من قلب تل أبيب .. الجنوبيون يمهدون لتقسيم السودان

منذ 2011-01-14

مع انطلاق الساعات الأولى للاستفتاء حول مصير جنوب السودان، غمرت السودانيين الجنوبيين المقيمين داخل الكيان الصهيوني سعادة بالغة غير مسبوقة بقرب انفصال الجنوب المسيحي عن الشمال المسلم...


مع انطلاق الساعات الأولى للاستفتاء حول مصير جنوب السودان، غمرت السودانيين الجنوبيين المقيمين داخل الكيان الصهيوني سعادة بالغة غير مسبوقة بقرب انفصال الجنوب المسيحي عن الشمال المسلم. ولم يكن مكمن هذه السعادة هو قيام دولة مسيحية جديدة في جنوب السودان فحسب، بل لأن أوضاعهم داخل المجتمع الصهيوني ستتحسن بشكل ملحوظ خلال الأيام القادمة، وبخاصة مع تردد التقارير التي تتوقع بإمكانية وجود علاقات وطيدة بين تل أبيب والدولة الوليدة في جنوب السودان.


لقد كانت تغطية وسائل الإعلام الصهيونية لاستفتاء جنوب السودان مثيرة للاهتمام والدهشة في آن واحد، سواء قبل إجراؤه أو بعد ذلك، الأمر الذي يعكس أبعاد الدور الصهيوني الخفي فى انفصال هذا الجزء الحيوي، ليس فقط من السودان، بل من الوطن العربي بأثره. انعكس هذا الاهتمام في صور عدة، من بينها تخصيص الحكومة الصهيونية حفل خاص جمع أكبر عدد من السودانيين الجنوبيين المقيمين في "إسرائيل" والبالغ عددهم حتى الآن تحو 2.500 شخص على أقل تقدير، جميعهم فروا إلى دولة الاحتلال على أعداد متفرقة، عبر الحدود مع مصر.


الحفل المشبوه الذي دُعيت له شخصيات إسرائيلية مرموقة وعدد كبير من سفراء الدول الأفريقية المعتمدين لدي تل أبيب، ضم أكثر من 300 فرد من الجنوبيين السودانيين، الذين ارتدوا الزى التقليدي المعروف لسكان الجنوب، وعزفوا أغانيهم الفلكلورية التي ظلوا يتراقصون عليها طوال الحفل الذي أُقيم ابتهاجاً بانطلاق استفتاء انفصال جنوب السودان.

ردود أفعال الحضور وتصريحاتهم، تعكس بالفعل أبعاد المخطط الصهيوني وراء تقسيم السودان، والتي كانت بمثابة إعلان رسمي من تل أبيب بانفصال الجنوب عن الشمال، وهو ما سيتبين لنا من خلال استعرضنا لبعضها في السطور التالية:

نبدأ بما ذكرته صحيفة "هاآرتس" التي قالت في سياق تقرير لها حول الموضوع، إنه في مشهد غير مسبوق رفرفت أعداد كبيرة من الأعلام السودانية فوق ساحة لوينسكي جنوب تل أبيب، التي احتشد بها المئات من السودانيين في "إسرائيل"، للإعراب عن تأييدهم ومباركتهم لانفصال جنوب السودان. ونقلت الصحيفة عن تشانجوكي داينج داب، أحد أبرز قيادات السودانيين الجنوبيين في "إسرائيل" ومنظم الحفل بالتعاون مع الحكومة الصهيونية قوله :"اليوم نحتفل في تل أبيب باستقلال دولتنا جنوب السودان، ونحتفل بتطلعنا لإقامة دولة مسيحية فيها"، مضيفاً :"أنه لا يوجد حل سوى انفصال الجنوب عن الشمال الذي قتل نظامه رجالنا واغتصب نساءنا وشرد أطفالنا، ففي النهاية سيكون لنا حُكم ذاتي ودولة مستقلة".


جيش الجنوب:

ومن قلب تل أبيب دعا السودانيون الجنوبيون أيضاً إلى ضرورة إنشاء جيش خاص للجنوب وأطلقوا عليه اسم "جيش تحرير السودان" مبايعين فى الوقت ذاته، سيلفا كير، كأول رئيس للدولة المسيحية الجديدة فى جنوب السودان. بينما رددوا الهتافات المعادية للرئيس عمر البشير، بزعم أن كان يعتزم فرض تطبيق الشريعة الإسلامية عليهم رغماً عنهم.

فيما أعرب، وليم ماكون، أحد الجنوبيين فى "إسرائيل" عن أهمية هذا الحفل، والأصوات التي تخرج من "إسرائيل" باسمهم، منادية بقيام دولة مسيحية مستقلة في جنوب السودان، قائلاً :"لقد حرص منظمي هذا الحفل على إجراء استفتاء مُصغر لأبناء جنوب السودان المقيمين في "إسرائيل" بالتزامن مع الاستفتاء الذي يجرى على أرض الواقع في جنوب السودان، لنؤكد على دورنا المهم في استقلال الدولة الوليدة". وأضاف، ماكون، في تصريحاته للصحيفة العبرية قائلاً :"إن غالبية السودانيين الجنوبيين في إسرائيل صوتوا لصالح الانفصال، إننا نأمل بأن تصل تلك الرسالة من تل أبيب وعبر وسائل الإعلام إلى إخواننا فى السودان"، موجهاً في الوقت ذاته الاتهامات الباطلة للنظام السوداني، قائلاً :"لم تفعل الوحدة بين جنوب وشمال السودان سوى مزيد من الظلم والاضطهاد المتواصل لسنوات طويلة ضد الجنوبيين". وزعم أن نحو خمسة ملايين شخص من جنوب السودان قتلوا على يد الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في الشمال منذ الانسحاب الإنجليزي من السودان عام 1956.


علاقات وطيدة:

ومما يكشف ملامح المخطط الصهيوني الجديد لاقتناص دولة جنوب السودان القادمة والاستفراد بها، زعمت صحيفة هاآرتس العبرية أن عدد كبير من الجنوبيين في "إسرائيل" لا يعتزمون العودة إلى بلدهم الجديد بعد إعلان استقلاله المرتقب، نظراً لتوقعاتهم بأن تقيم علاقات دبلوماسية وطيدة مع دولتهم الجديدة، والتي في إطارها سيعمل الطرفان على تحسين وتقنين أوضاع الجنوبيين السودانيين في "إسرائيل"، مقارنة بأوضاعهم الحالية، التي يعانون فيها من العنصرية والاضطهاد من جميع أطراف المجتمع الصهيوني. وهذا ما أكده أحد الحضور في الحفل، ويدعى "جوزيف" خلال حديثه مع صحيفة يديعوت أحرونوت، قائلاً :"بعد شهرين من إعلان استقلال جنوب السودان سيتم تدشين سفارة "إسرائيلية"، وبعدها بفترة وجيزة سيتم افتتاح خط طيران مباشر من جوبا عاصمة جنوب السودان إلى مطار بن جوريون في تل أبيب".

وعن شكل الدولة المرتقبة، أفرد موقع "واللاه" الإخباري العبري تقريراً مطولاً عن دولة جنوب السودان بعنوان "ميلاد دولة .. جنوب السودان يقول باي باي للعرب"، مشيراً في البداية إلى أن الانفصال بين جنوب وشمال السودان تأخر لسنوات طويلة، حيث التباين والاختلاف الكبير بينهما، فالشمال أغنى نسبياً وأكثر تقدماً واللغة العربية والديانة الإسلامية هى السائدة فيه، بينما الجنوب أكثر تخلفاً ومعظم سكانه يدينون المسيحية أو ملحدين ينتمون لأية ديانة سماوية.


الرئيس سيلفا كير:

وأوضح التقرير أن السودان من أكبر الدول العربية من حيث المساحة، وسوف تفتقد هذا اللقب فور إعلان الانفصال. وتعامل التقرير العبري مع سيلفا كير، على أنه أول رئيس لدولة جنوب السودان، والذي امتدح زعامته ووقوفه بندية أمام الرئيس عمر البشير الصادر في حقه قرار بالاعتقال من المحكمة الدولية بتهمة ارتكابه جرائم حرب ضد سكان إقليم دارفور.

وزعم التقرير العبري أن جنوب السودان لديه كافة المقومات التي تؤهله ليكون دولة مستقلة، فعدد سكانه يُقدَّر بنحو 8 مليون نسمة، يعيشون على مساحة تقدر بمساحة فرنسا وألمانيا معاً، ولديه مقومات مستقبلية هائلة، رغم التخلف الذي يعانيه الجنوب لسنوات طويلة نتيجة للحروب من جهة، وإهمال الشمال في تنميته من جهة أخرى. وتابع أنه منذ الاتفاق الذي تم بين الجنوبيين وحكومة الشمال في عام 2005 بمقتضاه تم إعلان الحكم الذاتي للجنوب، نجح الجنوبيون في إدارة شؤونهم بشكل ملحوظ، بعد أن أصبح لهم دخل ثابت من عائدات حقول البترول الموجودة في الجنوب، منوهاً بأن الجنوبيين قد قرروا بالفعل الانفصال عن الشمال بعد قيامهم خلال الشهرين الماضيين بتصنيع كميات هائلة من الأعلام الجديدة الخاصة بدولة الجنوب القادمة، وقاموا بتوزيعها على جميع السكان الجنوبيين.


باي باي يا عرب:

وتوقع التقرير العبري حدوث نزاع مرتقب بين شمال السودان ودولة الجنوب الوليدة حول إقليم إيبي الحدودي الثري بالنفط، مشيراً إلى أنه المنتظر إجراء استفتاء حوله انتمائه مع نهاية العام الجاري، سواء بانضمامه للشمال أو للجنوب. وأنهى الموقع العبري تقريره بالإشارة إلى أن الأجواء الحالية في جنوب السودان، هي أجواء احتفالية، تعبر عن رغبة الجنوبيين في الانفصال عن الشمال، وإقامة دولة مسيحية ذات طابع علماني، مختتماً بتصريح أحد الجنوبيين لوكالة الأنباء الفرنسية بقوله :"هنا- أي في جنوب السودان- يمكننا شرب الخمور بحرية، لكن فى الخرطوم والشمال المسلم، لا يمكن فهو غير قانوني، فنحن الجنوبيين في طريقنا أن نقول للعرب باي باي".

من جهته توقع يوئيل جوزينسكي، الخبير بمعهد أبحاث الأمن القومي "الإسرائيلي" في مقال له نشره بصحيفة "إسرائيل هايوم"، بأن تكون هناك علاقات متشعبة بين تل أبيب ودولة جنوب السودان، استناداً على تصريحات إيجابية أطلقها زعماء جنوبيين العام الماضي بشأن العلاقات مع "إسرائيل".

وقال جوزينسكي إنه من المتوقع قيام علاقات دبلوماسية وطيدة بين البلدين، على أثرها ستفتح دولة جنوب السودان الباب على مصراعيه أمام رجال الأعمال والمستثمرين "الإسرائيليين". إلى جانب فتح سوق جنوب السودان أمام الصادرات الأمنية والعسكرية الصهيونية، هذه المرة بشكل رسمي، على عكس ما كان متبع في السابق؛ حيث أنه وكما هو معروف قامت تل أبيب بتزويد المتردين الجنوبيين بأسلحة "إسرائيلية" الصنع لمواجهة الجيش السوداني خلال فترة الحرب الأهلية.

 
المصدر: سامح عباس - موقع مفكرة الإسلام