مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ - (15) " الإمام" عبد الحميد بن باديس

منذ 2019-08-05

شَعْبُ الجزائرِ مُسْلِمٌ ... وَإلىَ العُروبةِ يَنتَسِبْ .... مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أصلِهِ ... أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذبْ

شَعْـبُ الجـزائـرِ مُسْلِمٌ    ****    وَإلىَ العُـروبةِ يَنتَسِبْ
مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أصلِهِ    ****    أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذبْ

  (الإمام عبد الحميد بن باديس)


يخطئ البعض بتسمية الجزائر (بلد المليون شهيد)، ويخطئ أكثر من يسميها (بلد المليون ونصف شهيد)! والحقيقة التاريخية أن الجزائر قدمت مليونًا ونصف مليون شهيدًا في سبع سنوات ونصف فقط للثورة الجزائرية الأخيرة ما بين عام 1954 م وعام 1962 م، أمّا مجمل ما قدمه المسلمون في الجزائر في فترة القرن وثلث القرن من الاحتلال الفرنسي الهمجي فقد جاوز الستة ملايين شهيد!!! (نحسبهم كذلك ولا نزكي على اللَّه أحدًا من عباده).

أما الخطيئة الكبرى، فهي تسمية الاستخراب الفرنسي "استعمارًا"، فالاستعمار اسم مصدر مشتق من الفعل العربي "استعمر" ويعني عمارة الشيء، وفرنسا وغيرها من الدول "الاستخرابية" ما جاءوا ليعمِّروا، بل جاءوا ليخرِّبوا البلاد ويقتلوا العباد، ويكفيك أن تعلم أن دعاة الحضارة والتقدم من الفرنسيين حرقوا كل كتب مكتبة "قسطنطينة" الجزائرية والتي احتوت على مخطوطات نادرة من التر اث الإسلامي الأندلسي.

الغرض من ذكر هذه التفاصيل ليس هدفه السرد التاريخي فقط -الذي أعتقد أنه مهمٌ أيضًا- وإنما الهدف الحقيقي من ذكر هذه الأحداث التاريخية هو استخراج العبرة والاستفادة من الدروس لكي نعيد بناء هذه الأمة ونخرجها من حالة الهزيمة إلى حالة النصر كما حدث في الجزائر، فإذا كان البعض متشائمًا الآن من حالة الأمة الإسلامية والوضع الراهن في فلسطين بعد ستين عامًا من الاستخراب الصهيوني فيها، فإن الوضع في الجزائر كان أسوأ ألف مرة من الوضع القائم في وطني الحبيب فلسطين، ولقد استقلت الجزائر بعد كل هذا الظلم والاضطهاد، وسينال الفلسطينيون استقلالهم إذا ما سلكوا نفس المنهاج الذي سلكه إخوتهم الجزائريون، فسنة اللَّه ثابتة في خلقه، ولن تجد لسنة اللَّه تبديلًا.


وبطلنا العظيم هذا لم يكن مقاتلًا يحمل السلاح، لكنه كان مجاهدًا أحيى اللَّه به الشعب الجزائري بأكمله، فكان الإمام عبد الحميد بن باديس أمةً وحده! والإمام عبد الحميد بن باديس هو سليل عائلة مجاهدة في أرض الجزائر، فجده الأكبر هو البطل الإسلامي الكبير (المعز بن باديس)، وهو المجاهد الإسلامي الفذ الذي طهَّر الجزائر من شرِّ الشيعة الروافض من العبيديين "الفاطميين".
أمّا الإمام عبد الحميد بن باديس فقد ظهر في زمن يدعو لليأس والكآبة، زمنٌ انطفأت فيه شظوة المقاومة ودبَّ فيه اليأس في قلوب الناس، ولكن هذا الزمن هو أيضًا زمن ظهور الرجال الحقيقيين وبريق المعادن الأصيلة. والقصة تبدأ من التنشئة الصالحة عندما يرزق اللَّه الإنسان أبوين صالحين يعلمانه كتاب اللَّه وسنة نبيه وحب الوطن والجهاد في سبيل اللَّه، لينشأ ابن باديس حافظًا للقرآن ذاكرًا لسنة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فابعثته أبوه إلى جامعة "الزيتونة" لينهل من علمائها العلم، ومن هناك توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وفي المدينة المنورة قابل رجلًا هنديًا أصبح له فضلٌ على كل جزائري إلى يوم الدين، قابل الشيخ (حسين الهندي) جزاه اللَّه كل خير، فنصحه الشيخ الهندي بالعودة إلى الجزائر والتركيز على إعادة الناس فيها إلى دين اللَّه أولًا قبل التفكير في أي شيء آخر، وللَّه در هذه الأمة التي يتباحث فيها الهندي والجزائري في نصرة الإسلام! وفعلًا أخذ الإمام بنصيحة الشيخ حسين الهندي وذهب إلى الجزائر يعلم فيها الناس العربية والإسلام، فأنشأ الصحف والمدارس لتوعية النشء الصاعد، وهنا يأتي دور العظماء في بناء الأمم، فالبناء يجب أن يكون صحيحًا منذ البداية لكي يضمن الاستمرارية والبقاء، لا أن يأتي فجأة فيختفي فجأة كما هو الحال في كثير من الحركات الإسلامية في هذا الزمان،

فالإمام عبد الحميد زرع النبتة وسقاها وصبر عليها حتى أثمرت. ففي عام 1931 م أسس الشيخ ابن باديس "جمعية العلماء المسلمين"، فاختاره علماء الجزائر رئيسًا لها، فحارب البدع التي كانت منتشرة في الجزائر تحت رعاية الفرنسيين، وقام بمحاربة الفرق الصوفية الضالة التي كانت غارقة في الرقص والغناء في الموالد والاستغاثة بالأموات من دون اللَّه، وقام بنشر الدين الإسلامي الصحيح كما كان عليه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحابته الكرام. وعندما بلغ الشيخ الحادية والخمسين من عمره مات رحمه اللَّه دون أن يرى الاستقلال بعينيه، ولكن الجيل الذي رباه الإمام عبد الحميد بن باديس هو نفسه الجيل الذي أشعل ثورة الاستقلال، ليتقدم المجاهد تلو المجاهد لمقاومة الفرنسيين،

وفي عام 1962 م وبعد أكثر من مائة وثلاثين عامًا من الإستخراب الفرنسي، نالت الجزائر استقلالها، ومحق اللَّه كيد الصليبيين الذين مكثوا كل تلك الفترة لتنصير الجزائريين، فالجزائر اليوم تتجاوز فيها نسبة المسلمين 99 %، فالحمد للَّه له الفضل والمنة.


فرحم اللَّه مجاهدي الجزائر الأبطال، وشهداء الجزائر الأبرار، ورحم اللَّه الإمام ابن باديس الذي أنشد قبل أن يسلم الروح للَّه:
فَإذَ اهَلكْتُ فَصَيْحتي ... تَحيَا الجَزائرُ وَالْعرَبْ
الجميل في الأمر أن الإمام ابن باديس الذي يهتف للعرب لم يكن عربيًّا! فلأي شعب من الشعوب الإسلامية كان ينتمي؟ ومن يكون هؤلاء القوم الجبابرة الذين اعتنقوا الإسلام منذ فجر الفتوحات الإسلامية ليتحولوا إلى مجاهدين وعلماء عظام في أمة الإسلام؟
يتبع. . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف/ جهاد الترباني

المقال السابق
(14) "عملاق الجزائر" (الأمير عبد القادر الجزائري)
المقال التالي
(016) البربر الأمازيغ