الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة

منذ 2018-02-28

الرجل البصير هو الذي يجمع عند النظر إلى مخطوبته رؤية شاملة لمستقبل هذه المرأة وقدرتها على تربية الأولاد وصلاحهم، وقدرتها على مشاركته في تحقيق أهدافه وآماله وطموحاته في الحياة.

قال صلى الله عليه وسلم:  «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»[1].

يُبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الدنيا كلها متاع، وخير هذا المتاع الزوجة الصالحة.

والله عز وجل يبيِّن في كتابه أن مِن دعاء أهل الإيمان من عباد الرحمن الحصول على الزوجة والذُّريَّة الصالحة؛ قال تعالى:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

وبعض الشباب يبالغون في شروط اختيار الزوجة والمواصفات الخُلُقية والخَلْقية التي يجب توفُّرُها فيها.

والواجب على الشباب المسلم الحرص على اختيار المرأة الصالحة، القانتة، الحافظة للغيب بما حفظ الله، وليس معنى ذلك أن يهمل الجمال وباقي المتطلبات، بل لا بد أن تكون مقبولة لديه؛ لتتحقق الأُلفة والمتعة والمودَّة، ولتعفَّه عن المنكرات.

ولكن الجمال المقبول بدون الصلاح والتقوى نقمة، وليس نعمة؛ قال الله تعالى:
{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34].

وقال صلى الله عليه وسلم:
«تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين ترِبت يداك»[2].

(فالمال والحسب والجمال والدين): أربعة أشياء يسعى إليها الرجل، ويطمع ويرغب ويسعى إلى الفوز بمن تتوافر فيها واحدة منها أو أكثر.

المال: عندما يطلب الرجل المرأة من أجل مالها قد تستشعر من البداية سوء نيته، وخبث طويته، والطمع فيها، وقد تشعر المرأة أنها سلعة، وقد لا يدري الخاطب عن تلك المرأة التي سعى إليها من أجل مالها أنه قد يكون من وراء ذلك المال طغيان في النفس وتكبُّر وغرور.

عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ولا تزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أن تُطغيهن»[3].

والمال وحده لا يمكِّنه من تحقيق السعادة الزوجية أو السكن والمودَّة والرحمة، وخاصَّة إذا انفصل عن الصلاح والتقوى.

الجمال: وهو سر فتنة النساء للرجال، وهذه الفتنة من أشد الفتن ضررًا على الرجال؛ قال صلى الله عليه وسلم:
«ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء»[4].

والجمال إذا انفصل عن الصلاح والتقوى سبَّب للزوج متاعبَ كثيرةً، ومشاكل عديدة، وحمَّله من الهمِّ والغيرة والشكِّ ما لا يطيقه، وكلَّفه من الصحة والإنفاق ما يجعله أسيرًا لهذا الجمال؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم كما ورد:
«لا تزوَّجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأَمَة خرماء سوداء ذات دين أفضل»[5].

والجمال شيء نسبيٌّ يختلف من رجل إلى آخر، وهو على دربين:

الأول: جمال الجسد، وهو وحده قد يزول بعد فترة من المعاشرة: (قدَّرَها العرب بخمسين يومًا).

والثاني: جمال الرُّوح، وهو لا يزول إلا مع ذهاب الروح إلى بارئها جلَّ وعلا، وجمال الروح هو الذي يضفي اللذة والمتعة الحقيقية على الجسد، والسعادة على الحياة كلها، وخفة الرُّوح تؤدِّي إلى جمال الطباع والأخلاق؛ مما يجعل الزوجة نشيطة، صاحبةَ هِمَّة عالية، مطيعة لينة، نظيفة في نفسها وبيتها، ودود حنون، حسنة الإدراك، طبعها السمو، ولهوها العطاء، تحسن معاملةَ أهلِ زوجها وجيرانها، محبوبة متطيِّبة، جمعت محاسن الأخلاق، فلا تسمع لها صوتًا عاليًا، ولا تفشي سرًّا لزوجها، حنون على الولد، مشفقة على الزوج، لا تكلِّفه ما لا يطيق، إذا غضب منها زوجها مدَّت يدها إليه، وقالت له: لا يَغمض لي جفن ولا يحلو لي نوم حتى ترضى؛ قال صلى الله عليه وسلم:
«ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة الودود الولود، العؤود على زوجها، التي إذا آذت أو أُوذيت، جاءت حتى تأخذ بيد زوجها، ثم تقول: والله لا أذوق غمضًا حتى ترضى»[6].

تعينه على طاعة ربِّه جل وعلا، مدبرة مقتصدة في بيتها، هي السكن الذي يسكن إليه الزوج، وجسدها هو المتعة واللذة على وجه الحقيقة، يسعد بها إذا نظر إليها، وشاهَد أحوالها، ويتمتع بها عندما يسمع حديثها أو عند مداعبتها، هذه هي المرأة المشار إليها بالبنان، وهي الكَنز الذي وصفه سيد الأنام صلى الله عليه وسلم.

وهي المقصودة في قوله صلى الله عليه وسلم:
«ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته»[7]؛ يعني: إذا نظر إلى أحوالها وكيف تقضي وقتها، وكيف تطيع ربَّها وتتقرَّب إلى الله تعالى بحسن تبعُّلها لزوجها وبقوامته عليها، فكلما رأى وشاهد أحوالها، دخل عليه السرور والبهجة بهذه الأحوال.

والجمال الخالي من الحياء قد حذَّر الله عز وجل منه، وخاصة إذا انفصل عن الدين والصلاح؛ قال الله تعالى:
{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221].

ولكن إذا اجتمعا فنعم الجمال ونعمت المرأة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
«خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة، تسرُّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته وماله ونفسها»[8].

ولقد منح الله تعالى الحقَّ للرجل في النظر إلى من أراد أن يخطِبها من ذوات الدين والخُلُق، وعلَّل هذا النظر بقوله صلى الله عليه وسلم:
«فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»[9].

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا خطب أحدُكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»[10].

فالنظرة التي تولد الوفاق النفسي، وتلقي في القلب بذور الإعجاب والميل - هي المعتمد في قَبول المرأة.

وهذه نصيحة لإخواني: لا تجعل في طلبك الزواج من المرأة شرط الجمال، ولا تخبر به أحدًا، واجعله في نفسك، فأنت لن توافق إلا على من تحقِّق لك:
«فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».

ولا تكتفِ بالجمال إذا انفصل عن الصلاح والالتزام، ولقد رأينا من دفع ثمنًا باهظًا من الشباب كانوا أشدَّ الحرص في الفوز بالبنت الجميلة جدًّا، فكانت النتائج دوَّامات نفسية لا تنتهي، وخلافات مستمرَّة بين البنت وحماتها (أم زوجها)، وأمراضًا عضوية، وبلاءات مستمرة.

والرجل البصير هو الذي يجمع عند النظر إلى مخطوبته رؤية شاملة لمستقبل هذه المرأة وقدرتها على تربية الأولاد وصلاحهم، وقدرتها على مشاركته في تحقيق أهدافه وآماله وطموحاته في الحياة؛ لأنه يختار أُمًّا لأولاده، ونسبًا لهم، وأهم من ذلك كله أنه يدخل شريكًا جديدًا بين أسرته، ويختار جزءًا مكمِّلًا له، وزوجًا مشابهًا له؛ قال تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

الحسب والنسب: وهو من الأمور الهامَّة جدًّا، وهو إمَّا مطلوب ومرغوب إذا كان اختيار الحسب والنسب الأصيل المشهور بالصلاح والعلم، والسمعة الطيبة، والذِّكر الحسن، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«تخيَّروا لنُطَفِكم»[11].

وإمَّا أن يكون محذورًا منه وغير مرغوب فيه إذا كان ذلك للتباهي والتنافس والشهرة.

الدين: 
«فاظفر بذات الدين تربت يداك»، ومعنى ذلك الدعاء عليه بالفقر إن لم يحرص على ذات الدين التي تعينه على دينه، وتحفظه في دنياه على نفسه وماله.


الكاتب: الشيخ أسامة بدوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم، ك: الرضاع، ب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ح: (1467).

[2] أخرجه البخاري، ك: النكاح، ب: الأكفاء في الدين، ح (5090)، ومسلم: ك: الرضاع، ب: استحباب نكاح ذات الدِّين، ح (1466).

[3] أخرجه ابن ماجه، ك: النكاح، ب: تزويج ذات الدِّين، ح (1859)، والطبراني في المعجم الكبير، ج 13، ح (14647)، وضعَّفه الألباني.

[4] أخرجه البخاري: ك: النكاح، ب: ما يُتقى من شؤم المرأة، ح (5096)، ومسلم: ك: الرقاق، ب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء..، ح (2740).

[5] سبق تخريجه في الصفحة السابقة.

[6] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ح (9094)، وفي شعب الإيمان، ح (8358)، والطبراني في المعجم الكبير، ح (307)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (2604).

[7] أخرجه أبو داود: ك: الزكاة، ب: في حقوق المال، ح (1664)، وابن ماجه، ح (1857)، وضعَّفه الألباني.

[8] أخرجه سعيد بن منصور في سننه، ح (501)، وابن أبي شيبة في مصنفه، ح (17141)، وبنحوه البيهقي في السنن الكبرى، ح (13744).

[9] أخرجه أحمد، ح (18154)، والترمذي: ك: النكاح، ب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة، ح: (1087)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه، ح (1865).

[10] أخرجه أحمد، ح (14586)، وأبو داود: ك: النكاح، ب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة، ح (2082)، وحسَّنه الألباني.

[11] سبق تخريجه، ص (33).