حسن الخلق

منذ 2021-07-12

فإن خير الناس الذي يؤدي حق الله تعالى، ويراعي حقوق الخلق، فديننا ليس مجرد عبادات، بل هو عبادات ومعاملات، وقبيح من المرء أن يكون سيئ الخلق ولو كان مصليًا صائمًا، فالذي أمرنا بالصلاة هو الذي أمرنا بحسن الخلق مع الناس


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن خير الناس الذي يؤدي حق الله تعالى، ويراعي حقوق الخلق، فديننا ليس مجرد عبادات، بل هو عبادات ومعاملات، وقبيح من المرء أن يكون سيئ الخلق ولو كان مصليًا صائمًا، فالذي أمرنا بالصلاة هو الذي أمرنا بحسن الخلق مع الناس، بل لو تأملنا لوجدنا أن الأمر بحسن الخلق مقترن بإلأمر بإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة بل قدم عليهما في الذِكر ، في قوله سبحانه: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[البقرة: 83]، وهذا يحث المسلم على مزيد العناية بحسن الخلق.

وَصَفَ الإمام ابن المبارك رحمه الله حُسنَ الخُلُقِ فَقَالَ: هُوَ بَسطُ الوَجهِ وَبَذلُ المَعرُوفِ وَكَفُّ الأَذَى.

وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله: حُسْنُ الْخُلُقِ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ.

وقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله: حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ.

أيها الأحبة:
لم يكتف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قبول تزكية رجل بكونه عرف عنه أنه يصلي فحسب، - مع عظم مكانة الصلاة في الإسلام - بل بيَّن أن معرفة الرجل بمعاملته، ومخالطته، ومعرفة أخلاقه مع الناس في سفره وإقامته؛ فكم من مصل لا تفوته صلاة لكنه سيء الخلق يأكل أموال الناس بالباطل ويظلم عباد الله.


جاء في الأثر عن سليمان بن حرب قال: شهد رجل بشهادة، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلا يَضُرُّكَ أَلا أَعْرِفَكَ ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا أَعْرِفُهُ قَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ، قَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ؛ صححه الألباني في إرواء الغليل 2637، وفي رواية: (لعلك رأيته يخفض رأسه ويرفعه)؛ يعني: رأيته يصلي.

وهذا يبيِّن أهمية الأخلاق، لا سيما في المعاملات المالية في هذا الزمان، فإنها تكشف حقيقة الرجال، ومعادن الناس، وتبين صدق التدين في قلوبهم؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً ذُكَرَ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا قَالَ: «فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً ذُكَرَ مِنْ قِلَّةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا، وَأَنَّهَا تَصَدَّقَتْ بِأَثْوَارِ أَقِطٍ، - يعني بقِطَعٍ مِن الأَقِطِ، وهو اللَّبنُ المُجفَّفُ - غَيْرَ أَنَّهَا لَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»  (رواه ابن حبان وصححه الألباني).

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين حق الله وحق العباد في قوله: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»  (رواه الترمذي وصححه الألباني).


وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ رواه الترمذي وصححه الألباني.

ما أعظم هذا الدين الذي جعل مجرد الابتسامة في وجه المسلم صدقة، بل مجرد كف الأذى عن الناس صدقة.

أيها الأحبة الكرام:
أين نحن من أخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي قال الله مادحًا له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
وهو الذي قال: «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ وفي روايةٍ: صالحَ الأخلاقِ» (صححه الألباني).
شهد له الأعداء والأصدقاء والقريب والبعيد، بحسن خلقه حتى قبل بعثته كان يعرف بين قريش بالصادق الأمين.
ولما سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن خلقه قالت: (كان خُلُقُه القُرآنَ) صححه الألباني.


وكان الأعراب يدخلون في الإسلام لِما يرون من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وحسن تعامله، وفي كل زمان، وعلى مر العصور ما زال الخلق الحسن يؤثر في الناس، فيكون سببًا في دخولهم في هذا الدين العظيم، فكل مسلم سفير للإسلام، إذا تحلى بأخلاق الإسلام كان داعية إلى الله بأخلاقه، والعكس صحيح فإذا ساءت أخلاق المسلم كان منفراً للناس عن هذا الدين الحنيف، فاحذر أخي أن تصد الناس عن دين الله بسوء خلق وتذكر دوماً أن غير المسلم يراك تمثل الإسلام فكن نعم السفير لدينك العظيم.

أيها الإخوة الكرام:
حسن الخلق يجب أن يكون مع جميع الناس بلا استثناء أما الأخلاق التي تكون بحسب من يتعامل معه من الناس، فإذا كان بين من أهله وعشيرته ومن لهم مكانة في قلبه، أو لديه عندهم مصلحة وحاجة كان من أحسن الناس خلقًا، وإذا كان مع غيرهم ترى منه الكبر والتفاخر، والأخلاق القبيحة فهذه أخلاق متصنعة لأجل المجاملة فحسب.

حسن الخلق من أعظم الأعمال عند الله تعالى، وفضائله عظيمة في الدنيا والآخرة، فبحسن خلقك تصل إلى درجات عالية ربما لا تبلغها بعباداتك، فمن فضائل حسن الخلق:

1- أنك تنال درجة الصائم القائم؛ كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ المُؤْمِنَ ليُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ درجةَ الصائِم القائِم» (رواه أبو داود وصححه الألباني).

2- بحسن الخلق تضمن أعلى جنات الخلد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعِيم بِبيتِ في رَبَضِ الجنةِ لمن تركَ المِراء وإن كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسَطِ الجنةِ من تركَ الكذِبَ وإن كانَ مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنةِ لمن حسَّنَ خُلُقَه» (رواه أبو داود (4800)، وصححه الألباني).

وقوله: «أنا زعيم ببيت»، قال الخطابي في "معالم السنن" 4/ 110، الزعيم: الضامن والكفيل، والزعامة: الكفالة، ومنه قول الله سبحانه: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72].
و"البيت" ها هنا: القصر.

3- بحسن الخلق تفوز بمحبة نبيك والقرب منه يوم القيامة؛ كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا}؛ رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني.

4- حسن الخلق أثقل الأعمال في الميزان، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).

5- حسن الخلق يحول العدو إلى صديق حميم قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل مكارم الأخلاق، وصلى الله وسلم وبارك على نينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

________________________________
الكاتب: 
عبدالهادي بن صالح محسن الربيعي