صور من الابتلاء في حياة خاتم الأنبياء

منذ 2014-10-29

وُلِد صلى الله عليه وسلم يتيمًا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلَت من شهر ربيع الأول من عام الفيل، ثم اكتمَل يُتمه بموت أُمه وهو في السادسة من عمره.

يتمه صلى الله عليه وسلم:

وُلِد صلى الله عليه وسلم يتيمًا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلَت من شهر ربيع الأول من عام الفيل، ثم اكتمَل يُتمه بموت أُمه وهو في السادسة من عمره: قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، يُنبته الله نباتًا حسنًا لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، تُوفِّيت أمه آمنة بنت وهب؛ قال ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفِّيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تُزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة.

فكفَله جدُّه عبد المطلب، وأحسن إليه، ثَم لم يلبث عبد المطلب أن مات والنبي صلى الله عليه وسلم في الثامنة من عمره، ليزداد حزنًا على حزنه، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

قال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبدالله بن معبد بن العباس عن بعض أهله أن عبدالمطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبدالمطلب -فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب؛ وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا طالب أخوان لأب وأُم.

معاداة قريش له بعد الجهر بالدعوة:

[1]- في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: "لَما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبًّا لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1].

[2]- روى الترمذي وصحَّحه الألباني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل، فقال: ألم أنْهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تبارك وتعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة}   [العلق:17-18]؛ قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه، لأخذته زبانية الله.

[3]- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة وجمع قريش في مجالسهم ينظرون، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان، فيعمِد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد، وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاها، فجاء به، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة رضي الله عنها وهي جويرية، فأقبلت تسعى حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبُّهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاثًا، ثم سمى: «اللهم عليك بعمرو بن هشام، وبعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأُمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد»، قال عبدالله: والله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر يسحبون إلى قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأتبع أصحاب القليب لعنةً»؛ (رواه البخاري) في الصحيح عن أحمد بن إسحاق عن عبيدالله بن موسى.

[4]- عن عروة بن الزبير قال سألت عبدالله بن عمرو بن العاص، قال قلت: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ بمنكبيه، فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر:28]؛ (أخرجه البخاري).

[5]- في صحيح ابن حبان، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح بشواهده عن ابن عباس: لَمَّا أنزل الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، فقال أبو بكر: يا نبي الله، أنها ستؤذيك، فقال: إنه سيحال بيني وبينها، قال: فلم تره، فقالت لأبي بكر: هجانا صاحبك، فقال: والله ما ينطق الشعر ولا يقوله، فقالت: إنك لمصدق، قال: فاندفعت راجعةً، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما رأتك، قال: فقال: لم يَزَل ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهَبت.

[6]- روى الترمذي وصححه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أخفت في الله ما لم يخف أحد، وأُوذيت في الله ما لم يؤذ أحد، ولقد أتى عليّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعام إلا شيء يواريه إبط بلال»؛ (أخرجه الترمذي)، وقال: ومعنى هذا الحديث: "حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربًا من مكة ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه".

[7]- عن عروة بن الزبير قال: سألت عبدالله بن عمرو بن العاص، قال قلت: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ بمنكبيه، فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر:28]؛ (أخرجه البخاري) في الصحيح من حديث الأوزاعي.


وفاة خديجة وأبي طالب:

قال ابن إسحاق: إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب وكان له عضدًا وحرزًا في أمره، ومنعةً وناصرًا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابًا قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: «لا تبكي يا بُنية، فإن الله مانع أباك»، قال: ويقول بين ذلك ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب.


محنة الطائف:

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليّ، ثم قال: يا محمد، فقال ذلك فيما شئت أن أُطبق عليهم الأخْشَبين؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده، لا يُشرك به شيئًا».

مؤامرة لاغتياله صلى الله عليه وسلم:

عن عُروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجُمحي مع صفوان بن أُمية بعد مُصاب أهل بدر من قريش في الحجر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناءً وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارَى بدر؛ قال ابن هشام: أسره رفاعة بن رافع أحد بني زريق، قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير، قال له عمير: صدقتَ والله، أما والله لولا دَيْنٌ عليّ ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علةً ابني أسير في أيديهم، قال: فاغتنمها صفوان، وقال عليّ دَينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أُواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويَعجِز عنهم، فقال له عمير: فاكتم شأني وشأنك، قال: أفعل، قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشُحِذ له، وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدِم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوِّهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحًا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، هذا عدو، قال: فأدخله عليّ، قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلبَّبه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذٌ بحمالة سيفه في عنقه، قال: أرسله يا عمر، ادنُ يا عمير، فدنا، ثم قال: انعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيَّتك يا عمير بالسلام تحيَّة أهل الجنة، فقال: أما والله يا محمد، إن كنت بها لحديث عهد، قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبَّحها الله من سيوف، وهل أغنتْ عنا شيئًا؟ قال: اصدقني، ما الذي جئتَ له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دَيْن علي وعيال عندي، لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنتَ تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهِد شهادة الحق، فقال صلى الله عليه وسلم: فقِّهوا أخاكم في دينه، وأقرِئوه القرآن، وأطلقوا له أسيرَه.
 

في غزوة أُحد:

قال ابن إسحاق: وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشقِّه، فأُصيبت رباعيته، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128].

قال ابن هشام: وذكر ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمِل أبو عامر؛ ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحة بن عبيدالله حتى استوى قائمًا، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ازْدَرَدَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن مسَّ دمي دمه لم تُصبه النار.

قال ابن هشام: وذكر عبدالعزيز بن محمد الدَّراوَرْدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله، وذكر -يعني عبدالعزيز الدراوردي- عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة، عن عائشة عن أبي بكر الصديق أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين.


من أشد المحن والابتلاءات (حديث الإفك):

قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا، أقرع بين أزواجه، فأيهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسِرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت، حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار، قد انقطع فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي، بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كِبَر الإفك عبدالله بن أبي بن سلول.

قال عروة (أحد رواة الحديث): أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه، وقال عروة أيضًا: لم يسم من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة؛ كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال عبدالله بن أبي بن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء، قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُسلم، ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وكان مُتبرَّزَنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبدمناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي، حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا، فقالت: أي هنتاه، ولم تسمعي ما قال، قالت: وقلت ما قال، فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلَّم، ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقنَ الخبر من قِبَلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوِّني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئةً عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثرنَ عليها، قالت: فقلت سبحان الله، أوَقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يسألهما، ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي، فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية، تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك، قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه، غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله، قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبدالله بن أُبي، وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يَعذِرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبدالأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أعذِرك، فإن كان من الأوس، ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرَك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه، من فخِذه وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك، ما أحببت أن يقتل، فقام أُسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحَيَّان -الأوس والخزرج- حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزَل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم، حتى سكتوا، وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فسلَّم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي، منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً، فسيُبرئك الله، وإن كنت ألْمَمْتِ بذنبٍ، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد، إذا اعترف، ثم تاب، تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرةً، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ القرآن كثيرًا: إني والله لقد علِمت أنكم سمعتُم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم وصدقتُم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة، لتُصَدِّقُنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18]، ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يُتلى لشأني في نفسي، كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يُبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة أما الله، فقد برَّأك، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل، قالت: وأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ . لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ . الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:11-26].


الشاة المسمومة:

لما اطمأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها، أهدت له زينب بنت الحارث -امرأة سلام بن مشكم- شاةً مصليةً، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فلاك منها مضغةً، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها، فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخفَ عليك، فقلت: إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًّا، فسيخبر، قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بِشْر من أكلته التي أكل.

قال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر، إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر، قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا، مع ما أكرمه الله به من النبوة.
 

مرضه صلى الله عليه وسلم ووفاته:

عن ابن عباس، قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح السورة كلها، علم النبي عليه السلام أنه قد نُعيتْ إليه نفسه، وسأل عمر ابن عباس عن هذه السورة، فقال: يقول له: اعلم أنك ستموت عند ذلك، فقال عمر: لله درُّك يا ابن عباس، إعجابًا بقوله، وقد كان سأل عنها غيره من كبار الصحابة، فلم يقولوا ذلك، ثم لما دنت وفاته أخذه وجعه في بيت ميمونة، فخرج إلى أهل أُحد فصلى عليهم صلاته على الميت، وكان أول ما يشكو في علته الصداع، فيقول: «وارأساه»، ثم لما اشتد به وجعه، استأذن أزواجه أن يُمرَّض في بيت عائشة، فأذن له في ذلك، فمُرِّض في بيت عائشة إلى أن مات فيه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول في مرضه ذلك لعائشة: «ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر، ما زالت تلك الأكلة تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري»، وأغمي عليه، فظنوا أن به ذات الجَنب فلدُّوه، وكان العباس الذي أشار بذلك، فلما أفاق أنكر ذلك عليهم، وأمر بالقصاص في ذلك منهم، واستثنى العباس برأيه، فلُدَّ كل من حضر في البيت إلا العباس، وأوصاهم في مرضه بثلاث: أن يجيزوا الوفد بنحو مما كان يجيزهم به، وألا يتركوا في جزيرة العرب دينين، قال: «أخرجوا منها المشركين، والله اللهَ في الصلاة وما ملكتْ أيمانُكم، فأحسنوا إليهم»، وقال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وقال لهم: «هلمُّوا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا، فاختلفوا، وتنازعوا، واختصموا، فقال: قوموا عني، فإنه لا ينبغي عندي تنازُع»، وكان عمر القائل حينئذ: قد غلب عليه وجعه، وربما صح، وعندكم القرآن، فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب ذلك الكتاب لاختلافهم ولَغَطِهم، وسار فاطمة رضي الله عنها في مرضه ذلك، فقال لها: «إن جبريل كان يعرض علي القرآن كل عام مرةً، وإنه عرضه علي العام مرتين، وما أظن إلا أني ميت من مرضي هذا»، فبكت، فقال لها: «ما يسرك أنك سيدة نساء أهل الجنة ما عدا مريم بنت عمران»، فضحكت، وكان يقول في صحته: «ما يموت نبي حتى يُخيَّر، ويرى مقعده»، روته عائشة، قالت: فلما اشتد مرضه جعل يقول: «مع الرفيق الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا»، وقال حين عجز عن الخروج إلى المسجد: «مروا أبا بكر، فليُصل بالناس»، وخرج يومًا من أيام مرضه إلى المسجد تخط رجلاه في الأرض، يحمله رجلان: أحدهما علي، والآخر العباس، وقيل: الفضل بن عباس، وقال في مرضه: «هَرِيقوا عليّ من سبع قِرَب، لم تُحلل أوكيتهن لعلِّي أعهد إلى الناس، فأجلس في مخضب لحفصة، ثم صُبَّ عليه من تلك القرب حتى طفق يشير بيده أن حسْبكم، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم»، وأصبح الناس يومًا يسألون عليًّا والعباس عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتدت به الحال، فقال علي: أصبح بخير، فقال العباس: ما الذي تقول؟ والله لقد رأيتُ في وجهه من الموت ما لم أزل أعرفه في وجوه بني عبدالمطلب، ثم قال له: يا علي، اذهب بنا نسأله فيمن يكون هذا الأمر بعده، فكره عليّ ذلك، فلم يسألاه، واشتد به المرض، فجعل يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، الرفيق الأعلى»، فلم يزل يقولها حتى مات، ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف، قيل في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحى في صدر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، لتمام عشر سنين من الهجرة، ودُفِن يوم الثلاثاء، وقيل: بل دفن ليلة الأربعاء، ولم يحضر غسله ولا تكفينه إلا أهل بيته، غسَّله عليّ، وكان الفضل بن عباس يصب عليه الماء، والعباس يُعينهم، وحضرهم شقران مولاه.



منقول من كتاب (الدرر في اختصار المغازي والسير).

المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى:463هـ).

 

أحمد بن محمد محروس
21/10/2014 ميلادي-27/12/1435 هجري