يوم الفرقان.. ثبات المبدأ وقوة الإيمان

منذ 2014-07-16

إن المسلم لا يدرك هذه القوة إلا عندما يستشعر عظمة الله وقدرته وسعة ملكه وسلطانه فيترفع ويبتعد عن مواطن الذل والمهانة فلا يخاف من أجله ولا يخشى على رزقه لأنه هذه الأمور بيد الله وحده يردد قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145].

الخطبة الأولى:
الحمد لله مُعزّ من أطاعه واتقاه، ومذلّ من خالف أمره وعصاه، قاهر الجبابرة وكاسر الأكاسرة، لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه، ينصر من نصره ويغضب لغضبه ويرضى لرضاه، أحمده سبحانه وأشكره حمدًا وشكرًا يملآن أرضه وسماه، من أقبل إليه صادقًا تلقاه ومن ترك لأجله شيئًا أعطاه فوق ما يتمناه ومن توكل عليه كفاه فسبحانه من إله تفرد بكماله وبقاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبود بحقٍ سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه ومصطفاه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين وكل من نصره ووالاه أما بعد:

عباد الله: هل يمكن لجيش يدخل في مواجهة عسكرية هامة ومصيرية وأفراده جوعى وحفاة وعراة وليس لديهم من السلاح والعتاد إلا القليل مع جيش كبير مدرب وكثير عدده وأسلحته وعتاده؟ هل يمكن لهذا الجيش أن يحقق نصرًا؟ في مقياس البشر لا يمكن تصور ذلك وقد يكون الدخول في هكذا معركة ضرب من الخيال. لكن جيشًا قائده محمد صلى الله عليه وسلم وأفراده هم صحابته الكرام غير ذلك بإيمانهم وصدق توكلهم على الله إنه الإيمان الصادق الذي ينبغي أن تتربى عليه الأمة اليوم أفرادًا وشعوبًا ومجتمعات فبه تنتشر السعادة وتحل البركة ويحصل الأمن والأمان ويتحقق النصر وتحرر الأرض وتسترد المقدسات.

كانت هذه المواجهة في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة؛ خرج جيش المسلمين لا يريد القتال أو الاعتداء على أحد أو سفك دم أحد، ولكنه أراد أن يسترد بعض أمواله التي نهبتها قريش على كثير من أفراد؛ فقد ظلموا وطوردوا وسجنوا ومنهم من قتل، ثم أخذت أموالهم تتاجر بها إلى الشام وعند علمهم بقدوم قافلة لقريش خرجوا ليستردوا بعضًا منها. فعلمت قريش وخرجت بجيشها وتحول الموقف إلى معركة أرادها الله بحكمته ليميز الخبيث من الطيب، والحق من الباطل، والخير من الشر، ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا، قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7].

وأثناء مسيرهم إلى بدر لملاقاة قريش نظر إليهم صلى الله عليه وسلم فرأى التعب والكدح وضيق العيش على وجوههم فبطونهم فارغة وأجسادهم عارية حفاة الأقدام فقراء، فرفع أكف الضراعة واتصل بالواحد الديان، وقال: «اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم» (حسنه الألباني في صحيح أبي داود/2747). وفي أرض المعركة وقف صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «أشيروا عليّ أيها الناس»، فتكلم المهاجرين خيرًا، فقام منهم المقداد بن عمرو، وقال: "امض بنا يا رسول الله لما أمرك الله، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَ‌بُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ}، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون" فاستبشر صلى الله عليه وسلم، وقالها مرةً أخرى: «أشيروا عليّ أيها القوم»، فقام سعد بن معاذ من الأنصار وقال: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟" قال صلى الله عليه وسلم: «أجل»، قال: "لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبر في الحرب، صُدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله"؛ فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَوَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ» (ابن هشام: السيرة 1/ 615). فكان النصر الذي هو ثمرة الإيمان ولم تكن قوة العدد والعدة سبب ذلك وإن كانت من الأمور الهامة ومن أسباب النصر قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].

أيها المؤمنون؛ عباد الله: بسبب هذا الإيمان الصادق في قلوب هذه الفئة المؤمنة أدار المولى سبحانه وتعالى هذه المعركة بنفسه وأرسل ملائكته دفاعًا عن أحبابه وأولياءه وهكذا الإيمان في كل زمان ومكان قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]. إن الفارق الكبير بين المعسكرين: الكفر والإيمان، وبين الجيشين: المؤمن والمشرك، وبين الاستعدادات لأهل الحق والباطل في ميزان المادة يرجح كفة المشركين بجميع مقاييس البشر، لكن هناك قوة عظيمة لا يدركها إلا المؤمنون يلجئون إليها في كل حين ويستمدون منها القوة والغلبة والنصر والتمكين مهما كانت قوة الباطل وأعداده وخططه وتجهيزاتها؛ إنها قوة الإيمان بالله والثقة به والتوكل عليه والاعتزاز به وبدينة قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10]. لذلك وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد أن بذلوا ما يستطيعون من أسباب مادية يطلبون القوة التي لا تهزم قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]. فأي عزة هذه وأي عظمة هذه وأي قوة ينفثها الإيمان في روع المسلم وقلبه فتصغر في عينية الدنيا وفتنها ومغرياتها وقواها وطغاتها وابتلاءاتها.

إن المسلم لا يدرك هذه القوة إلا عندما يستشعر عظمة الله وقدرته وسعة ملكه وسلطانه فيترفع ويبتعد عن مواطن الذل والمهانة فلا يخاف من أجله ولا يخشى على رزقه لأنه هذه الأمور بيد الله وحده يردد قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145]. وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6]. وهكذا المؤمن يجب أن يكون.

لما استدعى المندوب السامي الفرنسي في سوريا الشيخ عبد الحميد الجزائري، وقال له: إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار، وإلا أرسلت جنودًا لإغلاق المسجد الذي تنفث فيه هذه السموم ضدنا وإخماد أصواتك المنكرة، فأجاب الشيخ عبد الحميد: أيها الحاكم إنك لا تستطيع ذلك، واستشاط الحاكم غضبًا، كيف لا أستطيع؟ قال الشيخ: إذا كنت في عُرسٍ هنأت وعلمت المحتفلين، وإذا كنت في مأتمٍ وعظت المعزين، وإن جلست في قطارٍ علَّمتُ المسافرين، وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين، وإن قتلتموني ألهبت مشاعر المواطنين، وخيرٌ لك أيها الحاكم ألا تتعرض للأمة في دينها ولغتها.

عباد الله: وظهر في هذه المعركة والمواجهة الحب الصادق لله ولرسوله ولدينه، واليقين الذي لا يخالطه شك بما وعد الله ورسوله للمؤمنين من نصر وتمكين ونعيم مقيم وجنة عرضها السموات والأرض؛ فقد قدم الصحابة أنفسهم وأموالهم وتركوا ديارهم وأوطانهم من أجل هذا الدين فأعزهم الله ونصرهم، ومكّن لهم في الأرض، وجعلهم ملوكا، وفتح لهم الدنيا. وإن من علامات هذا الحب البذل والتضحية في سبيل دينه والالتزام بشرعه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وتقديم حبه على كل حب.

يوم بدر كان صلى الله عليه وسلم يعدل الصفوف ويقوم بتسويتها لكي تكون مستقيمة متراصة، وبيده سهم لا ريش له يعدل به الصف، فرأى سواد بن غزية، وقد خرج من الصف فدفعه صلى الله عليه وسلم في بطنه، وقال له: «استوِ يا سواد»، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد» فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد» قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله بخير (صحيح السيرة النبوية، ص236).

ومن هذه الدروس: قضية اليقين والتصديق والاطمئنان لوعد الله ورسوله. فكم هي الآيات التي نقرأها عن الجنة والنار، وكم هي الأعمال التي يترتب على القيام بها الكثير من الأجور والحسنات وبها تسعد حياة الأفراد والمجتمعات أغفلناها وتركناها وانشغلنا باللذات العابرة والمكاسب الآنية فخسرت الأمة كثيرًا، وركنت إلى الدنيا فحل بساحتها الشقاء وضيق العيش وتسلط عليه الأعداء؛ ذلك أن اليقين بما أعده الله يصنع المعجزات ويقوي الإرادات وبه يستهين العبد باللذات والشهوات التي أصبحت تعبد من دون رب الأرض والسموات. لقد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه يوم بدر يوم أن حمي الوطيس فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» ، فقال عمير بن الحمام: "بخ بخ"، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: «ما يحملك على قولك: بخ بخ؟» قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال: «فإنك من أهلها» (انظروا اليقين) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.

إنه اليقين الذي جعل أم حارثة بن سراقة وقد أصيب ابنها بسهم فقتل يوم بدر وهو غلام وكانت تحبه حبًا شديدًا.. تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة اصبر واحتسب وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟ (أي من البكاء والنياحة) فقال: «ويحك أَوَهَبلْتِ أَوَجَنَّة واحدة هي؟ إنها جنانٌ كثيرةٌ، وإنه في جنةِ الفردوسِ» (البخاري/3982). وفي رواية: «يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» (الأساس في السنة (1/475). فذهبت المرأة صابرة محتسبة تنتظر اليوم الذي تلتقي بولدها في جنة عرضها السموات والأرض.. إنه اليقين الذي ينبغي أن تتربى عليه نفوسنا؛ يقين الصائمين بما أعده الله لهم.. يقين المنفقين بما عند الله لهم.. يقين الراكعين والساجدين الذاكرين والمستغفرين والصابرين.. يقين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بثوابهم عند ربهم... اللهم ثبتنا على الإيمان حتى نلقاك.. قلت قولي هَذا، واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..


الخطبة الثانية:
عباد الله: ومن هذه الدروس التعرف على مكر المنافقين والملحدين واليهود وأعداء الدين ودسائسهم، والحذر منهم، والاستعداد لمواجهتهم.. يوم بدر ما كان منهم إلا نشر الأكاذيب وبث الشائعات والسخرية من المسلمين ودينهم وعقيدتهم والسعي بكل الوسائل لمحاربتهم وتأليب الناس عليهم وتمني هزيمتهم وهذه طريقتهم في كل زمان ومكان فصور الله موقفهم ورد عليهم، فقال سبحانه: {إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]. وما أدرك هؤلاء أن النصر من عند الله وأن الله لن يخذل أولياءه وإن تعرضوا للابتلاء والامتحان، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[آل عمران: 160].

وهكذا نصر الله المؤمنين رغم ضعفهم وقلة عددهم وعتادهم، وهو قادر سبحانه أن يعز أولياءه وينصر جنده ويمكن لعباده في أي وقت متى ما صدق الإيمان في القلوب وحسن العمل وبُذل من الأسباب ما يستطاع.. ثم لنعلم أن الباطل إلى زوال سنة من سنن الله مهما علا وتكبر وتجبر وكثر أتباعه وأحكم خطط ونشر فساده {وَاللَّـهُ مِن وَرَ‌ائِهِم مُّحِيطٌ} [البروج: 20]. {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ‌ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].

عباد الله: أيام معدودة وتدخل العشر الأواخر من رمضان التي هي أعظم أيام رمضان فضلًا، وأرفعُها قدرًا، وأكثرُها أجرًا، تصفو فيها الأوقات للذة المناجاة، وتسكب فيها العبرات بكاءً على السيئات، فكم فيها لله من عتيق من النار، وكم فيها من أسير للذنوب وصله الله بعد الجفاء، وكتب له السعادة بعد طول شقاء، إنها الفرصة التي إذا ضاعت فلن تنفع بعدها الحسرات. روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" (صحيح البخاري). ولنكثر فيها من قراءة القرآن والذكر والدعاء والصدقة والاعتكاف في المساجد وصلاة التراويح و صلاة القيام.. ولنتحرى فيها ليلة القدر والتي هي خيرٌ من ألف شهر وبها تغفر الذنوب وترفع الدرجات قال صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (متفق عليه). فلا ينبغي لمسلم أن يفوت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله.

فلعل أحدنا تدركه فيها نفحةً من نفحات الرحمن، في هذه الليالي والأيام تكون بها سعادة الدنيا والآخرة.. هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين.
 

حسان أحمد العماري