جامع الأدلة على وجود الله مع نقد شبهات الملاحدة - [04] دليل الخلق و الإيجاد

منذ 2016-04-18

أدلة وجود الله كثيرة جدًا وكل شيء في الكون يدل على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ مامن شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته سبحانه، وما ثم إلا خالق ومخلوق، والله رب كل شيء قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164].

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلى الله، وأن محمدًا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

أما بعد: فأدلة وجود الله كثيرة جدًا وكل شيء في الكون يدل على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ مامن شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته سبحانه، وما ثم إلا خالق ومخلوق، والله رب كل شيء قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164].

ومن أقوى أدلة وجود الله سبحانه وتعالى دليل الخلق والإيجاد بعد العدم قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور: 35:36]، ولقد صاغ الله سبحانه وتعالى هذه الحجة في الأسئلة الإنكارية: هل خُلقوا من غير شيء فوجدوا بلا خالق؟ وذلك في الفساد ظاهر، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر فلا بد له من خالق، فإذا أنكروا الإله الخالق، ولم يجز أن يوجدوا بغير خالق أفهم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في الفساد أظهر، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ و كيف يجوز أن يكون موصوفًا بالقدرة؟ وإذا بطل الوجهان معًا قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقًا فليؤمنوا به.

و قد ذكر الله الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليتبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها، فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: هو أحدث نفسه. ‏وإن وجود هذه الموجودات بعد العدم، وحدوثها بعد أن لم تكن، يدل بداهة على وجود من أوجدها وأحدثها ‎‎وليس شرطًا أن يقف كل أحد على حدوث كل شيء حتى يصدق بذلك والإنسان إذا رأى حدث أدرك بداهة أنه له محدِث وإذا رأى فعل أدرك بداهة أن له فاعل.

وهذا الكون الذي نعيش فيه؛ إما أن يكون له فاعل والفاعل إما من جنس المفعول (الطبيعة) أو ليس من جنس المفعول (الله). وإما: ألا يكون له فاعل. ونعلم بداهة وضرورة أن الفعل لابد له من فاعل، و عليه يبطل الاحتمال الثاني الذي يقول أن الكون الذي نعيش فيه وجد بغير فاعل، فنحن نشاهد المفعولات (المخلوقات)، و نعلم ضرورة أنها لابد لها من فاعل، فالقول بمفعول له فعل ولا فاعل له باطل بشهادة الحس والعقل.

والفاعل الذي أوجد هذا الكون بعد أن لم يكن لا يجوز أن يكون من جنس المفعولات كلها؛ لأنه في حال كونه من جنس أي نوع من المفعولات سينطبق عليه جميع أحكام المفعولات، وأهمها أنها تقبل العدم، ووجدت بعد أن لم تكن، و مجرد احتمال قبول الفاعل للعدم يبطل كون هذا الفاعل خالقًا، لأن الخالق الذي يقبل العدم مفعول محتاج إلى من يوجده، فيصبح مفعولًا لا فاعلًا وعلى هذا لا يصح القول بأن موجد الكون بعد أن لم يكن هو الطبيعة؛ لأن الطبيعة من جنس هذه الموجودات التي وجدت بعد أن لم تكن والشيء لا يكون موجدًا لنفسه لأن هذا يستلزم تقدمه على نفسه وهو باطل بداهة.

فإذا بطل كون الفاعل (الخالق) من جنس المفعول وبطل القول بعدم وجود فاعل (خالق) للمفعولات المشاهدة وجب التسليم بأنّ الفاعل يجب أن يكون موجودًا ويجب ألا يكون الفاعل من جنس المفعولات مطلقًا وهذا لا يكون إلا الله سبحانه وتعالى قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62]

ولقد أدرك دليل الخلق والإيجاد البدوي البسيط الذي عاش يرعى إبله في مجاهل الصحراء فكان يقول: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج؟! ألا تدل أنهـا صنعت بتدبير العزيز العليم ؟! كما أقر بها قادة العلوم التجريبية وأساطينها في واقعنا المعاصر، وعبروا عنها بقانون السببية، وخلاصته أنه ليس لشيء من المُمكنات أن يحدث بنفسه من غير شيء ولا أن يستقـل بإحداث شيء، لأنه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئًا لا يملكه. 

ولم يزل علماء المسلمين يواجهون عُتاة المُلحدين بهذا الدليل البدهي فيُبهتون ويذكر عن أبي حنيفة رحمه الله  وكان معروفًا بالذكاء أنه جاءه ملاحدة يقولون له: أثبت لنا وجود الله فقال: دعوني أفكر، ثم قال لهم: إني أفكر في سفينة أرست في ميناء دجلة وعليها حمل فنزل الحمل بدون حمال، وانصرفت السفينة بدون قائد، فقالوا: كيف تقول مثل ذلك الكلام فإن ذلك لا يعقل ولا يمكن أن نصدقه؟ فقال: إذا كنتم لا تصدقون بها فكيف تصدقون بهذه الشمس، والقمر، والنجوم، والسماء، والأرض، كيف يمكن أن تصدقوا أنها وجدت بدون موجد؟!.

و إن قيل لا نسلم لكم بأن لهذا الكون فاعل؛ لأننا لم نر فاعل يخلق الكون، وإننا نستدل بوجود الساعة على وجود صانعها؛ لأننا رأينا الساعة والصانع كليهما وإذن فوجود الكون لا يقوم دليلًا على وجود صانعه إلا إذا رأينا الصانع والمصنوع جميعًا والجواب أن دلالة الفعل على الفاعل من البديهيات ولا تحتاج مشاهدة الفعل والفاعل معا ومجرد أن ترى الفعل تعتقد بداهة بأن له فاعل ولو لم تشاهد الفاعل.

والفعل يدل على الفاعل بدلالة اللزوم أو دلالة العقل أي يحكم العقل بوجود هذه الدلالة بين الدال والمدلول وهذه الدلالة تنشأ من الملازمة بين الشيئين ملازمةً ذاتية في وجودهما الخارجي كالأثر والمؤثِّر وكالفعل والفاعل وكالعلة والمعلول وكضوء الصبح الدال على طلوع الشمس. وتتميَّز هذه الدلالة: بأنَّها لا تختلف باختلاف الأشخاص والأمصار، فهي تحصل لأيِّ إنسانٍ مهما كان سواء العالم أو الجاهل، القروي أو الحضري.

ونعترف عند رؤية البناء بوجود الباني ولو لم نره ونعترف عند رؤية الصنعة بوجود صانع ولو لم نره ونعترف عند رؤية الكتابة بوجود كاتب ولو لم نره. وإن قيل لا نؤمن بوجود عملية خلق فالجواب هذا الكون وجد بعد أن لم يكن شيئًا فهذا الكون موجود وموجده الله وعملية إيجاد الكون بعد أن لم يكن تسمي الخلق، و الفعل لا بد له من فاعل فالسؤال الطبيعي من الذي أوجد هذا الكون أو من الذي خلق هذا الكون  ويستحيل أن يكون الكون قد أوجد نفسه بنفسه ولابد له من قوى قادرة أوجدته بعد أن لم يكن.

وإن قيل القول بوجود علة لكل شيء في هذا الكون، يجرّ إلى البحث عن علة لله نفسه؟

والجواب أن هذا كلام باطل قائم على قياس الله على الكون والله أزلي، والكون حادث فالقياس فاسد أي هم قاسوا الأبدي واجب الوجود لذاته، و يستحيل في العقل عدمه، على الكون الحادث الممكن في العقل عدمه والممكن في العقل عدمه ووجد بعد أن لم يكن لا بد من البحثِ عن علة انتقاله من العدم إلى الوجود وسر هذا الكلام الفاسد الغفلة عن وجه الحاجة إلى العلّة وهو إمكان الوجود لا الوجود نفسه.


وإن قيل كيف نؤمن بخالق لم يثبت عندنا وجوده بإحدى حواسنا الخمس؟
والجواب لا ينحصر إثبات وجود الله تعالى بالحواس الخمس، فنحن لا نرى بعض الأشياء رغم وجودها، ولا نرى الكهرباء ولا نرى الروح ولا نرى العدل ولا نرى الظلم، ولكن كل هذه الأشياء تبقى موجودةً ويمكن الاستدلال على وجودها من خلال آثارها، والكهرباء نقر بوجودها من خلال آثارها كالنور والحركة وغيرها والروح نقر بوجودها من خلال آثارها والعدل والحكمة والكرم والظلم نقر بوجودها من خلال آثارها وطريق الإثبات العقلي أقوى من طريق الإثبات من الحواس؛ لأن الحواس قد تخطأ و تشتبه، أما الدليل العقلي الصحيح يكون قطعيًا يقينيًا وقد ثبت وجود الله بالفطرة والعقل والشرع.

و إن قالوا وجود الكون لا يدل على مسببه فما نسميه بالعلية ماهو إلا اقتران ظاهرتين زمانًا ومكانًا ترسخ في الذهن عن طريق التكرار فالجواب أن هذا الاقتران لظاهرتين اقتران واقعي فعلي ضروري وليس مجرد عادة ذهنية فهناك ترابط وعدم انفكاك بين السبب والنتيجة والعلة والمعلول وكلما حدث السبب حدثت النتجة وكلما حدثت العلة حدث المعلول ودون حدوث السبب لا تحدث النتيجة ولو لم يكن الله موجودًا لما وجد الكون.

وإن قالوا أن العلة لا بد أن تكون من جنس المعلول وعليه فعلة الكون المادي لا يمكن أن تكون إلا علة مادية والجواب أن هذا الكلام فيه خلط بين العلة الفاعلة والعلة المادية والعلة المادية هي الأجزاء المادية التي يتكون ويتركب منها المعلول والعلة الفاعلية وهي التي تفعل الفعل، وسبب وجود الفعل فمثلا صناعة السرير وصانع السرير صناعة سرير من خشب تتوقف على وجود نجّار يصنعه، فيعدّ النجّار، علة فاعلية في صنع السرير، و السرير لا يوجد بلا خشب، فالخشب علة مادية لوجود السرير.

وقاعدة التناسب بين العلة والمعلول تنفي أن تكون علة الكون الفاعلة علة مادية وتثبت أن علة الكون الفاعلة علة عالمة حكيمة قادرة حية سميعة بصيرة، لأن وجود مخلوقات عالمة في هذا الكون ينفي أن يكون موجودها فاعل غير عالم؛ لأن من ليس عنده علم لا يهب العلم ففاقد الشيء لا يعطيه.

وإن قالوا: بما أن السببية خاضعة للزمن فلا منطق في الحديث عن سببية لنشأة الكون لعدم وجود الزمن قبل نشأة الكون، والجواب: لا يتصور خضوع الخالق لقوانين مخلوقاته فالسببية قانونًا للمخلوقات، والله الذي خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوقهما ولا يخضع لقوانينهما والله هو الذي خلق قانون السببية، ولا نتصوره خاضعًا للقانون الذي خلقه لمخلوقاته والقول بخضوعه لهذا القانون تشبيه له بمخلوقاته.

وكونه تعالى علّة للموجودات ليس بمعنى أنه شرط لوجودها بل بمعنى أنه الموجِد لها والعلة الموجدة توجِد معلولها من العدم أي تخلقه بعد أن لم يكن، وهي قسم من أقسام العلة الفاعلية، ولا يمكن أن نجد لفاعلية الله تعالى نظيرًا في سائر العلل الفاعلية، ذلك أن الله تعالى هو الفاعل الوحيد الذي يوجِد معلوله بدون أن تكون فاعليته سبحانه وتعالى مشروطة بأي شرط كالوقت أو المكان.

وإن قالوا: هذا الكون تكون صدفة فالجواب أن العلامة المميزة للمصادفة، هي عدم الاطراد وعدم النظام، بينما النظام السائد في هذا الكون ثابت كل الثبات، مطرد بلا تخلف على تعقده، تحكمه قوانين نتوقع معلولاتها توقعًا يقينيًا: فكيف يدعي أن مثل هذا النظام المطرد ناتج مصادفة، أي من عدم النظام وعدم الاطراد؟

 ووجود الطبيعة - من جبال وبحار وغابات وحيوانات ونباتات وغير ذلك - على هذا النظام المتسق البديع المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعًا باتًا أن يكون وجودُها صدفةً.

وإن قالوا: الكون لم يكن بحاجة إلى إله يشعل فتيل ما لخلقه فنشأة الكون لم تكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء والجواب أن الفيزياء تفسر لنا ما يحدث وليس لماذا يحدث وليس مسألة الاعتقاد بوجود الله وأنه مسبب الأسباب مسألة أصابع تمتدّ من وراء الغيب، فتقطر الماء في الفضاء تقطيرًا، أو تحجب الشمس عنّا، أو تحول بيننا وبين القمر، فيوجد بذلك المطر والكسوف والخسوف، فإذا كشف العلم عن أسباب المطر وعوامل التبخير فيه، وإذا كشف عن سبب الكسوف، والخسوف يخيّل لهؤلاء الملاحدة أنّ الإيمان بوجود الله لم يبقَ له موضوع، وأنّ الأصابع الغيبية التي تحجب الشمس أو القمر عنّا، عوَّض عنها العلم بالتعليلات الطبيعية، وليس هذا إلاّ لسوء فهم الإيمان بالله، وعدم تمييز لموضع السبب الإلهي من سلسلة الأسباب.

والاعتقاد بوجود الله وأنه مسبب الأسباب لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية، أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح، وإنّما هو اعتقاد بأن الله هو المسبب لهذه الأسباب الطبيعية، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة وفوق الكون وحتى لو سلمنا جدلًا أن العلم وصل إلى معرفة كل الأسباب الطبيعية فهذا لا ينفي وجود الخالق بل هذه الأسباب الطبيعية دالة على موجد لها فكل سبب له مسبب، والله عز و جل مسبب هذه الأسباب الطبيعية.

وإن قالوا: أن الكون الذي نحن فيه هو واحد فمن أكوان لانهائية فالجواب لو سلمنا جدلًا بأن كوننا واحد من أكوان لا نهائية فهذا لا يستلزم عدم وجود علة موجدة للكون فمن الذي أوجد هذه الأكوان وما دليلهم على أن كوننا واحد من أكوان لا نهائية واللانهائية غير موجودة في الواقع المادي وإن كان لها وجود في الرياضيات والذهن وهل شهدوا خلق الكون حتى يقولوا أن كوننا من أكوان لا نهائية؟ وقد قال تعالى: {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51]، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسسراء: 36]هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات 

المقال السابق
[03] دليل النظام والإبداع
المقال التالي
[05] خلق الإنسان