رمضان يوقظ الوعي فينا!

منذ 2019-04-30

واليوم أقف مع هذا الموسم الميمون، وكيف يوقظ وعي الأمة الإسلامية، أو يزيده، أو يصحِّحه، أو يثبته، وما أحلم الله علينا

 

بعد أقلّ من تسعين يومًا، سيحلُّ في الدُّنيا شهر رمضان المبارك، ينير ظلمة الليالي، ويشفي من رهق الأيام، ويصلح شيئًا من فساد الأحوال والقلوب، فكم تسعد الأرواح به، وتأنس الأمة بمجيئه، ففيه تصفيد مردة، وزيادة إيمان، وإيقاد ذهن، وإيقاظ وعي.

 

ومن نفحات رمضان العظيمة، أنَّه يوقظ وعي الأمّة المحمَّدية، ووعي أفرادها، ولا يقوى شيء على منعه من ذلك، ولا يملك أحد أيَّ شبهة يوردها عليه، فأيّ محاولة للتّلبيس عليه فاشلة مسبقًا، فلرمضان مناعة ذاتيّة قويّة، وفورة انبثاق عجيبة، ولذا كتبت عنه فيما مضى رمضان كمقاومة!

 

واليوم أقف مع هذا الموسم الميمون، وكيف يوقظ وعي الأمة الإسلامية، أو يزيده، أو يصحِّحه، أو يثبته، وما أحلم الله علينا، وأكرمه سبحانه حين جعل هذه العبادات والمواسم تحمل في طيَّاتها خيرًا عظيمًا؛ لمن كان له قلب يتفكّر، أو ألقى السَّمع وهو شهيد.

 

فأولُّ وعي يرسِّخه رمضان فينا، أنَّنا متعبدون لله ربِّنا في الفعل والتَّرك، وفي القول والفعل والنّية، وأنَّ سيرورة الإنسان فيما أراده الله ليست التزامًا حزبيًا، ولا واجبًا حركيًا، ولا ضغطًا صحويًا، بل نحن مسلمون مستسلمون، متبعون لرّبنا عابدون طائعون.

 

ومما ينبِّهنا له هذا الشَّهر الميمون، أنَّ القربات لله سبحانه وتعالى لا تقف عند حدود الظَّاهر مع أهميتها، بل تنفذ إلى الأعماق محدثة تغييرًا كبيرًا، وهو الأهم، ومنه يعلم المسلم يقينًا أنَّ الصَّلاة مفروضة، ومن ثمرتها الابتعاد عن الفحشاء والمنكر، وأنَّ الحجاب واجب وفضيلة، ومن بركاته العفّة من الجنسين، وأنَّ الزكَّاة واجبة، ومن وجوبها أن يكون المال حلالاً في أصله، وفي نمائه ومصارفه.

 

ويؤكد رمضان لنا وحدة الأمّة الإسلاميّة وإن اختلفت أقطارها، وتباعدت ديارها، وتصادم ساستها، وأنَّ المسلم الذي يعيش في شرق شرق الأرض، أخ في الله لمن يقطن في غرب غربها، وأنَّ المجموعات الإسلاميّة في بلاد كافرة، لهم علينا واجب التَّواصل، والعون، والنُّصرة قدر المستطاع، وأحيانًا يكون الواجب على من يحيا منهم في بلاد ذات نظام وحرية، تجاه إخوانهم الذي يعانون العسف والقهر من حكوماتهم.

 

ويجعلنا رمضان أقرب إلى كتاب ربِّنا المجيد، فنحن نتلوه قبل الصَّلوات وبعدها، وفي الخلوات، ومع المسلمين في التَّراويح والقيام، ونستمع إليه من الإذاعات، ونتابع الحرمين والجوامع الكبرى عبر الشَّاشات، وما أجدر أمّة القرآن أن ترتبط بكتاب ربِّها في كلِّ حين وحال، وليس أقلَّ من ختمة شهريّة، يستطيعها من التزم بقراءة القرآن ثلث ساعة يوميًا فقط.

 

ويعيد لنا رمضان التَّوازن في التَّعامل مع التَّقويم والتَّوقيت، فالشَّهر التَّاسع لدى المسلمين هو رمضان وليس أيلول أو سبتمبر، وعدد أيام الشَّهر ثلاثون أو أقلَّ بيوم واحد فقط، واليوم الجديد يبدأ احتسابه من دخول ليلته، فهي السَّاعة الأولى، ومن الخطل أن يقال عمَّا بعد الظَّهر مباشرة إنَّها الأولى وهي في منتصف النَّهار، وأضلُّ منه أن يقال عن ساعة بعد منتصف الليل هي الواحدة صباحًا! فأيُّ صباح هذا الذي يحيط به الظَّلام من كل ناحية؟!

 

ومع ارتباط شهرنا المبارك بالقمر، يلمح لنا ولوعينا، بأنَّ الإنسان العاقل الكامل لا يشهد على شيء إلا أن يراه بوضوح لا غبش فيه ولا احتمال، أو ينقله له العدول الضَّابطون الموثوق في عقولهم وإدراكهم، وإذا تعسّر الوضوح؛ يجري المرء الأمور على طبيعتها المعتادة.

 

ويعزّز وافدنا الكبير ارتباط الأمة بالعربيّة، فاسمه جاء بلسان عربي مبين، وأحكامه كلُّها مستقاة من نصوص مقدسة عربية، وإنَّ عودة المسلمين من عرب وعجم إلى لغتهم السّامية، يضمن العودة القوية لدينهم وحضارتهم وتاريخهم، والشَّي بالشَّيء يذكر، فبعض المعارك الكبرى الفاصلة في تاريخنا، كانت في رمضان، وما أقرب الأمَّة من النَّصر حين تكون قريبة من مولاها النَّاصر العزيز.

 

ويقضي رمضان على كلِّ دعاوى المساواة بين الجنسين، حين يسقط الشَّارع العليم عن المرأة الصِّيام في أحوال طبيعيّة مخصوصة، على أن تقضيه في وقت أيسر لها، ويعالج رمضان الغلو والتنطّع بالرُّخص، ويكذِّب رمضان نزعات الشَّر في النُّفوس حين ينقلب الإنسان الشَّرس، إلى آدمي لطيف قريب من الخير وأهله.

 

ويفضح رمضان المرجفين المفسدين، الذين يعدِّون العدَّة الخائبة لرمضان قبل شهور من حلوله، كي يفسدوا على النَّاس فرحتهم بربِّهم، وتلذّذهم بروحانية الموسم، وسعادتهم بجمال دينهم، وأقبح من ذنبهم دعواهم أنَّهم ينشرون السَّعادة والبهجة، فأيُّ سعادة للإنسان أعظم من قربه من ربه ومولاه، وأنسه به سبحانه؟

 

ويوقظ رمضان فينا المعاني الحقيقيّة للفرح، فلا فرحة أعظم من فرح المسلم بدينه، وابتهاجه بطاعة خالقه، ولذا ينشر المسلمون البهجة مع نهاية رمضان بإطعام الفقراء، والاستعداد لعيد الفطر بالهدايا، واللقاءات، وإسعاد الكبار والصِّغار.

 

ولو عقدنا المقارنة مع أعداد المبتهجين بكأس العالم، الذي يتزامن انطلاقه مع رمضان القادم، لوجدنا أنَّ أفراد الأمّة كلّهم ينتظرون الموسم؛ بينما ينتظر الكأس جزء من الأمة، وهذا الجزء الغالي علينا، يشاركون المجموع في انتظار رمضان المبارك.

 

ومن مفاهيم رمضان الدّقيقة، التي يتضمنها وقد لا ندركها من أول وهلة، مفهوم مراكمة القوة، والتَّدرج في ذلك، مع الصّبر وطول النَّفَس؛ حيث يبدأ الشهر، ثم تزداد قوته وآثاره مع الأيام؛ حتى يبلغ مداه الأعظم في عشره الأخيرة، عبر ليلة القدر التي يجتهد في تحرِّيها حتى من فرَّط في أول رمضان.

 

وما أولانا بتذكير أنفسنا والنَّاس بهذه المعاني، ونقلها لهم؛ كي يعيشوا رمضان على بينة، ويكون شهرنا طريقًا لرقي تفكيرنا، وسببًا في زيادة وعينا، فإنَّ الوعي ساحة خطيرة للعراك مع المنافقين والكافرين، وإذا انتصر المسلم فيها، وصلحت تصوراته، فالنَّصر المبين سيكون حليفه ولو بعد حين.

 

ألا ليت الأيام والليالي تطوى، لطوينا هذه الأيام كي نستقبل رمضان، ونتلّقى نفحاته، ونغنم بركاته، ونستروح بأنسامه، ونغسل قلوبنا، ونطّهر نفوسنا، ويكون للحقِّ وأهله صولة من صولاتهم التي تزهق الباطل وأهله أو تكاد؛ فاللهم بلغناه على حال طيبة في أفرادنا، وأسرنا، ومجتمعاتنا، وبلادنا، وأمتنا.

 

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرٍّياض

مدونة أحمد بن عبد المحسن العسَّاف