جسور الضلالة

منذ 2026-03-30

إن من يمهد للضلال أشد جرمًا من مرتكبه، فالمرتكب قد يكون ضحية لحظة ضعف أو غياب وعي، أما “المُجسِّر” فهو مهندس الخراب الذي يبني المقدمات بدهاء، ويترك للعوام النطق بالنتائج.

في عالم الأفكار والمناهج، ثمة جناية خفيّة تتجاوز في خطورتها خطيئة الفعل ذاته؛ إنها جناية “التجسير”. والتجسير هنا ليس مجرد ربط هندسيّ بين ضفتين، بل هو هندسة خبيثة للعقول، تقوم على تمهيد الأرضية للضلال، وتعبيد الطريق للانحراف، دون التورط المباشر في النطق بالنتيجة الكارثية. من يمارس التجسير لا يدفعك إلى الهاوية بيده، بل يزرع فيك القناعات التي تجعلك تختار القفز طوعًا.

الأمر أشبه بمن يسنّ السكين ويلمّع نصلها، ثم يضعها في يد أهوجَ. حين تقع الجريمة وتسيل الدماء، قد يُساق القاتل إلى المشنقة لأنه الأداة المنفذة، لكن العقل المدبر الحقيقي هو ذاك الذي جهّز السلاح وهيّأ الظروف.

إن من يمهد للضلال أشد جرمًا من مرتكبه، فالمرتكب قد يكون ضحية لحظة ضعف أو غياب وعي، أما “المُجسِّر” فهو مهندس الخراب الذي يبني المقدمات بدهاء، ويترك للعوام النطق بالنتائج.

هذا المسلك يجعل الانحراف يبدو وكأنه الخيار المنطقي الوحيد، ويتجلى هذا المكر في أوضح صوره حين يطرحون الأفكار جهرة ويجعلون اللوازم سرًا، فيقولون لك مثلًا: “النار محرقة”، ثم يتبعونها بمقدمة أخرى: “فلان دخل النار”، وحين تكتمل الصورة في ذهنك وتصل إلى النتيجة الحتمية، يقفون على منصة البراءة ليعلنوا بملء أفواههم: “هاتوا كلمة واحدة قلنا فيها إن فلانًا يحترق!”. هم محقون في مكرهم؛ لقد اكتفوا بتلقين العوام نصف المعادلة، وتركوا لهم إكمال النصف الآخر، ليكونوا شركاء متضامنين في الجريمة. إنهم يتركون الناس للتجارب والاصطدام، ثم يشاهدون من بعيد.

وهذا هو تمامًا المنهج الإبليسي العتيق. فالشيطان لا يرتكب الخطيئة نيابة عنك، ولا يكرهك عليها، بل يكتفي بالتجسير. يزين لك المقدمات، ويسنّ لك سكين الشبهات والشهوات، وحين تقع الفأس في الرأس، يتبرأ قائلًا: إني بريء منكم. هو يبرأ من النتيجة لأنه يعلم أنه لم ينطق بها صراحةً، بل تركك تستنتجها من مقدماته المسمومة، لتدفع أنت الثمن وحدك.