أيها الإسلاميون..أَبْدِعُوا يَرْحَمْكُم الله ..!!

منذ 2012-11-11

لقد كانت ولا تزال وسائل الدعوة منذ عصور الإسلام الأولى وإلى الآن تعتمد على التواصل المباشر بين الداعية والمدعوين من خلال اللقاءات في الأعياد والجمعات أو في المواعظ والدروس أو المحافل والتجمعات أو حتى اللقاءات الفردية ...



الدعوة إلى الله تعالى هي أشرف رسالة وأعظم مهمة وأسمى وظيفة.

وهي تعتمد على التواصل بين الداعية والمدعوين، والتواصل يكون بشتى الوسائل ومختلف الطرق وفي كل الأوقات وعامة الأماكن ومع جميع الطبقات والأعمار والأفهام.

وكلما كانت الطريقة المتبعة والوسيلة المنتهجة أوقع في نفوس المدعوين وأكثر جذباً لهم ولفتاً لأنظارهم واسترعاءً لأسماعهم كلما كان ذلك أدعى إلى بلوغ الداعية بدعوته الغاية المأمولة وتحصيله الثمرة المطلوبة.

ولقد كانت ولا تزال وسائل الدعوة منذ عصور الإسلام الأولى وإلى الآن تعتمد على التواصل المباشر بين الداعية والمدعوين من خلال اللقاءات في الأعياد والجمعات أو في المواعظ والدروس أو المحافل والتجمعات أو حتى اللقاءات الفردية كما قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا. ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح: 5-9].

ولا يخفى عليكم ما كان من شأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تطواف وسعي بين الناس فرادى وجماعات يدعوهم إلى الله ويرغبهم في التوحيد يُحذِّرهم من الشرك وعبادة الأصنام.

وعلى مثل هذا النحو وذات الدربِ سارَ أصحابه والتابعون بإحسانٍ إلى يوم الدين.

ومع تقدُّم وتطوّر المجتمعات وظهور المخترعات والتقنيات الحديثة في مجالات الإعلام وَوسائل التعبير والإيضاح أصبح المجال أكثر اتساعاً وأوسع انتشاراً وأعظم تأثيراً حتى باتت الضرورة مُلحّة والحاجة ماسة إلى التعامل مع هذه الوسائل واستعمال تلك التقنيات والاستفادة من تلك المخترعات كالنت والفضائيات وغيرها وإن كانت من إبداعات الغرب والشرق الذي لا دين له غالباً أو دينه الكفر.

وفي الوقت الذي نرى فيه أعداء الدين وأتباع الهوى وجند الشياطين لا يألون جهداً ولا يدخرون واسعاً ولا يبخلون بمال في سبيل نشر ضلالاتهم واجتذاب أتباعهم وخداع الجهلاء لينحازوا إلى مِلَلِهِم ونِحلهم ومذاهبهم وأفكارهم.

فتراهم يهتمون بالمبدعين في مجال التأليف والكتابة والشعر والموسيقى والتمثيل فمن يؤلف قصة أو ينظم قصيدة أو يُؤلف مقطوعة موسيقية أو يمثّل دوراً في فيلم أو مسلسل يبثُ فيه سموم مَنهجه وفاسدِ عقيدته بأسلوب تستحسِنُه النفوس، وتستملحه القلوب، ويستميلها هو برونقه وشدة حبكته، وإتقان صنعته. فيكون له عظيم الأثر في نفوس وعقول هؤلاء المساكين، وإن كان لا يخفى سُمَّه ولا ينطلي أثره على أهل العلم والفاهمين والراسخين في الدين؛ لكنها وبكل تأكيد تنّطلي على الجُهلاء من أبناء الأمة وإن كانوا حاصلين على أعلى المؤهلات، وأرفع الدرجات، وتقلدوا المناصب، وحازوا المراتب في علوم الدنيا ومجالاتها. إلا أنهم أجهل من دابةٍ في علوم الشريعة وأصول العقيدة فضلاً عن فروع الفِقهِ ومسائل العلم.

وترى المتخصصين منهم في الكومبيوتر وبرامج الفوتوشوب والميديا والتصميمات والرسوم المتحركة والهندسة الصوتية وغيرها يتآلفون ليكونوا فرق عمل متكاملة تقوم على إنتاج مشهد أو مقطع قصير قد لا يتجاوز الدقائق العشرة.

أقول:

إنه برغم كل هذا الذي سردته نرى الدعاة والعلماء والوعاظ لا يزالون في الغالب الأعم نمطيين وتقليديين في دعوتهم إلا قليلاً ممن حاول التقدم في استعمال التكنولوجيا الحديثة والتقنيات المتطورة في إطار من المنهج المنضبط بضوابط الشرع.

أضرب مثلاً للتوضيح:

شاهدتُ بعض المقاطع المنتشرة على قنوات اليوتيوب عبر الإنترنت وهي مقاطع رسوم متحركة لا يستغرق المقطع منها أكثر من 10 دقائق في أطولها وغالباً ما تكون أقصر من هذا بكثير.

رأيتُ بعض هذه المقاطع وكيف أتقنها منتجوها بحيث تجذب أعداداً كثيفة جدا وتُسجِّل أرقاماً مليونية من المشاهدات وتستولي على اهتمامات المشاهدين ويظهر هذا في كم التعليقات وكثافة انتشار المقاطع على المواقع والمنتديات. الأمر الذي يُعطي دلالة ولو بقدر ما على أنها تؤثر في المشاهد فتزرع في نفسه فكرة يريدون زرعها، أو تروّج لاتجاه يريدون الترويج له، أو تثبط عزائمهم عن اتخاذ قرار ما بحيث يقل عدد المتوجهين إلى اتخاذه. ولعل الثورات العربية لهيَ أكبر دليل على مدى تأثير هذه الأعمال في نفوس وعقول وتوجهات الناس، لاسيما الشباب والأطفال أيضاً ما كان من مراحل الانتخابات البرلمانية هنا في مصر وهناك في تونس وبعدها في ليبيا، وأيضاً انتخابات الرئاسة وكيف تم توجيه الناس أو قطاع عريض منهم إلى اختيار مرشح بعينه أو رفضه.

والحقُّ أنني حين أُشاهد مثل هذه المقاطع؛ فإنني رغم انتقادي لكثير من أفكار صانعيها واعتراضي على منهجهم والمفاهيم التي يُروِّجون لها، إلا أنني أُقرُّ بأنهم قد أحسنوا وأجادوا في عرض قضيتهم بسهولة الأسلوب، وبساطة الكلمات واعتمادها على السخرية والتهكُّم والنكتة اللطيفة والفكرة الفلسفية العميقة، وعبر مقاطع رسوم متحركة تعمل على نشر فكرة، أو مقاومة فكرة ومناقشة واقع، وتحفيز الجمهور على اتخاذ موقف أو قرار معين كما بيّنا.

هذه المقاطع ينتجها أشخاص مبدعون وإن كانوا على غير الطريقة التي ينتهجها الإسلاميون -كما يحلوا للإعلام أن يطلق على أتباع وأبناء التيارات الدينية الإسلامية- وعلى الرغم من أنهم ليسوا على الطريقة كما هو ظاهر من خلال نوعية الأعمال وطبيعة الأفكار وتوجهاتها والرسائل التي توجهها عبر هذه المقاطع والموسيقى التي تتخلل هذا كله إلا أنهم بحق مبدعون ولو كانوا عصاة ولو كانوا منحرفين فكرياً أو بعيدين دينياً عن جادة الصواب.

حتى إنهم أحدثوا أثراً عظيماً في نفوس المتابعين بل وتناقلت المواقع المختلفة والصحف والجرائد هذه المقاطع وأصبحت مادة خصبة للقنوات الفضائية ومنها القنوات الدينية بين تحليل ونقد ورد وإشادة وتحية واحتفال واحتفاء.

أقر لهم بالإجادة والعبقرية في استغلال المواهب الشخصية والتقنيات الحديثة وإن اختلفت معهم في كثير من أفكارهم التي ربما تتجاوز حدود النقد الموضوعي الساخر أو الهجوم الفكري الصاخب إلى حد الفسق والفجور في أسلوب وطريقة العرض والتأليف والأداء والإنتاج بل ربما تصل بهم إلى حد الابتداع أو حتى السحرية من مسلمات شرعية وثوابت دينية قد تؤدي بمن يعتقدها إلى حد الكفر رأساً، إلا أنهم قد استطاعوا ببساطة وسهولة الترويج لأفكارهم وإن كنت أنتقدها عليهم.

وهذا كله بلا شك قد أحدث طفرات فكرية وثقافية ومنهجية وعقدية منها المقبول وهو قليل وأكثرها المرفوض من الناحية الشريعة والأخلاقية أعني.

و هذا التقدم جعل من أيسر اليسر وأسهل السهولة أن يصور من شاء ما شاء ويرفعه على اليوتيوب وغيره من المواقع المنتشرة على النت فيراه العالم أجمع ويشاهده الملايين من الشباب والبنات والرجال والنساء الذين أصبح النت بالنسبة لهم أمراً حياتياً لا غنى عنه ولا بديل.

ونفس الأمر وبنفس القدر وربما أكثر فيما يتعلق بالأعمال الدرامية والفنية من أفلام ومسلسلات وأغنيات وفيديو كليب وبرامج توك شو حيث يزداد الأمر شدة وبلاءً ونحن نرى ونسمع كيف تنفق الملايين المملينة على هذه السيناريوهات والقصص والروايات والأغنيات لتنتج لنا كماً هائلاً ومتنوعاً من الأعمال الدرامية والرومانسية وبرامج "التوك شو" والأفلام الجذابة التي تتناول وقعاً مراً وتبرز حقيقة قاسية وتنزل بأذوا الناس بانحدار بل انهيار يؤدي إلى مزيد من التفكك الأسري والتفسُّخ الخلق والتشرذم المجتمعي دون أن يُدرك المتابع لها هذا التحول والتدهور، فتنقل المعاني المراد تأصيلها وتحمل الرسائل المقصود توصيلها وترسخ العقائد المبتغى تثبيتها بطريقة سهلة وميسورة مباشرة وغير مباشرة في سياق درامي أو مسرحي أو ضاحك "كوميدي" أو ساخر هزلي أو حتى كاريكاتوري ولا يُنكِر أحد من العقلاء أن لهذه الأعمال بالغ الأثر وعظيم الوقع والضرر في النفوس فترى معدلات الجرائم قد ارتفعت وتفشت والأخلاقيات قد تردّت من علٍ هذا بخلاف ما يترسخ في أذهان المتفرجين من مبادئ وعقائد ومفاهيم لا تتفق وطبيعة المجتمع فضلاً عن دينه.

ولا يفوتني أن أتكلم عن مواقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك والتويتر" والتي تُعدّ مجالاً فسيحاً وتربة خصبة جداً للتواصل وتبادل المعلومات والأفكار والثقافات والبوسترات والصور المركبة التي تعمل على التأثير على العقول والتوجهات بحيث لم يعد لبُعِد المسافات واختلاف الجنسيات من أثر على أصل المعاملة في الغالب.

كما أنه وبالإضافة إلى ما ذُكِر سرداً سريعاً لو اعتبر ما يدور عبر غرف الشات والغرف الصوتية على مختلف البرامج الإنترنتية كالبالتوك والأنسبيك وغيرها؛ والتي يُديرها ويرعاها أفراد لهم توجهات ومؤسسات لها سياسات وبالطبع يتطلب إنشاء الغرف والمواقع هذه قدراً من النفقات والأموال لاستمرار عملها وتطور أساليبها وتقنياتها، وهو الأمر الذي لا يتوافر بشكل مناسب للتيارات الدينية الإسلامية التي تنتهج العلم الشرعي وتعمل على نشره والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

فإذا ما جمعت كل ما سبق مع كونه قد ذكر مختصراً جداً؛ وأردتَ أن تعقد المقارنة بين هذه السهام المتكاثرة والبليّات المتناثرة والهجمات المحمومة المتواترة التي لم تَعد مقتصرة على الحلال والحرام، ولا الطعن في الأحكام الفرعية؛ وإنما تعدت وتجاوزت المدى لتضرب في صلب العقيدة وتنقض أساس الإيمان الذي هو في الحقيقة إيمان هشٌّ ضعيف مهترئ ليس لسبب إلا لجهل صاحبه بالحق الذي يؤمن به والعقيدة التي يجب عليه التمسُّك بها.

وما كان هذا الجهل إلا نتاج التجهيل المتعمد المتتابع المتراكم الذي كان يمارسه ويدعمه النظام البائد الحالي الذي وإن كان قد اختفى ظاهرياً إلا أنه لا يزال يحكم باطنياً من خلال ما يُسمّى "الدولة العميقة "، مستخدماً ساحره المتمرِّس وخادمه المتميز وشيطانه المخضرّم "الإعلام" بمختلف وشتى وسائله وكل طاقاته وقدراته ومواهبه.

إضافة إلى تراجع دور الأزهر بل ضعفه الشديد حتى صار هزيلاً مهيضاً لا يقوى على شيء ولا يحرك ساكناً و يسكن متحركاً إلا وفق ما تُمليه علي السياسة الحاكمة.

وبقيت الأوقاف بأئمتها ودعاتها في بعد ومنأى عن هذا الدور عمداً أيضاً بل أمراً من الجهات الأمنية التي كانت تترصد دعاتها فلا يتم تعيين إلا من كان موالياً للنظام أو مستأنساً حتى إذا ظهر إمام ونبغ وعارض وجهر فإنه بالإضافة إلى شدة فقره وقلة موارده التي يحتاجها ليتقدم ويقدم لدعوته شيئاً يليق بها وبواقع أُمّتِه فإنه أيضاً يُحوَّل إلى وظيفة إدارية أو يُعتقل وينتهي أمره.

ربما يظن البعض أني سوَّدت الصورة ورسمت الكآبة على جبين الواقع وأنه أقل خطورة من ذلك بكثير.

لكن لعل القارئ الكريم إذا تمهل وتأمل في بعض الأمثلة التي سأذكرها الآن لعله يوافقني بعض الموافقة إن لم تكن موافقة تامة.

فمثلاً ترى الأفلام التي تُنتجها الشركات والأفراد تتناول كلماتٌ تخالف العقيدة كالترويج لعقيدة التثليث ويحيى الهلال مع الصليب والوحدة الوطنية ونحوها.

وتضرب في صلب الشريعة كالحب بين المسلمة والنصراني ورفض التعدد وتقبيح وتجريم النقاب والحجاب والختان ورفض الجهاد وتصويره على أنه اعتداء وافتراء وإجرام..

وتمر هذه وتلك مرور الكرام دون أدنى مساءلة بحجة أنه إبداع وأن الإبداع لا يفهمه وبالتالي لا يحكم عليه ولا يقيِّمه إلا أهل الفن والإبداع" إدي العيش لخبازه".

أيضاً فإن هذه الأعمال الفنية من أفلام ومسلسلات وأغنيات تعتمد في إنتاجها في الأغلب الأعم على بساطة الكلمات، واقترابها من الجمهور العريض وعلى سرعة الحركة وقصر وَوسائل التشويق وعوامل الجذب والإثارة، وتبقى مهارة الممثل والمغني والمخرج، وفريق العمل في إبراز المعاني وتوصيلها فيُحسن القبيح ويُقبّح الحسن ويذم المحسن ويمدح المُسيء، ويتحول الجاني المُجرِم إلى بطلٍ يتعاطف الجمهور معه، ويتحوّل المجني عليه أو المحافظ على مبادئه ومعتقداته إلى متشدِّد مُتخلِّف رجعي...

وحتى لو قام بعض المحتسبين برفع دعاوى لمنع عرض فيلم أو مسلسل أو سحب كتاب أو غلق صحيفة لتعرضها لشيءٍ من الثوابت، أو القطعيات فإن هذا إن اعتبر أصلاً إلا أنه يستغرق وقتاً طويلاً وزمناً وقد ينتج وقد لا ينتج أثره المرجو منه، مع ملاحظة أن الإعلام بمجرد تسرب خبر التقاضي والاعتراض والامتعاض فإنه يقوم بهجمات محمومة مضادة وتصدر البيانات وتجرى اللقاءات والحوارات وتصدر التصريحات في المؤتمرات الصحفية وتتجمهر العشرات وربما المئات لرفض القمع وتشدد وحبس الحريات ومناهضة التكفير وحرية الإبداع..

هذه المقاطع وغيرها من برامج "التوك شو" والأفلام السينمائية انتشرت في الآونة الأخيرة وهي كما بينت سابقاً ترسخ لقبول الفاحشة وتبرر للمعصية وأهلها وتروج للمخدرات والخمور وللعلاقات المحرمة بين الرجال والنساء بحيث تظهر الزنا حباً والاختلاط أخوة والبلطجة رجولة وبطولية.

كما أنها تسخر من أهل الدين الإسلامي ولم نجد مرة واحدة مشهداً يتناول القساوسة، أو رجال الدين المسيحي أو اليهودي أو غير المسلمين أياً كان معتقدهم؛ لم نجد مشهداً واحداً ولا كاريكاتوراً ولم نسمع نكتة عن هؤلاء في الوقت الذي صنعت الأفلام وكتبت الأقلام ورسمت ريشة الرسام، وشخص الممثل والفنان صورة الشيخ والداعية والمنتقبة أقبح وأبشع تشخيص فتؤسِّس لعقائد فاسدة وتنفِّر من الدين الحق عن طريق إبراز أبنائه في صورة المنافق أو المتشدِّد المتجاوز الحدّ بينما تمهِّد لقبو الكفر ونشر الفسق والفُجور.

ليزداد امتعاض الشارع من الدين وتزداد نسبة السخرية ويرتفع منسوب التهكم والكراهية.

ولتعرف مدى تأثير هذه الأعمال على المجتمع فلتنزل لتسمع الألفاظ التي أصبحت لغة حوار الشباب والأطفال، وأسلوب التفاهم بين أفراد المجتمع، وإن من كان منخرطاً في الدعوة على مدار أعوام طويلة متنقلاً بين المساجد والمناطق والقرى والمحافظات ومتعاملاً مع أشخاص من مختلف البيئات والمشارب، وعبر وسائل المواصلات والاطلاع على الأخبار والأحوال والأحداث والحوادث، فإنه لا ريب يجزم أن هذه الأعمال المسمة بالفنية إنما تنتمي إلى منظومة متكاملة بنيت على دراسات متعمقة للتعامل مع نفسيات المجتمعات والأفراد؛ بحيث تقدر على إيصال رسائلها بأبسط أسلوب وأيسر طريقة ومن أقصر طريق حتى يبدو أنهم نجحوا نجاحاً شديداً.

وإذا ما أردت دليلاً على هذا النجاح فلتقرأ الإحصائيات التي نشرتها بعض الصحف عن بعض أفلام عيد الأضحى مثلاً ومن قبله رمضان وكيف أن أكثر الأفلام والأعمال انتشاراً بين الناس وتحقيقاً لأعلى الإيرادات "5 مليون جنيه" أعلى فيلم بدأ عرضه يوم وقفة عيد الضحى يعني يوم الأربعاء الماضي فقط واستطاع أن يحقق أعلى إيرادات له بلغت "5 مليون جنيه".

هذا الفيلم كما نُشِرَ في الصحف يعتبر فيلما شعبياً يحكي قصة أحد البلطجية وعُتاةِ الإجرام وما يُحيط به من أحداثٍ ومواقفَ، وما يتعلق ببيئته من أخلاقيات وأساليب وأشخاص وأنماط حياة؛ مما يؤدي في النهاية إلى انتشار مثل هذه الأخلاقيات والسلوكيات وتفشي تلك الظواهر غير المحببة وغير المطيبة في أبناء الأمة.

ولا يخفى ما أحدثته مسرحية مدرسة المشاغبين من أثر على سلوك الطلاب، وهي مسرحية قديمة بالنظر إلى المسرحيات والأفلام والأغنيات الحديثة كاللمبي وصايع بحر وحين ميسرة وأخيراً فيلم العيد الذي حقق الملايين الخمسة في أقل من أربعة أيام "عبده موته" والذي يواجه الآن انتقادات حادة لما تضمّنه من أغنية ذكر فيها اسم السيدة فاطمة ريحانة النبي وابنيها الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن قبل هذا فقد انتشرت مقاطع من فيلم مأخوذ عن قصة ليوسف إدريس صورت الشيخ المعين من قبل الأوقاف في المسجد؛ ليقاوم الشيطان ويهدي من ضلوا من بني الإنسان فغلبته امرأة لعوب حتى خرج من الصلاة ليزني بها وترك الناس من خلفه ساجدين وهم في الأصل مخمورون مساطيل...!

فأي فكرة يريدون ترويجها بين الناس وهل كانوا قادرين على أن يستبدلوا القس بالشيخ؟

وختاماً فإنني أقول لأبناء التيار الإسلامي "كما يحلو للإعلام أن يطلق عليهم".

أيها الإسلاميون:

أبدعوا يرحمكم الله؛ طوِّروا من أساليب دعوتكم واخرجوا عن النمطية والجمود الحركي. تمسّكوا بالثوابت وتحرّكوا في المتغيرات. أنتجوا أفلاماً من الرسوم المتحركة قصيرة أو طويلة لا نساء ولا عُريٍ فيها ولا موسيقى ولا ابتذال ولا تسافل بألفاظ سُوقية. اعملوا على توصيل معتقدكم بكافة الوسائل المشروعة التي لا تمسّ الأصول ولا تناقض الثوابت.

لماذا لا نسمع عن حفلات يُقدّم فيها النشيد والقصة القصيرة والقصيدة الشعرية والمَلحمة وحتى المسرحية التي لتُجسِّد تاريخاً حميداً أو تنشُرَ خُلقاً حميداً أو تزرع سلوكاً قويماً؟

لماذا تظل غاية ومنتهى أمل الداعية أن يكون له مسجد يرتقي مِنبره أو يجلس على كرسيه أو مؤتمر دعوي برنامج فضائي يُلقي من خلاله محاضرة والناس في المساجد والبيوت والمؤتمرات يسمعون فقط؟ أخرجوا علومكم للناس في صورة مقبولة ميسورة. أبدعوا في حدود المنهج ووفق ضوابط المعتقد، أبدعوا حتى تلحقوا بالركب فالمسيرة طويلة والمعركة شرسة والمرحلة خطيرة والقضية عسيرة.

أعجبتني فكرة برنامج "ودِن واحدة" وتمنيت أن لو تكرّرت التجربة بإخراج برامج أكثر دقة وأعمق فكرة وتحولت الدعوة إلى مقاطع كمقاطع قناة خرابيش.

أعجبتني أفلام سلفيو كوستا وإن اختلفتُ معهم في أشياء؛ لكنها أفكار مُتطوِّرة تُحاول أن تُواكب العصر بقدر ما تَيسّر، وإن تطلّبت التقويم والتصويب والمتابعة العلمية والعقدية. لكنها كانت خطوة على الطريق إن هم التزموا المنهج ولم يَحيدوا عنه ولم يتنازلوا عن ثوابته.


ابن الأزهر ومحبه
الشيخ أبو أسماء الأزهري
كارم السيد حامد السروي
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية
[email protected]
 
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 10
  • 5
  • 3,229

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً