلمين من حاجة للتأله والعبودية والارتباط بقبلتهم ومتنزل كتابهم ومبعث نبيهم ومصدر ثقافتهم وإلهامهم، على الباحث أن يدرك وهو يبحث تلك المسائل أن كل مسلم لم ير ا?بيت الحرام إلا في التلفاز أو الصور قد تاقت نفسه أن يطأ برجله تلك البقاع، ويعاين ببصره تلك المشاهد ويتحسس بيده تلك الأركان، لا يسأل عن سقوط الواجب بقدر ما يسأل متى يدفع تلك الغصة ويشبع ذلك الجوع ويطفئ ظمأ روحه إلى وصل الكريم في بيته؟

لقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا البيت مثابة للناس وأمنا لا يقضي منه زائره وطرا، ولا يودعه إلا وهو يُمنِّي نفسه أن يثوب إليه ويرجع وعد صادق، وخبر ليس بالأغاليط قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا..} [البقرة: 125].

إن شكاية كثير من مفكري الإسلام، اجتياح الثقافة الغربية للعالم الإسلامي، وانبهار كثير من شباب الأمة بها، يجب أن ينبههم إلى أن من أهم أسباب ذلك، بُعْدَ كثير من شيوخ الأمة وعجائزها فضلا عن شبابها ومراهقيها عن قطب رحاهم، ومنطلق ثقافتهم، وعنوان هويتهم، عن قبلتهم التي قال الله عنها: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..} [البقرة: 144]، عن البيت العتيق الذي أهوى الله إليه قلوب المؤمنين استجابة لدعوة الخليل عليه الصلاة والسلام حين قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].

إن التعبير بـ(تهوي) دقيق في الدلالة على شدة التعلق والحب حتى لكأن القادم عليه لفرط شوقه كالمتردي من جبل شاهق إلى وادٍ سحيق.

2- أن كثيرا من مسائل الحج تحتاج إلى تحرير وإعادة بحث وفق الظروف الجديدة، وهذا لا يعني بحال من الأحوال تقصيرا من فقهاء الأمة السابقين، أو نقصا في قدراتهم، بقدر ما يعني أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج واضح وسنته جلية، ولم تكن ظروف الحج خلال ثلاثة عشر قرنا تحتاج إلى تمحيص وتحقيق الخطوط الفاصلة بين ما يجزئ وما لا يجزئ، وبين ما ينقص الكمال وما يمنع الإجزاء، وهذا ما أدركه علماء الأمة الذين أفتو بجواز الرمي ليلا، والمبيت خارج منى لمن عجز عن المبيت بها...الخ. تلك الفتاوى التي استشعرت الواقع الجديد وبحثت مسائل الحج وفق النصوص الشرعية، والقواعد المرعية، تراعي الظروف، وتعظم النصوص، وتحقق المقاصد، وسطا بين الجمود والتمييع.

3- أن رفع الحرج من مقاصد الشريعة، وقد نص عليه الشارع في أعمال يوم الحج الأكبر، وكلما عظمت المشقة وزاد العسر قرب التيسير، وليس بالضرورة أن يصل الأمر إلى الضرورة، فما من رخصة عُلِّقت في الحج على الضرورة، فالترخيص للنساء بالدفع من مزدلفة قبل الناس، وللسقاة والرعاة بترك البيتوتة بمنى، وللرعاة بجمع الرمي كلها ثبتت للمشقة التي يوجد الآن أضعافها، ومن تأمل مقاصد الشرع ونصوص الشارع وفِقه أئمة السلف في الحج، أدرك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحج مرارا: «لا حرج لا حرج » كقوله: «أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»، فهذان الحديثان معجزتان من معجزاته ودليلان من دلائل نبوته، فكما أن رمي الجمار من مواطن الغلو فإن أعمال الحج مظنة المشقة والحرج، فكما نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو عند مظانه، نفى الحرج عند مظانه والتي قد يساعد عليها فتاوى بعض طلاب العلم أو ترجيحاتهم لأقوال أئمة لو أدركوا هذا الزمن وما تغير فيه لربما تغيرت أقوالهم، فربما تعصب التلميذ لأقوال شيخه أكثر من تعصب الشيخ لقول نفسه!


وتبعا لهذه الرؤية، فقد عزمت مستعينا بالله على بحث مسألة من هذه المسائل وهي: "الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس لمن وقف نهارا"، سائلاً الله العون والتسديد، وأن يلهمني ما يرضيه، ويصلح عباده، ويقربهم إليه، والحمد لله رب العالمين.

منهجي في البحث:
1-  قسمت البحث إلى تمهيد ومباحث.
2 - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها في المصحف.
3 ? عزوت الأحاديث النبوية إلى مواضعها من كتب السنة، وحرصت على نقل كلام أهل الحديث على الحكم على مالم يرد في الصحيحين أو أحدهما منها.
4 ? وثقت كلام أهل العلم من مظانه الأصلية.
5 ? أسـهبت في النقل عن أهـل العـلم على اختلاف مذاهبهم لتقرير ما رأيت، أو لبيان قول خالفت صاحبه قبل أن أناقشه.

تمهيد:
ويتضمن أمرين:
الأمر الأول: هدي النبي صلى الله عليه بعرفة
لما طلعت الشمس من اليوم التاسع، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تضرب له قبة بنمره، ثم ركب من منى حتى أتى نمرة، وهي قرية تقع إلى الجهة الشمالية الغربية من عرفات تقريباً قبلة المسجد الآن، وهي خارج عرفة، وقد خربت الآن، قال ابن حجر رحمه الله: "ونَمِرة بفتح النون وكسر الميم موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات" [1].
فلما وصل إليها، نزل صلى الله عليه وسلم حتى زالت الشمس، ثم ركب راحلت? حتى أتى بطن عرنة (الوادي المعروف)، وبطن عرنة ليس من الموقف فنزل صلى الله عليه وسلم وخطب الناس خطبةً عظيمة، وصلى بهم الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ثم ركب راحلته وأتى الموقف ووقف عند الجبل المعروف قديما بجبل (إلَال) والآن بجبل (الرحمة)، ولم يرقه صلى الله عليه وسلم أو يصعدهُ وإنما وقف أسفل الجبل واستقبل القبلة ورفع يديه يتضرع ويدعوا الله سبحانه وتعالى حتى غربت الشمس. فلما سقط قرص الشمس وذهبت الصفرة، دفع صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى مزدلفة، روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلاَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِى فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ كُلُّ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِى سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِى النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ، قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ». كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ» [2]، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذا هو أكمل الهدي وخير الهدي، وأن أكمل الأحول أن يفعل الحاج كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يقف بعرفة نهاراً ويمكث بها حتى تغرب الشمس، ثم بعد ذلك يفيض إلى مزدلفة، ولا يخرج من عرفة حتى تغرب الشمس.

الأمر الثاني:
بداية وقت الوقوف بعرفة ونهايته
أجمع أهل العلم على أن وقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع الفجر ليلة العيد، وأن من لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر ليلة العيد فقد فاته الحج، قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر [3].

ومستند هذا الإجماع:
1 حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف يعني بجمع قلت جئت يارسول الله من جبل طي أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{C}{C}من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه{C}{C}» (أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حسن صحيح) [4].

2 حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه قال: "شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا يا رسول الله كيف الحج فقال: «الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه» (رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن) [5]، قال الترمذي: "والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر".

ثم اختلف أهل العلم في بداية وقت الوقوف بعرفة على قولين:
القول الأول: "أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من فجر يوم عرفة"، وبهذا قال الحنابلة وهو من المفردات [6].

القول الثاني: "أن وقت الوقوف يبدأ من زوال الشمس يوم عرفة"، وهو قول جمهور أهل العلم، فقد قال به الحنفية [7]، والمالكية [8]، والشافعية [9]، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو حفص العكبري من الحنابلة [10]، وبه قال أهل الظاهر [11]، وحكى ابن عبد البر [12]، وابن رشد الحفيد [13]، الإجماع على هذا القول، وفي هذا الإجماع نظر مع خلاف الحنابلة السابق.

الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل الحنابلة بما يلي:
(1) عن عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف يعني بجمع قلت جئت يارسول الله من جبل طي أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{C}{C}من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه{C}{C}» (أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حسن صحيح) [14]. فقوله صلى الله عليه وسلم: «{C}{C}أو نهاراً، صادق بأول النهار وآخره{C}{C}».

المناقشة: نوقش هذا الاستدلال بأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه من بعده كالتفسير له [15]، قال النووي رحمه الله: "وحديث عروة محمول على ما بعد الزوال" [16].

الجواب: أجيب بأن ترك الوقوف قبل الزوال لا يمنع كونه وقتا للوقوف، كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف [17].

(2) أن ما قبل الزوال من يوم عرفة، فكان وقتا للوقوف، كبعد الزوال [18].

أدلة القول الثاني:
استدل الجمهور بما يلي:
(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعد زوال الشمس وقال: «{C}{C}لتأخذوا مناسككم{C}{C}» [19]، فهذا بيان لأول وقته [20]،  ففعله صلى الله عليه وسلم كالتفسير والبيان لحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه.

المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال بأن ما قبل الزوال كما بعد العشاء، فإذا كان ?عله صلى الله عليه وسلم بيانا للوقت الذي يجزئ الوقوف فيه، فلا يجزئ الوقوف بعد العشاء لعدم وقوفه فيه، وهو باطل إجماعا [21].

الترجيح:
لا شك عندي والله أعلم، أن مذهب الحنابلة هو الراجح، دليلا على أن الأحوط للمسلم أن يخرج من خلاف جمهور أهل العلم، قال الشنقيطي رحمه الله: وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال، فقد قدمنا: أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدل عليه، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: أو نهاراً، صادق بأول النهار وآخره. كما ذهب إليه الإمام أحمد. ولكن فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه من بعده، كالتفسير للمراد بالنهار، في الحديث المذكور، وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط، والعلم عند الله تعالى [22].

المبحث الأول:
حكم حج من وقف بعرفة نهارا فقط
اختلف أهل العلم في حكم حج من وقف بعرفة نهارا في وقت الوقوف (حسب الخلاف السابق بين الجمهور والحنابلة)، ثم خرج من عرفة قبل غروب الشمس ولم يرجع إليها على قولين:

القول الأول: ذهب عامة أهل العلم منهم: عطاء، والثوري، وأبو ثور [23]، والحنفية [24]، والشافعية [25]، والحنابلة [26]، وأهل الظاهر [27]. إلى صحة الحج، قال ابن عبد البر: "وقال سائر العلماء كل من وقف بعرفة بعد الزوال أو في ليلة النحر فقد أدرك الحج، فإن دفع قبل غروب الشمس من عرفة فعليه دم عندهم وحجه تام" [28]، وقال ابن المنذر: "وبه قال جميع العلماء إلا مالكا" [29]. وقال ابن قدامة: "فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح، في قول جماعة الفقهاء، إلا مالكا" [30]. ورجح هذا القول من المالكية ابن عبد السلام، واللخمي، وابن العربي، ومال إليه ابن عبد البر [31].

القول الثاني: ذهب الإمام مالك إلى أنه لا حج له ما لم يرجع فيقف ليلا [32]، وقد انفرد مالك رحمه الله بهذا القول قال ابن عبد البر: ولا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، إن من دفع قبل الغروب فلا حج له وهو قد وقف بعد الزوال وبعد الصلاة، ولا روينا عن أحد من السلف والله أعلم [33].

الأدلة:
أدلة القول الأول:

(1) حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف يعني بجمع قلت: جئت يارسول الله من جبل طي أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه " (أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حسن صحيح) [34].

(2) أنه وقف في زمن الوقوف، فأجزأه، كالليل [35].

أدلة القول الثاني:

(1) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «{C}{C}مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ{C}{C}» (أخرجه الدارقطني وقال: "رَحْمَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ضَعِيفٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُهُ") [36].

المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال بضعف الحديث وعدم قدرته على معارضة حديث عروة بن مضرس، ولو صح لكان محمولا على أنه خص الليل لأن الفوات يتعلق به، لكونه آخر الوقت قال ابن قدامة: فأما خبره، فإنما خص الليل; لأن الفوات يتعلق به إذ كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف، كما قال عليه السلام: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها [37].

(2) حكم الجميع لمن أدرك بعض الليل بتمام الحج، وأن إدراك أوله كإدراك آخره، وهذا يدل على أنه كله وقت للوقوف، ثم اتفقوا أنه لا حج لمن دفع من عرفة قبل الزوال وقبل الظهر والعصر، فوجب أن يسوى كما يسوى بين حكم سائر الليل، لأنه ما انتفى في بعض الجنس فهو منتف في سائره [38].

المناقشة:
نوقش هذا الدليل بأنه ليس بلازم للحنابلة الذين يرون أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع فجر يوم عرفة، فمن اقتصر عندهم على الوقوف قبل الزوال فحجه صحيح، ثم إن هذا قياس مع النص وهو حديث عروة المتقدم، فهو فاسد الاعتبار.

الترجيح:
وقول الجمهور هو الصحيح قطعا في هذه المسألة، وقول الإمام مالك رحمه الله إلى الشذوذ أقرب، والله أعلم.

المبحث الثاني:
حكم الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس لمن وقف نهارا:
اختلف جمهور أهل العلم الذين يرون صحة حج من وقف بعرفة نهارا فقط، فيمن وقف بعرفة نهاراً ما حكم بقائه إلى أن تغرب الشمس؟ على قولين:

القول الأول: أن من وقف نهاراً يجب عليه أن يبقى بعرفات حتى تغرب عليه الشمس، وهو قول جماهير أهل العلم، فقد قال بهذا القول الحنفية [39]، والشافعية في إحدى الروايتين [40]، والحنابلة في الصحيح من المذهب [41]، وجمع من الأئمة والعلماء قديماً وحديثاً.

القول الثاني: أن بقاء من وقف نهارا إلى الليل سنة، وهذا القول هو الرواية الثانية عن الإمام الشافعي، وهي المذهب عند الشافعية، واختارها الإمام النووي [42]، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد [43]، وقول ابن حزم الظاهري [44].

الأدلة:
أدلة القول الأول:

(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة نهاراً واستمر واقفاً فيها حتى غربت الشمس، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في حجه: «{C}{C}لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ{C}{C}» رواه مسلم [45]، فهذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي الناس بهِ في مناسك الحج، فنحن مأمورون بالاقتداء بهِ والأمر للوجوب، وإذاً فالبقاء حتى تغرب الشمس واجب. لفعله المقرون بأمره بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم [46].

المناقشة:
يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان في كل أفعال الحج يقول: «{C}{C}لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ {C}{C}»، ومع هذا فإني لا أعلم أحداً من أهل العلم يقول بأن كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجه واجب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقال لتأخذُوا مناسككم. وإذا فمجرد هذا الدليل لا يكفي لإيجاب الوقوف بعرفه حتى تغرب الشمس فالذين قالوا إنه واجب بهذا الدليل لم يقولوا بأن المبيت بمنى ليلة التاسع واجب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم بات فيها وقال لتأخذُوا مناسككم. ولم يقولوا بأن الدعاء عند الجمرات واجب مع أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عند الجمرة الأولى والثانية وقال لتأخذُوا مناسككم. وإذاً فمجرد هذا الدليل بمفرده لا ينتج الوجوب بإجماع عمل الأئمة بخلافه.

(2) أن النبي صلى الله عليه وسلم، وقف بعرفة نهاراً واستمر بها حتى غربت الشمس، وذلك منه صلى الله عليه وسلم مخالفة لهدي المشركين. فإن المشركين عدا قريش، كانوا في الجاهلية يقفون بعرفات، وكان هديهم أنه إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال مثل العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا من عرفة إلى مزدلفة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالف هديهم، فبقي صلى الله عليه وسلم حتى غربت الشمس. فعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «{C}{C}أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان، كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس، حين تكون الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها، فهدينا مخالف لهديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رءوس الجبال، مثل عمائم الرجال على رءوسها فهدينا مخالف لهديهم{C}{C}» [47]، ولا شك أن من أعظم مقاصد حج النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل عقائد الجاهلية وما كان عليه أهل الجاهلية [48].

المناقشة:
هذا الدليل منقوض، فإن المشركين لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع قبل أن تطلع الشمس، كما في الحديث السابق ولم تقولوا: إن الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس واجب بل قلتم: "يسن للإنسان ?ن يدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس لكنه ليس بواجب"، وذلك مع أن هذا مخالف لهدي المشركين، قال ابن حزم رحمه الله: "ثُمَّ هُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ; لِأَنَّهُمْ لَا يُبْطِلُونَ حَجَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ جَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ" [49]، وقال شيخ الإسلام: وكلما كان من المناسك فيه مخالفة لهدي المشركين فإنه واجب أو مستحب مثل الخروج إلى عرفة وترك الوقوف عشية عرفة بمزدلفة والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس والإفاضة من جمع قبل طلوع الشمس والطواف بالثياب ودخول البيت من الباب وهو محرم والطواف بالصفا والمروة [50].
فمجرد المخالفة لا يستلزم الوجوب مالم يكن ثمة دليل على الوجوب غيره، والله أعلم.

(3) أنه قد ثبت كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «{C}{C}ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه{C}{C}» [51]، ولا شك أن الانصراف من عرفات قبل غروب الشمس أيسر على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، فالناس في ذلك الوقت كانوا يتنقلون على الإبل وعلى الحمر وعلى أرجُلهم، والمسافة بين عرفات ومزدلفة تحتاج إلى وقت فقد يمضي عامة الليل قبل أن يصل الحاج إلى مزدلفة، بل إن بعض الحجاج ربما خرج من عرفات ولم يصل إلى مزدلفة ويتيه عنها، ولهذا كان الخلافاء وأُمراء الحج يوقدون ناراً في المشعر الحرام في مكان مرتفع يسمى (المِيقدة)، من أجل ألا يضل الحجاج يميناً أو شِمالا. وإذاً فلا شك أن الأيسر لهم أن ينصرفوا نهاراً حتى يصلوا إلى مزدلفة في وقت إسفار. فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر، وأخذ بالأشق دل على أن الأيسر لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما [52].

المناقشة:
يمكن مناقشة هذا الدليل بأن ثمة أكثر من احتمال، لعلها هي التي حملت النبي صلى الله عليه وسلم على البقاء حتى الغروب، بل قد يكون بقاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن غربت الشمس هو الأرفق بالمسلمين، فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الأيسر وهو الدفع نهاراً إلى الأشق وهو الدفع ليلاً، إلا ليهدم عقيدة من عقائد المشركين، فإن من أعظم مقاصد حجة النبي صلى الله عليه وسلم هدم عقائد المشركين، وإذا لم يهدمها النبي صلى الله عليه وسلم فمن يهدمها إذاً؟!

فإذا كان من المقاصد العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أن يهدم هذه العقيدة، فبقاؤه حتى الغروب لهدمها، لأنه لو لم يفعل ذلك لما انهدمت، فهذا يحتمل أنه هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يختار الأشق على الأيسر. وثمة احتمال آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بقي حتى غ?بت الشمس ليُعَلِّم الناس أن الوقوف بعرفة يصح ليلاً، خاصة إذا علمنا أن الليلة في الإسلام تتبع اليوم الذي بعدها، فالأصل أن يوم عرفة ينتهي بغروب الشمس، فالوقوف في ليلة العيد يحتاج إلى دليل من النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعرف الناس أن ليلة العيد تابعة ليوم عرفة، وليست تابعة ليوم العيد. فهذه مصلحة، وإذاً، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يخبر الأمة ويشرع لها أن هذه الليلة، وإن كانت في الأصل تابعة لليوم الذي بعدها، إلا أنها في هذا اليوم تابعة لليوم الذي قبلها رفقا بالأمة، لأن وقت الوقوف سيطول، وإذا كان ثمة أكثر من سبب كلها تسوغ ترك الأيسر، دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الأيسر على أُمتهِ، إلا لمصالح عظيمة هي أعظم وأرفق بهم من الدفع قبل الغروب، فلا يستقيم الاستدلال بهذا الدليل على وجوب البقاء حتى تغرب الشمس. فإن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

أدلة القول الثاني:
(1) عن عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف يعني بجمع قلت جئت يارسول الله من جبل طي أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{C}{C}من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه{C}{C}» (أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حسن صحيح) [53].

وجه الإستدلال:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقد تم حجه، ومن ترك واجبا لم يتم حجه، فلو كان البقاء إلى غروب الشمس واجبا لما قال عليه الصلاة والسلام: فقد تم حجه، ومن أوجب الدم على من انصرف من عرفات قبل غروب الشمس، معللا ذلك بأنه دم جبران لما حصل في النسك من النقص، كيف يجيب على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد تم حجه؟!

ثم إنه قد ورد في بعض روايات حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «{C}{C}من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه{C}{C}» (رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والدارقطني) [54]، فإذا كانت هذه الرواية محفوظة [55]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول «{C}: كان قد أفاض من عرفات ليلاً أو نهارا يعني وقف ثم دفع ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثَه وليس بعد التمام نقص وليس مع التمام نقص».

(2) أنه وقف في أحد زماني الوقوف، فلا يلزمه دم للزمان الآخر، كما لو وقف في الليل دون النهار [56].

(3) أن من و?ف بعرفة ليلا فحجه تام بإجماع أهل العلم، والوقوف بعرفة نهارا فقط أفضل من الوقوف بها ليلا فقط، فإن عامة وقوف النبي صلى الله عليه وسلم كان في النهار، فإذا تم حج من وقف ليلا فقط فلأن يتم حج من وقف نهارا فقط من باب أولى.

الترجيح:
الذي يظهر لي والعلم عند الله سبحانه وتعالى هو رجحان، القول الثاني وهو أن البقاء بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف بها نهارا سنة، وليس على من تركه شيء، بل حجه تام بنص حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه، وهو دليل قوي ثابت قال الترمذي: حديث عروة بن مضرس حديث حسن صحيح. وقال الحاكم رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث، وهي قاعدة من قواعد الإسلام [57]، وأيضا فهذا القول متوافق مع حاجة المسلمين وما يعانونه من مشقة وعسر وضيق بسبب كثرة الأعداد، ومحدودية الطرق، وتأخر وقت الانصراف، وقبل سنوات قريبة، لم يصل كثير من الحجاج إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، فحينما ينصرف ثلاثة ملايين حاج في وقت واحد، مع طرق محدودة مسافة سبعة كيلومترات، فمتى سيصل آخر الحجاج؟ وبعض أهل العلم يقول إن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، ولم يرد في البقاء إلى غروب الشمس من الأدلة مثل ما ورد في المبيت بمزدلفة، أما استدلالات الجمهور الذين قالوا بالوجوب فمناقشة، والعلم عند الله.

الخـاتمة:
تتلخص أهم نتائج البحث فيما يلي:

(1) هدي النبي صلى الله عليه وسلم في وقوفه بعرفات، أن يقف بها بعد زوال الشمس وصلاة الظهرين جمعا وقصرا، ويستمر واقفا بها حتى تغيب الشمس ثم يفيض منها إلى مزدلفة، وهديه صلى الله عليه وسلم هو خير الهدي وأكمله.

(2) يبدأ وقت الوقوف بعرفة بعد زوال الشمس عند جماهير أهل العلم، وبعد طلوع الفجر عند الحنابلة، ومذهب الحنابلة أرجح دليلا، وقول الجمهور أحوط. والله أعلم.

(3) ينتهي وقت الوقوف بعرفة بطلوع الفجر من ليلة العيد بإجماع أهل العلم.

(4) الصحيح أن من وقف بعرفة نهارا، ثم أفاض منها قبل غروب الشمس، ولم يرجع إليها فحجه صحيح، وهو قول عامة أهل العلم خلافا للإمام مالك رحمه الله، وقوله ضعيف.

(5) الراجح أن من وقف بعرفة نهارا، يسن له البقاء فيها حتى تغرب الشمس، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد وقول الظاهرية، خلافا لمن أوجب ذلك وهم الجمهور، أو جعله شرطا لصحة الحج وهو الإمام مالك رحمة الله عليهم أجمعين.
-------------------------------------------------

(1) فتح الباري 3/511.
(2) صحيح مسلم ك الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218) 1/886.
(3) المغني 5/274.
(4) المسند 4/261، سنن الترمذي كتاب الحج بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بِجَمْعٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ 3/239،238 (891)، سنن أبي داود كتاب المناسك بَاب مَنْ لَمْ ?ُدْرِكْ عَرَفَةَ 2/487،486، سنن النسائي كتاب المناسك باب فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ الْإِمَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ 5/264،263، سنن ابن ماجه كتاب المناسك بَاب مَنْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ 2/1004 (3016)، وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/463 وقال: هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث، وهي قاعدة من قواعد الإسلام، ووافقه الذهبي.
(5) المسند4/310،309، سنن الترمذي كتاب الحج باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج 3/237 (889)، سنن أبي داود كتاب المناسك بَاب مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَة 2/485 (1949)، سنن النسائي كتاب المناسك باب َفَرْضُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ 5/256، سنن ابن ماجه كتاب المناسك بَاب مَنْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ 2/1003 (3015).
(6) المغني 5/274، شرح منتهى الإرادات 2/58، كشاف القناع 2/ 494، الإنصاف 4/29.
(7) بدائع الصنائع 2/125، حاشية ابن عابدين 2/467، تبيين الحقائق 2/24.
(8) علما أن الوقوف نهارا عند المالكية مسنون ولا يجزئ مالم يقف جزءا من الليل كما سيأتي إن شاء الله: المنتقى 3/1920،مواهب الجليل 3/94، الفواكه الدواني 1/361.
(9) المجموع 8/123، مغني المحتاج 2/262، نهاية المحتاج 3/298، تحفة المحتاج 4/110.
(10) المغني 5/274، الإنصاف 4/29.
(11) المحلى 5/112.
(12) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر 8/575.
(13) بداية المجتهد 1/254.
(14) سبق تخريجه وانظر في هذا الاستدلال: المغني 5/275.
(15) العنايه شرح الهداية 2/509، أضواء البيان 5/260.
(16) المجموع 8/142.
(17) المغني 5/275.
(18) المغني 5/275.
(19) رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ. كتاب الحج بَاب اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا وَبَيَانِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ 1/943 (1297).
(20) الهداية مع فتح القدير 2/508، بدائع الصنائع 2/126.
(21) المغني 5/275.
(22) أضواء البيان 5/260.
(23) المجموع شرح المهذب 8/123.
(24) بدائع الصنائع 2/125126، المبسوط 4/55، فتح القدير 2/509.
(25) المجموع شرح المهذب 8/123، أسنى المطالب 1/488، حاشيتا قليوبي وعميرة 2/145، مغني المحتاج 2/263.
(26) المغني 5/272،الإنصاف 4/2930، كشاف القناع 2/495.
(27) المحلى 5/115.
(28) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر 8/575.
(29) المجموع شرح المهذب 8/123.
(30) المغني 5/272.
(31) مواهب الجليل 3/94، منح الجليل شرح مختصر خليل 2/254.
(32) المدونة 1/430، فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عب? البر 8/575، المنتقى 3/20، مواهب الجليل 3/94
(33) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر 8/575.
(34) سبق تخريجه.
(35) المغني 5/273.
(36) سنن الدارقطني باب المواقيت2/241، وضعفه ابن حزم قال في المحلى 5/117: هذا عورة لأن أبا عون ابن عمرو، ورحمة بن مصعب، وداود بن جبير مجهولون لا يدرى من هم وابن أبي ليلى سيئ الحفظ.وضعفه الزيلعي في نصب الراية3/145، وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق، والألباني في إرواء الغليل 4/258 عند تخريج الحديث رقم(899) وانظر في هذا الاستدلال المغني لابن قدامة 5/272، والمحلى 5/117، وذكر عددا من الآثار التي لايستقيم الاستدلال بها، إما لعدم ثبوتها، أو لضعف دلالتها على المسألة.
(37) المغني 5/273،والحديث متفق عليه عن أبي هريرة بألفاظ متقاربة أقربها ما في صحيح مسلم: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ. كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب من أدرك ركعة من الصلاة 1/424 (608)، وصحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة باب من أدرك من الفجر ركعة 1/ 144.
(38) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر 8/576.
(39) فتح القدير 2/409، البحر الرائق 2/332، حاشية ابن عابدين 2/468.
(40) المجموع 8/123124، نهاية المحتاج 3/299، مغني المحتاج 2/263، حاشية القليوبي وعميرة 2/ 145.
(41) المغني 5/393، الإنصاف 3/523.
(42) المجموع 8/123124، نهاية المحتاج 3/299، مغني المحتاج 2/263، حاشية القليوبي وعميرة 2/ 145.
(43) الإنصاف 4/30،59.
(44) المحلى 5/115.
(45) سبق تخريجه.
(46) فتح القدير 2/477، المغني لابن قدامة 5/393.
(47) أخرجه الحاكم في المستدرك2/277، 3/524 وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي5/125.
(48) فتح القدير 2/477، تبيين الحقائق 2/27.
(49) المحلى 5/118.
(50) شرح العمدة لشيخ الإسلام بتحقيق أ.د صالح الحسن 1/543.
(51) صحيح البخاري كتاب المناقب بَاب صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 4/167،166، صحيح مسلم كتاب المناقب بَاب مُبَاعَدَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْآثَامِ وَاخْتِيَارِهِ مِنْ الْمُبَاحِ أَسْهَلَهُ وَانْتِقَامِهِ لِلَّهِ عِنْدَ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ. 2/1813(2327).
(52) الشرح الممتع على زاد المستقنع 7/418.
(53) سبق تخريجه.
(54) المسند 4/262،261، سنن النسائي كتاب المناسك باب فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ الْإِمَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ 5/264، سنن ابن ماجه كتاب المناسك بَاب مَنْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ 2/1004 (3016)، سنن الدارقطني باب المواقيت 2/240
(55) صحح هذه الرواية شيخ الإسلام في شرح العمدة تحقيق أ.د صالح الحسن 2/576، والألباني في صحيح وضعيف النسائي (3042)، والأرنؤوط في تعليقه على المسند.
(56) المهذب مع المجموع 8/124.
(57) سبق عند تخريج حديث عروة في أول البحث.

 

 

د. عبد الله بن حمد السَّكاكر