كيف تقضي إِجَازَة صَّيْفِيَّة هادفة وممتعة؟

منذ 2018-07-16

وصيتي لكل مَنْ يقرأ هذه المقالة أَنْ يأخذ نفسه بإرشاداتها على قدر المستطاع، ويعمل ما في وسعه لنشرها، لعل الله أَنْ ينفع بها أَقْوَامًا ويصلح بها آخرين، فيكتب لنا الأجر جميعا، فالدَّالُّ على الخير كفاعله، اللهم ارزقنا حسن استغلال أوقاتنا، وَقِنَا وأَهْلَنا شَرَّ البطالة و الفراغ، آمين.

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد:

 

نِعَمُ اللَّهِ تعالى على عباده كثيرة لا تُحْصَى، ولم يجرؤ أحد من البشرية على طول تاريخها أَنْ يحسب ويحصي تلك النِّعَمَ لكثرتها واستمرارها ويسرها، وتتابع إنعام الله بها، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} (إبراهيم: 34)

 

ولهذه النِّعَمِ أصول وفروع، فمن أصولها بعد الإيمان بالله تعالى:

نعمة الصحة والعافية، التي منها سلامة السمع والبصر والفؤاد والجوارح، و مِنْ أصولها أيضًا، بل مِنْ أجل أصولها وأغلاها: نعمة الوقت.

 

وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين هاتين النعمتين في حديث واحد محذرًا من التفريط فيهما فقال: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"، والمغبون هو مَنْ يبيع السلعة بأقل من ثمنها أو يشتريها بأكثر من ثمنها، والمقصود أَنَّ غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ بل يصرفونهما في غير محلهما.

 

وتجتمع هاتان النعمتان - مع غيرهما من النعم - في الإجازة الصيفية للشباب، و لَمَّا كان سوء توظيفهما وضياعهما يعرض الشباب والأمة لخسران مبين، أردت أَنْ أرشدهم إلى كيفية استغلال هذه الإجازة بما يعود عليهم وعلى الأمة بالنفع في الدنيا والآخرة.

 

و لكي يستفيد المسلم من إجازته تمام الاستفادة - وفي نفس الوقت يستمتع بها - عليه أمران:

الأمر الأول:

التخلي عن الرذائل التي تجتمع وتتكاثر في هذه الفترة، وسأتحدث عنها تحت عنوان: المحذورات.

الأمر الثاني:

التحلي بالفضائل وسأتحدث عنها تحت عنوان: المقترحات.

 

أولاً- المحذورات:

المحذور الأول:

رفقاء السوء: للرفقة أبلغ الأثر في سلوك المرء، فالصاحب ساحب، والطبع سرَّاق، فَمَنْ جالس الأشرار وعاشرهم فلا بد أَنْ يتأثر بهم، ويقتبس من أخلاقهم، فمجالستهم تسوق بصاحبها إلى الحضيض، فكلما همَّ بالنهوض والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها أعاقوه، فعاد إلى غَيِّه، واستمر على جهله وسفهه، فعلى المسلم أَنْ يقلع عن صحبة السوء وأَنْ يصحب أولي الهمم العالية من الصالحين، وعليه أَنْ يعلم أَنَّ العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأَنَّ رؤيتهم تذكره بالله عز وجل، وفي الحديث الشريف: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ."

 

ومن أقوال الحكماء: "قل لى مَنْ صاحبك أقل لك مَنْ أنت"، "الرفيق ثم الطريق، ولا يُعْرف الرجل إلا برفيقه "و"الطيور على أشكالها تقع".

 

المحذور الثاني: الفراغ:

يعد الفراغ لدى الناس بشكل عام - والشباب بصفة خاصة - مشكلة من المشاكل الكبيرة التي يعانون منها، فكثير من مظاهر الانحرافات السلوكية المختلفة كان الفراغ من أهم الأسباب الدافعة إليها، إذ أنَّ وفرة الوقت دون عمل نافع - أيًا كان - يوقع صاحبها في أَسر الوساوس الشيطانية، والأفكار والهواجس النفسية الخطيرة، فيبدي له من التصورات والأفكار الجديدة والكثيرة ما لا يمكن أن يحصل أثناء الانشغال بعمل ما.

 

فالفراغ يجعل الشاب ثقيل الظل في البيت، كثير المشاكل، كثير الأوامر والنواهي، لذلك قال الحكماء: "الفراغ والجِدَة - أي الغنى ويُسْر الحال - مَفْسَدة للمرء أَيُّ مفسدة".

 

المحذور الثالث: التسويف:

التسويف بحر لا ساحل له، يُدْمن ركوبَه مفاليسُ العالم، وهو من جنود إبليس المقربين، وقد أجاد الحسن البصري حين قال":إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك"، ويلاحظ أَنَّ بعض الشباب يستطول الاجازة و مِنْ ثَمَّ يسوف لنفسه آجالاً ويقول: سأبدأ غَداً سأفعل غَداً، وتنقضي الإجازة يوما بعد يوم، وتنصرم الشهور ولم يفعل مِنْ ذلك شيئًا، ولا شك أَنَّ هذا من تلبيس إبليس.

 

المحذور الرابع: الإعلام المدمر:

لا يخفى على أحد أَنَّ كثيرا من وسائل الإعلام مُسَخَّرَةٌ اليومَ لإشاعة الفاحشة والإغواء بالجريمة والسعي بالفساد في الأرض، فهي خُطَّة للهدم استُعمِلت فيها كل الوسائل لتدمير هذا الدين والقضاء عليه بطريق مباشرة أو غير مباشرة، فاحذر أَنْ تسول لك نفسك أو يسول لك الآخرون، فيخدعونك بأَنْ هذا ترويح عن النفس، فما هو بترويح، بل هو السم القاتل، والعائدون إلى ربهم من هذا الطريق الموحش يعرفون ذلك ويقرون به بعد أَنْ خبروا أسراره وتجرعوا غُصَصَه، ولا يعني هذا أَنْ تخاصم النافع والمفيد منها، فأنت تعرف جِيدًا عن أي نوع أتحدث، وأي نوع أقصد!!

 

ثانيا- المقترحات: ما سبق من المحذورات إذا تجنبها المسلم يكون قد قطع شوطًا كبيرًا نحو تحقيق هدفه، وبقي الشوط الثاني وهو التحلي بالفضائل التي تروضالنفس، وتصقل الشخصية وتكسبها المهارة، وذلك في النقاط التالية:

 

المقترح الأول:

ابحث لك عن عمل مهما كان متواضعًا ولا تنظر الى العائد المادي منه، ولو متدربًا في ورشةٍ للصيانة والإصلاح أو مرافقًا لصاحب مهنة، فللعمل مزايا وفوائد لا تحصى منها: تعلم الصبر والمثابرة والجدية في العمل وكسر حاجز الخوف من التعامل مع الناس وتنمية روح العمل في فريق، ومن خلاله يتخلص الإِنسان من عادات سيئة كالكسل والفوضى والتسويف وسرعة الملل وحدة الطبع والفردية، كما أَنَّه يشبع حاجاته النفسية، كالحاجة إلى الاحترام والتقدير والإِحساس بالذات.

 

وتذكر دعاء الحبيب: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ».

 

المقترح الثاني:

من الضروري أَنْ تخصص وقتًا لممارسة شيء من اللهو المباح، وهو كثيرٌ ومتنوع، مع التنبيه على ضرورة اختيار المكان المناسب، فما يصلح في الساحات العامة قد لا يصلح في المنزل، و أَنْ يخلو هذا اللهو من المخالفات الشرعية كالكلام البذيء، والغش، ومثيرات العداوة والبغضاء، والتعدي على الآخرين و مضايقتهم و إلحاق الأذى بذات المكان أو منشآته.

 

المقترح الثالث:

من أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم: أَنَّهُ كَانَ يساعد أهل بيته في بعض الأعمال فكان يَخْصِفُ النعل وينظف البيت ويخيط الثوب ويرتبه وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ. فضع في برنامجك خدمة أهل بيتك وقضاء حوائجهم، ومن ذلك زيارة الأرحام والاطمئنان عليهم والتفاني في خدمتهم، خاصة إذا كانوا في حاجة لذلك.

 

المقترح الرابع:

حافظ على صلاة الجماعة في المسجد، واجتهد في أن تحفظ كل يوم بضع آيات وارتبط بمقرأة لتتعلم أحكام التلاوة، وحافظ على أذكار الصباح والمساء، واقتن كُتَيب حصن المسلم. وتعرف على حياة الصحابة والعلماء والصالحين، فهم أعلام الهدى ومصابيح الدُّجَى، فالنظر في سيرهم والاطلاع على أحوالهم يبعث على التأسي بهم والاهتداء بهديهم. فاستمع كل أسبوع الى قصة حياة ثلاث شخصيات أو أكثر، ومما يعينك على هذا الأمر: الوسائط الحديثة  كالفلاشات وشبكة الانترنت وغيرها فتلك نعمة كبرى إذا أحسنَّا استغلالها، وليتك تخصص دقائق - ولو قليلة - لتستخرج بنفسك العبر والعظات من حياة كل شخصية، واجتهد في تلخيص المهم منها.

 

المقترح الخامس:

تعاون مع إخوانك بمسجد الحي في اقامة الأنشطة المتنوعة - علمية واجتماعية وتربوية وأدبية - ولا تنس أَنْ تشارك في نشاط أو أكثر من هذه الأنشطة، منها على سيبل المثال: المسابقات النافعة بين الشباب والناشئة، ومنها: زيارة إحدى المؤسسات الخيرية أو مكاتب الدعوة؛ أو المستشفيات لتتعرف عليها وتسهم فيها بأي شكل مهما كان يسيراً، ومنها أيضا: الالتحاق بإحدى الدورات العلمية أو العملية النافعة والمفيدة، مثل: دورة في الخط أو الكمبيوتر أو الرسم وغيرها كثير.

 

* ووصيتي لكل مَنْ يقرأ هذه المقالة أَنْ يأخذ نفسه بإرشاداتها على قدر المستطاع، ويعمل ما في وسعه لنشرها، لعل الله أَنْ ينفع بها أَقْوَامًا ويصلح بها آخرين، فيكتب لنا الأجر جميعا، فالدَّالُّ على الخير كفاعله، اللهم ارزقنا حسن استغلال أوقاتنا، وَقِنَا وأَهْلَنا شَرَّ البطالة و الفراغ، آمين.

 

الكاتب:  دكتور: أحمد عبد المجيد مكي..