الثبات على الدين في زمن الفتن

منذ 2026-04-11

قد اقتضت حكمة الله جل وعلا أن يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، وفي الفتن تطيش العقول، وتضطرب المواقف، وتكثر البلبلة. وللثبات على الحق- زمن الفتن- أسباب لعل فيما يلي عونا على تحصيلها:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اقتضت حكمة الله جل وعلا أن يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، وفي الفتن تطيش العقول، وتضطرب المواقف، وتكثر البلبلة. وللثبات على الحق- زمن الفتن- أسباب لعل فيما يلي عونا على تحصيلها:

۱- قال تعالى: {وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: ٣٠] فلا يُخاف علينا أكثر من ذنوبنا، إذن فلتبادر بالتوبة.
۲- قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ٣]، فالتوكل على الله أعظم سبب لأن يكفي العبد ما أهمه من أمور دينه ودنياه.
جاء في سير أعلام النبلاء» (۱): «قال أبو تراب: سمعتُ حاتما (2) يقول: لي أربع نسوة وتسعة أولاد ما طمع شيطان أن يوسوس إليَّ في أرزاقهم».

۳- قال تعالى: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَيْكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ} [الأنعام: ۸۲]، فالتوحيد سبب الأمن، كما أن الشرك سبب الخوف مهما توافرت للعبد أسباب الأمن والاطمئنان، قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلَ بِهِ سُلْطَنَا} [آل عمران: ١٥١]. 

- الدعاء سلاح، عظیم، تسلّح به الأنبياء والصالحون، فليجتهد فيه، ولْيُحَنَّ الناس عليه؛ خاصة كبار السن ومن يرجى فيهم الصلاح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تُنصرونَ وتُرزقون إلا بضعفائكم»، (رواه البخاري) (3)، ورواه النسائي ولفظه: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (4).

5- قال رسول الله: «احفظ الله يحفظك» (5)، فمن حفظ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه حفظه الله في نفسه وأهله وعرضه وماله.

٦- بالشكر تُحفظ النعم؛ بل تُزاد، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: ٧]، وليحذر من الإسراف والترف ومن حياة اللهو والعبث.

۷- الاجتهاد في العبادات سبب لتثبيت العبد وتوفيقه إلى الصواب، وأن يُحفظ من الفتن؛ بخلاف الغافل المقصر، فإنه يُخاف عليه أن تَزِل قدمه وتُضِلُّه الفتن. كما أن للعبادة وقت الفتن شأنا وفضلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقِطَعِ الليل المظلم، يُصبحُ الرجل مؤمنًا ويمسي كافرا، أو مؤمنا ويصبحُ كافرًا، يبيعُ دينه بعرض من الدنيا»(6)، (رواه مسلم)، وقال: «العبادة في الهرج كهجرة إليه» (7)، (رواه مسلم).

قال النووي-رحمه الله-: المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد (انتهى) (8). وأخرجه الإمام أحمد بلفظ: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ» (9).
 
قال ابن رجب-رحمه الله-: وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتنة يتبعون أهواءهم، فلا يرجعون إلى دين، فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه، ويجتنب مساخطه: كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا متبعا لأوامره مجتنبا نواهيه انتهى (10).

_________________________________________________
(۱) سير أعلام النبلاء (٤٨٥/١١).
(۲) هو حاتم الأصم ينظر في ترجمته: المرجع السابق (١١/ ٤٨٤).
(3) أخرجه البخاري (٢٨٩٦).
(4) أخرجه النسائي في المجتبى (۳۱۷۸).
(5) أخرجه أحمد في مسنده (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦).
(6) أخرجه مسلم (۱۱۸).
(7) أخرجه مسلم (٢٩٤٨).
(8) شرح صحيح مسلم (18/88).
(9) أخرجه أحمد في مسنده (20311).
(10) لطائف المعارف (254).

______________________________
المصدر: كتاب "إضاءات مجموع فيه رسائل ومحاضرات".

فهد بن سليمان القاضي

١٣٧٧هـ - 1441 هـ . تدرّج في التعليم النظامي، وتخرج بكلية الشريعة بالرياض، ثم عمِل في التعليم العام معلما في المرحلة الثانوية عشرين عاما، وتقاعد تقاعدا مبكرا عام 1419هـ، وتفرّغ بعد التقاعد لأعمال الدعوة إلى الله، وتوفي ليلة الثلاثاء 16 ربيع الأول 1441هـ، عن ثلاث وستين سنة وأشهر.