في تعليم التدبير
ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخراً لوقت العجز: وليحذر السرف، فإن العدل هو الأصلح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:
في تعليم التدبير
قوام الآدمي بشيئين الحرارة والرطوبة.
ومن شأن الحرارة أن تحلل الرطوبة وتفنيها، فالآدمي محتاج إلى تحصيل خلف للمتحلل.
فأبدان النشوء تغتذي بأكثر مما يتحلل منها.
والأبدان المتناهية تغتذي بمقدار ما يتحلل منها والأبدان التي قد أخذت في الهرم يتحلل منها أكثر مما تغتذي به. ولا تتشبع مما تغتذي به، وينبغي للناشيء البالغ أن يتحفظ في النكاح، لأنه بعفته يربي قاعدة قوة يجد أثرها في الكبر.
وأما المتوسط والواقف السن فينبغي أن يحذر فضول الجماع، فإن حصل له مثل ما يخرج منه فأسرف، فاللازم أخذ من الحاصل، ويوشك أن يسرع النفاد.
وأما الشيخ فترك النكاح كاللازم له، خصوصاً إذا زاد علو السن، لأنه ينفق من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبداً.
ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخراً لوقت العجز: وليحذر السرف، فإن العدل هو الأصلح.
ثم ينظر في الزوجة، والمطلوب منها شيئان: وجود الولد، وتدبير المنزل، فإذا كانت مبذرة فعيب لا يحتمل، فإن انضمت صفة العقر فلا وجه للإمساك.
إلا أن تكون مستحسنة الصورة، فإن ضم إليها عقل وعفاف حسن الإمساك.
وإن كانت مما يحتاج أن تحفظ فتركها لازم.
فأما الخدم فليجتهد في تحصيل خادم لا تستعبده الشهوة، فإن عبد الشهوة له مولى غير سيده.
ولينظر المالك في طبع المملوك، فمنهم من لا يأتي إلا على الإكرام فليكرمه فإنه يربح محبته ومنهم من لا يأتي إلا على الإهانة فليداره وليعرض عن الذنوب.
فإن لم يمكن عاتب بلطف، وليحذر العقوبة ما أمكن وليجعل للمماليك زمن راحة.
والعجب ممن يعني بدابته وينسى مداراة جاريته، وأجود المماليك الصغار، وكذلك الزوجات، لأنهم متعودون خلق المشتري.
وليحفظ نفسه بالهيبة من الإنحراف مع الزوجة، ولا يطلعها على ماله، فإنها سفيهة تطلب كثرة الإنفاق.
وأما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد مستقبلهم.
ومتى كان الصبي ذا أنفة - حيياً - رجى خيره.
وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء، وليحذر من مصاحبته للجهال والسفهاء، فإن الطبع لص.
وليحذر الصبي من الكذب غالة التحذير، ومن المخالطة للصبيان المعوجين.
وليوصه بزيادة البر للوالدين، وليحفظ من مخالطة النساء.
فإذا بلغ فليزوج بصبية لم تعرف غيره فينتفعان.
هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا.
فأما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث.
وليحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة، فإذا بلغ تشتت همته، فليضرب تارة، ويرشى أخرى، ليبلغ وقد حصل محفوظات سنية.
وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقناً، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم، ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن، ثم الفقه مذهباً وخلافاً، وما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظه حسن.
وليحذر من عادات أصحاب الحديث، فإنهم يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث، فيذهب العمر وما حصلوا فهم شيء.
فإذا بلغوا سناً طبوا جواز فتوى، أو قراءة جزء من القرآن، فعادوا القهقرى.
لأنهم يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم، فالحفظ في الصبا للمهم من العلم أصل عظيم.
وقد رأينا كثيراً ممن تشاغل بالمسموعات وكتابة الأجزاء ورأى الحفظ صعباً فمال إلى الأسهل فمضى عمره في ذلك.
فلما احتاج إلى نفسه قعد يتحفظ على كبر فلم يحصل مقصوده.
فاليقظة لفهم ما ذكرت، وانظر في الإخلاص، فما ينفع شيء دونه.
- التصنيف: