ثمرة الكسب الحلال الكنز الخفي ( البركة)

منذ 2022-11-24

( البركة) قد لا نراها بأعيننا، قد لا نستطيع أن نتلمسها بأيدينا، لكننا نراها بقلوبنا، ونتحسسها بأرواحنا.. ومن هنا سميت البركة ب ( الكنز الخفي)

أيها الإخوة الكرام: في سورة النور آية من أعظم آيات القرآن الكريم وهى قول الله تعالى:  { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

اليوم موعدنا أيها المؤمنون لنتحدث عن ( كنز خفي) وردت الإشارة إليه في هذه الآية..

قد يكون هذا الكنز في بيتك وقد لا يكون، قد يكون هذا الكنز في زوجك وقد لا يكون، قد يكون في مالك وولدك وعلمك وحياتك وقد لا يكون..

إذا وجد هذا الكنز في بيتك كان بيتك أسعد بقعة على وجه الأرض، إذا وجد هذا الكنز في مالك كنت أغنى أغنياء العالم، إذا كان لهذا الكنز محلا في زوجك وأولادك كانوا قرة عين لك..

هذا الكنز المقصود هو ( البركة) نعمة ( البركة) قد لا نراها بأعيننا، قد لا نستطيع أن نتلمسها بأيدينا، لكننا نراها بقلوبنا، ونتحسسها بأرواحنا.. ومن هنا سميت البركة ب ( الكنز الخفي)

البركة هى ثمرة الكسب الحلال ، البركة هى ثمرة الخشية والتقوى لله رب العالمين ..

البركة هي الزيادة، هى الفيض، هي الخير الذي يجعله الله في القليل فيكثره، وفي الحقير فيعظمه، ومن هنا قيل إن الشيء المبارك هو الذي ينتفع به أينما حل ومنه قول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام  {وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك فيكم فردا فردا، وأن يبارك أموالكم وأزواجكم وحياتكم وأولادكم فردا فردا..

البركة تكون في طعام الإنسان فتشبعه، وتكون البركة في شراب الإنسان فترويه، وتكون البركة في علم الإنسان فتنفعه، وتكون في أرضه وبيته وماله الحلال نماء واتساعا..

إذا حلت البركة في شيء حلت معها القناعة والسعادة والكفاية والزيادة..

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : «قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ : " حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوَضُوءِ، الْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ » ".

«قال جابر فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النبي عليه الصلاة والسلام، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ. قيل لِجَابِرٍ : كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ.. »

«وعن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي.. »

«ثُمَّ قَالَ : " يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ". »

«قَالَ حَكِيمٌ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا.. »

«فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ.. »

«ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي أُشْهِدُكُمْ - يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ - عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ. »

البركة نعمة من أجل النعم:

البركة نعمة لا تشترى، ولا تكترى، هى نعمة يصيب بها رب العالمين من يشاء ويصرفها عمن يشاء، ويضعها حيث شاء، وينزعها من حيث شاء، ما وضعت البركة في قليل إلا كثرته، وما وضعت البركة في ولد إلا أصلحته، وما وضعت البركة في زرع إلا ثمرته، وما وضعت في بيت إلا وسعته وأسعدته..

«قَالَ أنس بن مالك : دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي. فَقَالَ صلى الله عليه وسلّم : " قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ " فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ .. »

«قال أنس فَصَلَّى بِنَا ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَقَالَتْ أُمِّي : يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ. قَالَ : فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ : " اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ ". »

ببركة هذه الدعوة من النبي المبارك صلى الله عليه وسلّم عاش أنس بن مالك حتى بلغ سبعا بعد المائة عام..

ورأى من ذرية مائة ذكر، وكان له بستان يثمر بالفاكهة كل عام مرتين.. كل هذه البركة ببركة دعوة النبي المبارك صلى الله عليه وسلّم..

البركة في البيت زوجة صالحة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها وفي مالك وعيالك، البركة ولد صالح يعينك في الحياة على طاعة الله تعالى {﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴾}

كل ما يأتينا عن الله سبحانه وتعالى يأتينا ببركته:

الماء يتنزل من السماء مباركا {﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴾}

القرآن نزل من السماء مباركا {﴿ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ﴾}

القرآن نزل من السماء في ليلة مباركة {﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾}

وأعظم بقاع الأرض حرمة بقعة مباركة {﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَٰلَمِينَ ﴾

خلق الله السموات والأرض في ستة أيام سواء للسائلين..

يومان خلق فيها سبع سموات طباقا، ويومان خلق فيهما من الأرض سبعا، ويومان قدر فيهما أقوات الخلائق وأودع فيهما من البركة ما يكفي الخلائق ويفيض {﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾} {﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾} {﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾}

الشاهد أن الله تعالى جعل الأرض مباركة طيبة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع ، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها ، والمياه التى تخر ج من جوفها . والكنوز التى تحصل من باطنها .

{﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ﴾ ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا ﴾} {﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا ﴾} {﴿ فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴾} {﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴾ } {﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴾} {﴿ وَحَدَآئِقَ غُلْبًا ﴾} {﴿ وَفَٰكِهَةً وَأَبًّا ﴾} {﴿ مَّتَٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَٰمِكُمْ ﴾}

أما البركة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم فتعالوا بنا نقتبس من مواقفها، ونعلم من أخبارها..

قد علمنا أيها المؤمنون أن طعام الواحد بالبركة يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين بالبركة يكفي الأربعة، وطعام الأربعة بالبركة يكفي الثمانية..

أما أن يكفي طعام الرجل والرجلين الألف والألفين فليست هذه إلا معجزة ربانية أكرم الله بها النبي الأعظم محمداً صلى الله عليه وسلّم..

قال جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ : لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شديدا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ لَهَا : هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا.

«قال: فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ : فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. »

«فَقَالَتْ : لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ : فَجِئْتُهُ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ .. »

«فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ : " يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ ".. قال فَجِئْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ : بِكَ، وَبِكَ. فَقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا، فَجعل فِيهَا من ريقه وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا، فَجعل فِيهَا من ريقه وَبَارَكَ.. ثُمَّ قَالَ : " ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا ". قال جابر: وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ، وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا لَتُخْبَزُ كَمَا هى.»

وقد تكرّرت هذه المعجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أماكن مختلفة، ومناسبات متعددة

منها ما كان في غزوة تبوك حين أخذ الجوع من الصحابة كل مأخذ ، فاستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم – في نحر رواحلهم ، فطلب منهم أن يأتوه بفضل أزوادهم – أي ما بقي من أطعمتهم - ، فدعا فيه بالبركة، ثم قال: ( خذوا في أوعيتكم ) ، فأخذوا في أوعيتهم ، حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا ، وحملوا ما بقي . .

وحين شكى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – من تحمّله ديون والده الذي استشهد يوم أحد ، وإلحاح الغرماء في طلب حقوقهم، جاء عليه الصلاة والسلام إلى بستان جابر، ودعا له بالبركة في ثمره ، فقضى جابر دين أبيه، وبقي زيادة...

الحاصل أيها المؤمنون: أن من دلائل البركة تكثير الطعام، وزيادته، ونماءه، وكفايته، وقد كانت هذه البركات معجزات أيّد الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم -، شاهدها الناس، وعايشها أصحابه ، فكان لها أثرٌ كبير في دخول الناس في دين الله ، وتركت صدى عظيماً في نفوس المسلمين وأسهمت في زيادة إيمانهم وتعلقهم بربهم ، وحل مشكلاتهم وأزماتهم، فسبحان من لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء..

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك أعمالنا وحياتنا وأموالنا وأولادنا وأزواجنا إنه ولي ذلك وهو على كل شيء قدير..

الخطبة الثانية

بقى لنا في ختام الحديث عن البركة ك ( كنز خفي) بقى لنا أن نقول:

إن هذه البركة أودعها الله الأرض يوم خلق الله السموات والأرض ثم إنها باقية في الأرض وفيما يخرج منها وفيما ينزل من السماء وستبقى كذلك، تقوى زمانا فتكون على أشدها زمان ينزل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام آخر الزمان وطهارة الأرض من جثامين يأجوج ومأجوج..

قال صلى الله عليه وسلّم «ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ : أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا ، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ ، حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ وتضعف البركة زمانا آخر وذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام " لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا "» .

فاستجلبوا البركة بتقواكم لله رب العالمين، استجلبوا البركة بصفاء نفوسكم، استجلبوا البركة بحسن نواياكم، وبطيب المطعم..

{﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ﴾ }

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك فيكم فردا فردا وأن يجمعكم مع إمام النبيين وسيد المرسلين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر..

 

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.