الضبطية القضائية والأحكام العرفية

منذ 2012-06-25

أشتم من هذا القرار رائحة غير مطمئنة وأتحسس من بعده بلاءً يعيد إلى الأذهان ما كنا نسمعه قديماً عن أهوال السجن الحربيِّ وجرائم البوليس السري والقلم السياسيِّ .


وكأن مصر قد حكم عليها بالحياة الأبدية تحت حكم الفراعنة جيلاً من جيل كابراً عن كابر، إلاّ فتراتٍ من عهود الخلافة الراشدة والولاية العادلة، وكأن قدرها أن يبقى حكم العسكر مستمراً رغم الثورة ورغم النفرة، ورغم الرفض والإباء الشعبي أن يستبدل قانون الطوارئ الذي لم نتمكن من الإحساس بإلغاء حالته وإبطال مفعوله وتعطيل آلته، ليفاجئنا وزير العدل بإيعاز من المجلس العسكري بإصدار قرارٍ عنتري إمبراطوري سُلطَوي فرماني بمنح حق وصفة الضبطية القضائية لضباط وصف ضباط المخابرات الحربية والعسكرية والشرطة العسكرية.

أي عبث هذا بحرية المواطنين ومقدرات الوطن؟

أي مكرٍ وفكرٍ ودهاءٍ وخبثٍ هذا الذي يجعل الناس تحت إمرة وسلطة أُناس استعذبوا قهر الشعوب واستلذوا إذلالهم؟

نعم من السذاجة والبلاهة أن يَعتقد أحدٌ أن العسكر سَيُسَلِّم السلطة لمدنيين وسيرجع إلى ثكناته تحت حكمٍ غير عسكري، لكن من الغباء أن يستكين الشعب لفئات من الناس قد استباحوا الاستعلاء، واستخفوا بآمال الشعوب في عيش الهدوء والهناء بعد عهود من الاضطراب والشقاء وصنوف العنت والعناء.

المشهد يبدو واضحاً جلياً لذي عينين ولا أظنه يحتاج إلى تحليلات المحللين العميقة، فالمشهد واضح بيِّنٌ لا غموض فيه ولا خفاء يعتريه؛ فلقد أعدت السناريوهات وحيكت الخطط و المؤامرات وبدائل لمختلف الحالات؛ فإذا ما أقر البرلمان مد الطوارئ كما كان يرجو البعض فلا غرو يكون قد ضرب نفسه بيده في مقتل وفقد مزيداً من ثقة البقية الباقية من الشعب.

وأما إذا ما انحاز البرلمان إلى الشعب ومطالبه والثورة وأهدافها فالبديل جاهز ومتاح، وليس بيد العسكر ظاهراً؛ فالعسكر يحرك العرائس كيفما يحلو له من وراء الستار فيبدو للمتفرجين والمتصارعين أن القرار إنما أصدره وزير العدل بإرادة كاملة واستقلالية تامة ولا دخل للعسكر فيه من قريب أو بعيد. في حين لا يجرؤ وزير ولا مسئول على تحريك قلمه ولا مغادرة مكتبه ولا حتى دخول الخلاء إلا بإذن العسكري، وليس هذا من باب الافتراء ولا الاجتراء ولا الافتئات، إنما هي طبيعة حكم العسكر الذي تُبنى على الطاعة للأوامر وانتظار التوجيهات في كل صغيرة وكبيرة وعظيمة وحقيرة من القيادة العليا.

إن قرار إعطاء الضبطية القضائية لهو بمثابة إعلان للأحكام العرفية ولكن بطريقة وصبغة جديدة "نيو لوك"، فبعدما كان القائمون على أمن دولة النظام هم الداخلية مستغلة سيارات الأجرة من المايكروباص في الحملات الليلية، سنرى الحملات تشنها وتنفذها السيارات العسكرية، وبدلاً من اضطلاع رجال الأمن بهذا الدور سنرى البزة العسكرية هي التي تتقدم الجنود وتقوم على تحقيق الهدف المنشود لإسكات البلطجية وإخماد الفتن الطائفية وإعادة الحالة الأمنية.

ولا بأس أن يكون الأمر في أوله عبارة عن حملات جادة ومتقنة على بعض أوكار البلطجية ومعاقل اللصوص حتى يتم سبك ما تم حبكه مسبقاً، ليقتنع الناس ويقبلوا بالوضع الراهن ويشعروا بتغير حقيقي على أرض الواقع، حتى إذا ما استتب لهم الأمر وانتشر الوضع واستقر بدأت الحملات الجديدة الحقيقية على المساجد والبيوت وأماكن التجمعات، ومن ثم يتم تقييد الحريات ويشترط استئذان السلطات العسكرية للحصول على التصاريح والموافقات ليمكن عقد المؤتمرات واللقاءات الثقافية والحوارية والدعوية حتى حفلات العرس والطهور وأعياد الميلاد بغض النظر عن حكمها.

ولا يُحْسِنَنَّ الظنَّ صاحب رأي حرٍ أو قلم جريء ليقول : "سنتظاهر وسنعتصم وسنثور و......."، فلقد أخشى أن ذلك قد فقد بريقه ولمعانه ولعنه الناس بعد مرور سنة ونصف من القحط و التجويع وافتعال الأزمات و حملات التشويه والترويع الإعلامي ضد كل فئة ثورية وفصيل سياسي وتيار ديني، لتعود إلى الوجود نسخة جديدة بشعة مقيتة من استدعاءات المخابرات الحربية والشرطة العسكرية، بدلاً من أمن الدولة سابقاً ليعيش من فاته المشهد القديم في عصر عبد الناصر وما بعده من بلاء وبأس وشدة وقمع.

الآن يخرج هذا القرار قبيل الحكم المنتظر المرتقب بخصوص دستورية العزل والبرلمان !!

الآن يخرج قبيل جولة الإعادة التي يتوقع أن يتم إنجاح الفريق شفيق فيها وتنصيبه حاكماً على مصر ليقضي قضاءً مبرماً ويوثق وثاقاً محكماً، ويكون ظلاماً دامساً على مصر لعقود من الزمان متطاولة لا يعلم متى ينبلج فجر يومها ولا كيف إلا الله.

الآن وقد بلغت القلوب الحناجر واستوى الناس على جمر الفقر وغلا بهم قدر الجوع يتقلب فيها حميم الأزمات المصطنعة المختلقة ويزيدها اشتعالاً إعلام الزور وقنوات البهتان .

الآن وقد كثر لعن الناس للثورة والثوار وسبهم لكل ذي لحية وذات خمار، فهم بحسب ما يروجه الإعلام سبب البؤس والشقاء الحال والمستقبل، ولو وصلوا إلى الكرسي الكبير والمنصب العظيم في البلاد فترة وتسمع الناس فزعين مرددين كالببغاوات: "لو وصل إلى الحكم إسلاميُّ يريد تطبيق الشريعة، فلسوف يصب علينا العذاب صباً، وسيصبح عيشنا كداً كداً"، فلا سبيل ولا مناص ولا مخرج ولا علاج ولا خلاص إلا برفض مرشح الثورة والتيار الإسلامي، والإعراض عنه تماماً والانحياز التام والقبول الكامل لمرشح العسكري والنظام البائد الباقي المفتري الفريق أحمد شفيق الذي تعهد باسترداد الثورة التي سرقها الإخوان، واستعادة الأمن والأمان في أقل من يوم وكأن معه خاتم سليمان أو مصباح علاء.

أنا على يقين من هذه الجملة فمع الشفيق فعلاً "خاتم سليمان مدير المخابرات ومصباح علاء مبارك".

ويتم هذا كله بمباركة فريق من علماء السلطة وأحذية السلطان الذين لا يكلِّون ولا يملّون من ترديد نغمة: "الخروج على الحاكم ".

ويبدو أن إصدار مثل هذا القرار الآن هو بمثابة تمهيد وتوطئة، سيصاحبها ويعقبها تنفيذ بعض العمليات البطولية التي سيسلّط عليها الإعلام بحيث تجذب الانتباه وتلفت الأنظار وتبهر الناس، فيصفقون ويهللون ويرفعون القبعات ليلبسوا السلطانية تمهيداً للبس الطرح على مستوى الجمهورية.

ثم الخازوق الأكبر بتولية الشفيق رئيساً للجمهورية لينفذ المخطط الأهم والمشروع الأعظم، المتمثل في الانتقام من الثوار "نفر نفر"، والقضاء على التيارات الإسلامية "لحية لحية و خمار خمار"، وينفذ وعيده الذي أعلنه صريحاً بحل الأحزاب الدينية وإعادة الإخوان إلى تحت الأرض من جديد، قريباً في جميع دور العرض فيلم "فريق الانتقام".

ولا عجب من تصريحات بعض القادة العسكريين الذين زعموا أن إصدار مثل هذا القرار الآن إنما جاء لسد فراغ تشريعي ريثما يصدر الدستور!

أغلب ظني -وليس كل الظن إثم لاسيما في وجود ريبة وشك ودلالات على صدق سوء الظن- أن هذا الفراغ المدّعى به والمستند إليه هو فراغ متعمَّد، يعني تم اختلاقه وتُعُمِّد وجوده لكي يكون بمثابة ثغرة يتسللون من خلالها ليقرروا ما يشاءون من قرارات ويصدروا ما يريدون من توجيهات وبيانات توطد لحكمهم وتمدد لبقائهم.

وآخر يقول: "إن هذا القرار مهم للقضاء على البلطجة وإشاعة الأمن في ظل ضعف وانكسار الشرطة!".

وأنا أتساءل :

إذا كان في الشرطة عناصر فعالة وقوية وضاربة ونشيطة كتلك التي زعمت أنها استطاعت بمهارة وحرفية منفطعة النظير في ضبط فضيلة الشيخ المحترم المؤدب الموقر علي ونيس في حالة تلبس بفعل فاضح بزعمهم، والتي أثبتت التحقيقات بعدها أنها واقعة مزورة وحادثة ملفقة وأن الفتاة قد أجبرها الضابط على الادعاء الكاذب، أين هؤلاء الأشاوس الذين لم ولن يضبطوا مئات الشباب والفتيات المجاهرين على الكورنيش وفي المتنزهات والحدائق والطرقات وخلافه في وضح النهار وفي الظلمات، وكان أولى بهم أن يفعلوا ذلك ليَرى الناس هِمّتهم ويشهدوا بمهارتهم وكفاءتهم.

لو كان في الشرطة أمثال هؤلاء النجباء والنشطاء والشرطيين الشرفاء، فما هي حاجتنا إلى أن يقوم العسكريون ببدور الشرطة؟؟

ثم أليس من الأولى والأجدر والأحق أن يقوموا بواجبهم ذلك على الحدود، التي أصبحنا ننتظر يوماً بعد يوم أن نسمع بمن أُصيب ومن قُتل ومن ضُرب عليه النار من قبل العدو الصهيوني ولا رادع ولا قامع ولا حتى حماية؟؟

أشتمّ من هذا القرار رائحة غير مطمئنة، وأتحسس من بعده بلاءً يُعيد إلى الأذهان ما كنَّا نسمعه قديماً عن أهوال السجن الحربيِّ وجرائم البوليس السري والقلم السياسيِّ.

طبعاً ستكون فرصة رائعة ومريعة لمن لم تواته الظروف أن يعيشها في حينها ليُدرك الإعادة بإخراج جديد وإصدار متميز.

عافانا الله وإياكم من كل سوء وبلاء اللهم آمين!

كما أخشى ما قد يترتب على ذلك القرار من تداعيات متوقعة ومحتملة من الصدام الحتميِّ بين فئات من الشعب وبين الضباط المعنيين بالتنفيذ، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار طبيعة ونفسية واستعداد وتدريبات هذه الطائفة من الضباط والجنود المنوط بهم التنفيذ، وأنهم غير مهيئين للتعامل مع الجماهير بينما تدريباتهم للتعامل مع الجواسيس والأعداء؛ فهل يا تُرى سيتم أو قد تم شحنهم بأنهم سيتعاملون مع جواسيس أو أعداء كهؤلاء الذين يَغتالون إخواننا على الحدود؟

أليس هذا القرار يعتبر نوعاً من تفخيخ العلاقة بين الشعب والجيش، بعدما أصبح الجيش فترة من الزمان -ولا يزال التصور تجاهه- أنه الدرع الحامي والجدار العازل والحصن الحصين والركن الركين الذي تتوجه إليه وتتعلق به أنظار وآمال الشعب المتلهف إلى النصر؟

وما ذلك إلا ليستقر للفريق شفيق الحكم ويستتب الأمر، ولا أستبعد أن تفتعل حالة من التوتر والاضطراب أو يدفع فريق من الناس إليها دفعاً ليفرض حظر التجوال ويعود الأمر إلى أسوأ مما كان عليه أيام المخلوع المسجون، ليكون لسان حال الثائر قبل الخائر "ولا يوم من أيامك يا حسني، ونعلنها جميعاً: آسفين يا ريس".

فها هي صفات وسمات المكر التي تشتهر بها الثعالب تَبرز وتتضح في الخطوات والإجراءات المتتالية التي استمرت على مدار سنة ونصف من بداية الثورة، وتخللتها أمارات وخصائص الذئاب متمثلة في العنف وكشف الهذرية والقتل والقنص الذي أدى إلى سقوط العديد من القتلى الذين نرجو لمن مات على التوحيد منهم أن يبلغه منزلة الشهداء.

ولا يخفى على أحد حادثة محمد محمود وماسبيرو ومسرح البالون ومجلس الوزراء وبور سعيد، وأخيراً ولا أظنه آخراً أحداث العباسية التي اعتبرها الشفيق بروفة وعينة لما سيكون عليه الحال إذا ما ثار الميدان حال توليه المنصب واعتلائه الكرسي، إنهم حقاً وكما قالها الشيخ حازم: "مجلس الذئاب والثعالب".

فاللهم دبّر لنا فإنا لا نحسن التدبير.

و بعد ما وقع ويقع وسيقع إلا أن تداركنا رحم من الله سبحانه، لا أجد ما أقوله لمن لا يزال مصراً وعازماً ومتفاعلاً ومصمماً على انتخاب الفريق شفيق ليُعيد إنتاج نظام كم ذاق منه هو وأولاده وآباؤه وأجداده أقسى وأعنف وأمر العنت!!

لا أجد ما أردُ به على هؤلاء القوم الذين يرون في شفيق المخلص والمنقذ والملهم وصاحب التاريخ الأبيض والسيرة الشفافة والنية الصادقة، حتى شبهه بعضهم حين ذكرته بأنه من نظام مبارك ومن أوتاد وأركان حكمه فقال: " لقد تربى موسى في قصر فرعون فهل أثر ذلك على موسى؟"، العجيب أن هذا الذي قال ذلك يعمل مستشاراً بوزارة العدل! فكيف حال البسطاء؟

لا أجد إلا هذه البيات الساخرة التي تمثل حواراً يفهمه من تأمل :

الخازوق ........!!

قال المؤيد له:
 

يا رب حكم في البلاد شفيقا ‍*** وفقه يا رب الورى توفيقا

مَكِّنْ له لا تخذلنهُ إلهنا ‍*** حتى يحقق حلمنا تحقيقا

ويعيد أمن بلادنا في ساعةٍ ‍*** لنصفقن له إذاً تصفيقا



قلت له مذكراً ببعض تاريخ الفريق وساخراً من تصريحاته :
 

هذا الفريق من النظام البائدِ ‍*** لمباركٍ كان الشفيق رفيقا

ولقد يؤكد للورى هو قدوتي ‍*** مثلي هو الأعلى أراه حقيقا

أنا لي من التاريخ ما لم يجنه ‍*** أحد ودونك إن تشا التوثيقا

خلفيتي عظمى تنوء بكلكلي ‍ *** ومسيرتي كبرى فدع تلفيقا

أنا لستُ أبغي بالترشح منصباً ‍*** لكن لمصر فصدقن تصديقا

أنا بُغيتي استرداد ثورتنا التي ‍*** سُرقت وتحقيق المنى تحقيقا

سأعيد حقاً للشهيد وأهله ‍*** وكرامة قد مُزقت تمزيقا

ومُقدَّراتُ الشعب بئس من اعتدى ‍*** لأحرقن من افترى تحريقا

والبلطجية والبغاة فويلهم ‍*** لأضيقن عليهم تضييقا

أنا لست فِلاًّ من فلول مباركٍ ‍*** ومباركٌ مثلي وليس صفيقا

أنا رائد الإصلاح واسأل مصر للطـ ‍*** يران من ملأ الفضا تحليقا

هذي الملايين التي لي صوتت ‍*** في الانتخاب ودونك الصندوقا

أنا قِبلة الشعب الذكي وقصده ‍*** إن شئت فاسأل مبغضاً وصديقا

شهد الجميعُ بعفتي ونزاهتي ‍*** واسأل عكاشة لم يزل توفيقا

أنا مسلمٌ متدينٌ أنا عارفٌ ‍*** لست امرأ متخرصاً زنديقاً

أنا من سلالة آل بيتِ محمدٍ ‍*** فالزم طريقي قد هُدِيتَ طريقاً

أنا ليس لي نِدٌ وليس مشابهاً ‍*** ويزيدني ما تفترون بريقا

أنا لا أُعاب ولن يضير نزاهتي ‍*** ما تزعمون تنابحاً ونهيقا

أنا لن يكون لمصر غيري حاكماً ‍*** فاستبشروا ولتقبلوا الخازوقا



******
ابن الأزهر ومحبه
الشيخ: أبو أسماء الأزهري
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
[email protected]
[email protected]

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 5
  • 22
  • 2,331

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً