أضرار الإسراف التبذير، وفضائل التدبير

منذ 2020-09-09

ما هو مفهومُ الإسراف والتبذير في القرآنِ والسُّنةِ وأقوالِ السَّلَفِ، وما صُوَرُه ومظاهِرُه وآثارهُ وأسبابُه وعلاجُه؟

الحمدُ للهِ الذي دَبَّرَ عِبادَهُ في كُلِّ أُمورِهم أحسنَ تدبيرٍ، ويسَّرَ لهم أحوالَ المعيشةِ وأمَرَهُم بالاقتصادِ ونهاهُم عن الإسرافِ والتقتيرِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، له الْمُلْكُ وله الحمدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٍ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه البشيرُ النذير، اللهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على محمدٍ وعلى آله وأصحابهِ الذين سَلَكُوا طُرُقَ الاعتدالِ والتيسيرِ.

 

أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، ودَعُوا مُجاوزةَ الحدِّ في كُلِّ الأُمورِ، واسْلُكُوا طريقَ الاقتصادِ في الْمَيْسُورِ والْمَعْسُورِ، فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

 

عباد الله: لقد تزايدت نسبةُ الفقرِ وارتفعت مُعدَّلاتُ العَوَزِ والفاقةِ في المجتمعاتِ الإسلامية حتى بلغت عام 1437 (322 مليون مسلم يعيشون تحت خطِّ الفقر)، ويَرْجِعُ هذا التَّزايد إلى أسبابٍ عديدةٍ منها: التبذيرُ والإسراف، فما هو مفهومُ الإسراف والتبذير في القرآنِ والسُّنةِ وأقوالِ السَّلَفِ، وما صُوَرُه ومظاهِرُه وآثارهُ وأسبابُه وعلاجُه؟

 

أيها المسلمون: قال الراغبُ الأصفهاني: (السَّرَفُ: تَجاوزُ الحدِّ في كلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنسانُ، وإنْ كان ذلكَ في الإنفاقِ أشهر) انتهى، وقال الشافعيُّ: (التبذيرُ إنفاقُ الْمَالِ في غيرِ حَقِّه) انتهى، والفرقُ بينهما كما قال الجورجاني: (الإسرافُ: ‌صرفُ ‌الشيءِ ‌فيما ‌ينبغي زائدًا على ما ينبغي؛ بخلاف التبذير؛ فإنه صرفُ الشيءِ فيما لا ينبغي) انتهى.

 

ولقد نهى اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم عن الإسرافِ والتبذيرِ، قال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، قال ابنُ جرير: (قال بعضُهم.. السَّرَفُ الذي نَهَى اللهُ عنهُ في هذهِ الآيةِ: ‌مُجَاوَزَةُ ‌القَدْرِ ‌في ‌العَطِيَّةِ إلى ما يُجْحِفُ برَبِّ الْمَالِ) انتهى، وقال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف: 31]، قال السُّدِّيُّ: (لا ‌تُعْطُوا ‌أموالَكُم فتَغْدُوا فُقَرَاءَ) رواهُ ابنُ جرير، وقال تعالى: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27]، قال ابنُ كثير: (أيْ: ‌في ‌التبذيرِ ‌والسَّفَهِ وتَرْكِ طاعةِ اللهِ وارتكابِ مَعْصِيَتِهِ) انتهى، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67]، قال ابنُ كثير: (أيْ: ‌ليسُوا ‌بمبذِّرِينَ في إنفاقِهِم، فيصرِفُونَ فوقَ الحاجةِ، ولا بُخَلاءَ على أهليهِم فيُقَصِّرُونَ في حقِّهِم فلا يَكْفُونَهُم، بلْ عَدْلًا خِيارًا، وخيرُ الأُمُورِ أوْسَطُها) انتهى.

 

و(قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «كُلُوا واشْرَبُوا وتَصَدَّقُوا والْبَسُوا ما لم يُخَالِطْهُ إسرافٌ ‌أو ‌مَخِيلَةٌ»  (رواهُ ابنُ ماجه وحسَّنه ابن حجر).

 

(قالَ الموفَّقُ عبدُ اللطيفِ البغدادِيُّ: هذا الحديثُ ‌جامعٌ ‌لفَضَائِلِ ‌تَدْبيرِ الإنسانِ نَفْسَهُ) انتهى.

 

و(قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إنَّ اللهَ يَرْضَى لكُم ثلاثًا، ويَكْرَهُ لكُم ثلاثًا، فَيَرْضَى لكُم: أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شيئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تَفَرَّقُوا، ‌ويَكْرَهُ ‌لكُم: ‌قيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإضاعةِ الْمَالِ» (رواه مسلمٌ)، قال العَيْنيُّ: (قولُه: «وإضاعةَ الْمَال»: هوَ ‌صَرْفُهُ ‌في ‌غيرِ ‌ما ‌يَنبغي) انتهى.

 

عبادَ اللهِ: مِن أسبابِ الإسرافِ والتبذيرِ: الإسراف على النفسِ بالمعاصي والآثامِ، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، ومنها: الْجَهْلُ، ومنها: حُبُّ الظُّهورِ والتباهي، ومنها: الإسرافُ في الأكلِ والشَّبَعِ الْمُفرِط، والإسراف في الغُسْلِ والوُضوءِ، وفي الْمَاءِ والكهرباء.

 

وأمَّا أسبابُه: فمنها: الجهلُ بأحكامِ الشريعةِ، والتأثُّرِ بالبيئةِ، والغِنى بعدَ الفقرِ إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ، والغفلة عن الآخرةِ، ومُصاحبةِ المسرفينَ والْمُبذِّرين.

 

وأما آثارُ الإسرافِ والتبذير: فمنها: عدمُ مَحبَّةِ اللهِ لهم، قال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، ومنها: أنه يُفضي إلى طَلَبِ المالِ بالكسبِ الحرامِ، ومنها: الإضرار بالبدن، ومنها: مشاركةُ الشيطانِ لهُ، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فِرَاشٌ للرَّجُلِ، وفِراشٌ لامْرأَتِهِ، والثالثُ للضَّيْفِ، ‌والرَّابعُ ‌للشيطانِ» (رواه مسلمٌ)، ومنها: أنه صارَ مِن إخوانِ الشياطينِ، قال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27]، ومنها: التعرُّضُ للحسابِ يومَ القيامةِ، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «لا ‌تَزُولُ ‌قَدَما ‌عبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ: عنْ عُمُرِهِ فيما أَفْنَاهُ، وعنْ عِلْمِهِ فيمَ فَعَلَ، وعن مالِهِ مِنْ أينَ اكْتَسَبَهُ وفيمَ أَنْفَقَهُ، وعنْ جِسْمِهِ فيمَ أَبْلاهُ» (رواهُ الترمذيُّ ) وقال: (حَسَنٌ صَحِيحٌ).

 

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبدُه ورسولُه.

 

أمَّا بعدُ: لقد أرشَدَنا اللهُ ورسولُه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى الوسائلِ الْمُعينةِ على تركِ الإسرافِ والتبذيرِ، فمنها: الاعتدالُ في النفقة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67]، ومنها: البُعدُ عن مجالسة المسرفين والمبذرين، ومنها: قراءة سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، ومنها: تذكُّر الموت والدار والآخرة، ومنها: حُسْنُ التدبير، قال الثعالبي: (مَن أصلحَ مالَهُ فقد صانَ الأكرَمَيْنِ: الدِّين والعِرْض، ما عالَ مُقتصدٌ)، قال الراغبُ: وقيل: (حُسْنُ التدبيرِ نصفُ الكسبِ، وسُوء التدبيرِ داعيةُ البُؤْسِ، الإفلاسُ سُوءِ التدبيرِ) انتهى، و(عنْ جابرٍ قالَ: سَمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: «‌الرِّفْقُ ‌في ‌الْمَعِيشَةِ خَيْرٌ مِنْ بعضِ التجارةِ») رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ، وحسَّنه الْمُناوي، وقال الهيثميُّ: (فيهِ عبدُ اللهِ بنُ صالِحٍ الْمِصْرِيُّ؛ قالَ عبدُ الْمَلكِ بنُ شُعَيْبٍ: ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، وضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ) انتهى.

 

و(عن كثيرِ بن عُبيد قالَ: دخَلْتُ على عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنها فقالتْ: أَمْسِكْ حتى أَخِيطَ نَقْبَتِي -النقبة: السراويل الذي لا يكون فيه موضعٌ لشدِّ الْحَبْل - فأَمْسَكْتُ، فقُلْتُ: يا أُمَّ المؤمنينَ لوْ خَرَجْتُ فأَخْبَرْتُهُمْ لَعَدُّوهُ مِنْكِ بُخْلًا! قالتْ: أَبْصِرْ شَأْنَكَ؛ إنهُ لا جَدِيدَ لِمَنْ لا يَلْبَسُ الْخَلَقَ) رواه البخاريُّ في الأدبِ المفردِ وحسَّنهُ الألبانيُّ.

 

و(عنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلَ عُمَرُ على ابْنِهِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وإذا عِنْدَهُمْ لَحْمٌ فقالَ: ما هذا اللَّحْمُ؟ فقالَ: اشْتَهَيْتُهُ، قالَ: أَوَ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ شَيْئًا أَكَلْتَهُ؟ ‌كَفَى ‌بالْمَرْءِ ‌سَرَفًا أنْ يَأْكُلَ كُلَّمَا اشْتَهَاهُ) رواه الإمامُ أحمد في الزُّهدِ.

 

و(عن سالمِ بنِ أبي الْجَعْدِ أنَّ رَجُلًا صَعِدَ إلى أبي الدَّرْدَاءِ -وهوَ في غُرْفَةٍ لَهُ- وهوَ يَلْتَقِطُ حَبًّا مَنْثُورًا، فقالَ أبو الدَّرْدَاءِ: إنَّ ‌مِنْ ‌فِقْهِ ‌الرَّجُلِ ‌رِفْقَهُ في مَعِيشَتِهِ) رواهُ وكيعٌ في الزُّهدِ، وقال الألبانيُّ: (رجالُه كُلُّهم ثِقاتٌ لولا أنهُ مُرْسَلٌ).

 

(وقال أبو أُمامةَ: إني لأُبغضُ أهلَ البيتِ أن يكونوا لَحْمِيِيِنَ، قيلَ: وما اللَّحْمِيُّون؟ قال: يكونُ لَهُم قوتُ شَهْرٍ فيأكُلُونه في اللَّحْمِ في أيَّامٍ، وقد قالَ يَزيدُ بنُ أبي حبيبٍ: القِطْنِيَّةُ طعامُ الأنبياءِ)، قال ابنُ الأثيرِ: (هيَ بالكَسْرِ والتشديدِ: ‌واحدةُ ‌القَطَانِي، كالعَدَس والْحمَّص واللُّوبياء ونحوِها) انتهى، (وقال ابنُ عونٍ: ما رأيتُ على خَوَانِ محمد بن سيرين لَحْمًا يَشتريه إلاَّ أنْ يُهْدَى لَهُ.. ويقولُ: سأصبرُ على هذا حتى يأذنَ اللهُ بالفَرَجِ، قال الطَّبريُّ: هذهِ أخبارٌ صِحاحٌ)، قال ابنُ الملقن: (فعُمَرُ خافَ على ابنهِ الإجحافَ بمالهِ؛ لكثرةِ شِرائهِ له إذ كان قليلًا عندهم، وأبو أُمامة خشيَ عليهِم التبذير والتدْمير، وأمَّا ابنُ سيرين فإنما تركَ شِراءَ اللحم لأنه لَزِمَهُ الدَّين فاقتصَرَ في عيشهِ وتركَ التوسُّع في مطعمهِ؛ حتى يُؤدِّي ما عليهِ لغُرَمَائهِ) انتهى مُلَخَّصًا.