مرسي والجلباب الأمريكي

شريف عبد العزيز

هل ستخرج مصر فعلاً من الجلباب الأمريكي الذي عاشت فيه لسنوات طويلة؟
وهل العلاقات المصرية الأمريكية الوثيقة ستصمد أمام رياح التغيير الجديدة أم أن الأمر لا يُعد سوى مناورة ذكية من القيادة المصرية الجديدة لتخفيف الضغط الأمريكي المتوقع على النظام المصري ذي التوجه الإسلامي؟

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -


في أتون السباق الرئاسي المصري المُحتدم سُئل كلا المرشحين -مرسي ممثل التيار الإسلامي والثوري وشفيق ممثل الفلول ونظام مبارك- سؤالاً واحداً عن أول دولة سيزورها بعد توليه المنصب؟

فأجاب مرسي إجابة تكشف عن رؤية مستقبلية معدة سلفاً عن سياساته الخارجية، فقال: "السعودية لأداء العمرة".

وأجاب شفيق إجابة تكشف عن نيته الاستمرار على نهج مبارك، فقال: "بالقطع أمريكا للعلاقات الوثيقة بين البلدين".

وظنَّ الناس يومها أن مرسي يُداعب الناخب الإسلامي والثوري بهذا التوجه، وأنه حتى وإن زار السعودية أولاً فإنه حتماً ولابد سيزور أمريكا بعدها مباشرة، فإذا بمرسي يزور السعودية، ثم إثيوبيا، ثم السودان، ثم الصين ثم إيران، وسيخرج الأسبوع المقبل لجولة أوروبية تشمل النرويج وإيطاليا ودولاً أخرى، ولم يضع أمريكا على خريطة جولاته الخارجية، حتى اضطرت أمريكا نفسها لدعوته لزيارتها في 23 سبتمبر القادم، ما اعتبره كثير من المراقبين والمحلّلين ازدراءً سياسيّاً بالغاً للولايات المتحدة وبداية الخروج من التبعيّة المصرية المطلقة لأمريكا.

فهل ستخرج مصر فعلاً من الجلباب الأمريكي الذي عاشت فيه لسنوات طويلة؟

وهل العلاقات المصرية الأمريكية الوثيقة ستصمد أمام رياح التغيير الجديدة أم أن الأمر لا يُعد سوى مناورة ذكية من القيادة المصرية الجديدة لتخفيف الضغط الأمريكي المتوقع على النظام المصري ذي التوجه الإسلامي؟

العلاقات بين مصر وأمريكا بدأت منذ القرن التاسع عشر مع افتتاح أول قنصلية أمريكية في مصر سنة 1832، غير أن هذه العلاقات تأرجحت بين التعاون والخلاف عبر المراحل الزمنية المختلفة، حتى وصلت لحد القطيعة عام 1967م، حين اتخذت مصر قراراً بقطع العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة، ثم بدأت في التحسن مع السنوات الأخيرة من حكم السادات وخصوصاً بعد أن وافق من حيث المبدأ على منح الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في رأس بناس وبدأ يُفصح علناً عن رغبته في أن تصبح مصر عضواً في حلف شمال الأطلنطي.

العلاقات بين مصر وأمريكا تدرّجت على شتى المجالات ولأعلى المستويات، ومن أبرز هذه المجالات:

المجال العسكري، فقد بدأت العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1976م، وما لبثت أن تطورت حتى أصبحت مصر تحتل المركز الثاني في قائمة الدول التي تتلقى معونات عسكرية أمريكية بعد التوصل إلى اتفاق بين البلدين يتم بمقتضاه تنفيذ خطة تطوير القوات المسلحة المصرية، كبند من بنود اتفاقية كامب ديفيد سيئة السُّمعة، والذي أصبحت مصر بموجبه من بين الدول التي تستطيع الحصول على قروض أمريكية لشراء سلاح أمريكي، وهي القروض المعروفة باسم قروض المبيعات العسكرية الأجنبية.

وقد أخذ التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة عِدّة صور تتمثل في مبيعات السلاح، ونقل التكنولوجيا العسكرية، والمناورات والتدريبات العسكرية المشتركة، وتأتي معظم مبيعات السلاح من خلال المعونات العسكرية السنوية والتي تبلغ نحو 1.2 مليار دولار، وشمل التعاون العسكري أيضاً تصنيع وتجميع بعض الأسلحة الأمريكية في مصر، وهذا المجال تحديداً هو الذي كان وسيلة الضغط الدائمة لأمريكا على مصر، والتلويح الدوري بقطع هذه المساعدات العسكرية كان بمثابة الهاجس المصري الذي ولد حساسية مفرطة في التعامل مع أي انتقادات أمريكية لأي ملف من ملفات مصر الداخلية.

وغير العلاقات العسكرية كانت هناك علاقات ثقافية واقتصادية وسياسية على مستويات شتى، تستخدمها أمريكا كلها من أجل الغرض الأساسي الذي أقامت من أجله العلاقات مع مصر في الأصل، وهو الحفاظ على أمن واستقرار الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين.

فأمريكا قد بنت علاقتها الاستراتيجية مع مصر على أساس وجود طرف ثالث وشريك أساسي في المعادلة وهي "إسرائيل"، فمنذ أن أعلن السادات أن 99% من أوراق لعبة الصراع الإقليمي في يد أمريكا، برزت "إسرائيل" كطرفٍ ثالث ربما كان هو المحدد الرئيس بل الوحيد في مستوى العلاقات بين الدولتين، ولقد أعطى هذا الوضع المعوج ثقلاً وأفضلية لـ"إسرائيل" على حساب مصر التي سرعان ما أدركت أنها الطرف الأضعف في تلك العلاقة الثلاثية بالغة الخطورة على مواقفها، وأن بقاء الرئيس في منصبه مرتبطاً بالرضى الأمريكي و"الإسرائيلي"، ومن ثم قرر الرئيس المخلوع مبارك أن يسير على الدرب نفسه مفتقراً لخبرة ودهاء السادات، وببلادة معروفة وفّرت عليه عناء التفكير في كيفية مواجهة الضغوط والمطالب الأمريكية التي لا تنتهي، وبنى استراتيجية بقائه في الحكم على السير في الركب الأمريكي والارتهان بسياساته واستراتيجياته وتوجهاته في المنطقة والعالم بأسره، والرضى بأقل الأدوار ولو كموضع قدم أو حذاء ينتعل كما وصفته نصّاً وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون في تصريح لها في أبريل الماضي، مما أوجد حالة من السخط الشعبي العارم ضد هذه السياسات الخانعة، وجهر المصريون بعمالة مبارك للأمريكان، ولم يُصدقوا مسرحياته الهزليّة المصطنعة بأنه على خلاف مع أمريكا.

ظلت العلاقات الأمريكية المصرية تسير على نهج السيد المُطاع والعبد الذليل حتى وقع الزلزال الذي لم يكن يتوقعه أحد، ووقعت ثورة 25 يناير المجيدة، وأطيح بأكبر عملاء أمريكا في المنطقة، وفجأة وجدت أمريكا نفسها بلا حليف رئيس في هذه البقعة الخطيرة من العالم، فوقعت في مأزق حرج، فأمريكا قد صاغت علاقتها الخاصة مع مصر بجميع مكوناتها من تعاون عسكري واقتصادي واستراتيجي في سياق سياسي ضيق ينتهي عند حدود قصر الرئاسة، وهذا المكون قد تبدل على نحو جذري وتراجيدي، من ثم أنتج اختلالات في العلاقة بين الدولتين، تحاول أمريكا حتى الآن علاجها وتلافي آثارها المتوقعة، لذلك ومنذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في يونيو الماضي، تكثف واشنطن مناوراتها وتحركاتها واتصالاتها في محاولة للحفاظ على هذه العلاقة الخاصة بين البلدين -كما كان عليه الوضع سابقاً- فكانت أول زيارة لمسئول أمريكي لبانيتا وهو أكبر مسئول أمني ومخابراتي في أمريكا كلها، فوجد أن الأوضاع الجديدة في مصر لن تسير على هوى الأمريكان على الأقل في شِقها العسكري، فأتبعت بانيتا كلينتون لتلافي آثار الزيارة الأمنية، فلم تجد عند مرسي ما يكشف عن نواياه تجاه العلاقة الخاصة!

ولاشك أن الإطاحة بطنطاوي وعنان وإعادة تشكيل القيادات العسكرية، وتحيّيد المجلس العسكري، كان من أكبر الأسباب في فتح الطريق أمام القيادة المصرية الجديدة للتعامل مع أمريكا بحريّة وقدرة أكبر على الاختيار والمناورة، فالقيادة العسكرية كانت من أوثق حلفاء أمريكا داخل منظومة الحكم في مصر بسبب العلاقات العسكرية، ورغم التوترات المكتومة منذ قضية التمويل الأجنبي واحتجاز العديد من الأمريكان على ذمّة هذه القضية، إلا أن الأمريكان دائماً ما كانوا يحتفظون بعلاقات وصلات متينّة مع قادة العسكر ويفضلون التعامل معهم عن التعامل مع القوى المدنية في المجتمع.

ومن ثم فقد أتيح لمرسي فرصة كبرى للتخلص من قبضة أمريكا الضاغطة، التعامل معها بمُنطلق الدولة المستقلة ذات السيادة، فاستغلها أيما استغلال، وقرر اتخاذ العديد من القرارات والخطوات ما يخرج بها من الجلباب الأمريكي شديد الضيق، وفي هذا السياق جاءت زيارة مرسي الأخيرة إلى الصين وعقد صفقات تجارية واقتصادية كبيرة كفيلة بأن تعطي قبلة حياة للاقتصاد المصري المتهاوي، وتفتح الطريق أمام بدائل أخرى لتسليح الجيش المصري، لتكون بمثابة جرس إنذار شديد اللهجة للأمريكان، بأن للمصريين قيادة جديدة واختيارات جديدة، وأن المصريين لن يواصلوا السير على نهج مبارك وعلاقاته الخاصة مع أمريكا، ومن ثم قرّرت أمريكا أن تفعل كل ما في وسعها من أجل إبقاء مصر في الحضن الأمريكي.

وفي هذا السياق تستعد الحكومة الأميركية لإلغاء مليار دولار من الديون المصرية، التي تبلغ قيمتها 3 مليار دولار. كما أيدت مصر في مفاوضتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قدره 4.8 مليار دولار، ثم أرسل البيت الأبيض وفداً من حوالي 50 من رجال الأعمال الأمريكيين البارزين إلى مصر يترأسه الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة جولدمان ساكس، ويضم ممثلين لشركات بوينج وجنرال ليكتريك وجوجل وسيتى جروب، كما قام الأمريكان بتوفير فرص تمويل بتقديم 375 مليون دولار في تمويل هيئة أوفيرسيز الاستثمارية الأمريكية الخاصة، وهي وكالة حكومية لتطوير التمويل لتوفير ضمانات القروض الصغيرة والمتوسطة لرجال الأعمال، إلى جانب تقديم 60 مليون دولار للمساعدة في تأسيس مثل هذه الشركات من خلال صندوق التمويل المصري الأمريكي.

وحتى تُمَّوه أمريكا على هدفها الأصلي من هذه المساعدات، فقد أعلنت أن الهدف الرسمي من هذه المساعدات الاقتصادية هو "تعزيز التحول الديمقراطي"، ولكن في الواقع أن أمريكا تحاول استدراك الوقت الذي ضاع منهما منذ سقوط الرئيس حسني مبارك في فبراير 2011م، بين التردد والتواطؤ والحسابات الضيقة، مما مهّد الطريق لارتباطات جديدة للمصريين مع الشرق عموماً ومع الصين الخصم الاقتصادي والتجاري العنيد لأمريكا.

والواقع أن مرسي لن يُجازف بعلاقة مصر الاستراتيجية مع الأمريكان -على الأقل في هذه المرحلة-، فهو يعلم أن الأمريكان مازالوا يحتفظون بمفاتيح كثير من الملفات والمفاصل الحيوية في المنطقة، وعلاقاتهم الاستخباراتية متغلغلة داخل مصر وخارجها، ولن يكون من المفيد الدخول في صراعات بلا طائل، ومن ثم كانت السياسة المصرية الجديدة التي ترتكز على استعادة مصر لدورها الريادي والاستراتيجي كواحدة من أهم وأكبر دول المنطقة، والخروج من التبعيّة الأمريكية التي جلبت لمصر العار والويلات وقزمتها وألقتها حبيسة حدودها مكتفية بدور حارس البوابة الغربية للكيان الصهيوني وسجَّان الفلسطينيين في غزة، ومصر في الأساس تحتاج إلى أمريكا من أجل نهضتها الاقتصادية المتوقعة، وقد رصدت الدوائر الأمريكية الشغف المصري الكبير بالنمو الاقتصادي، ومن ثم قرر الأمريكان إعادة تشكيل علاقتها مع المصريين وصياغتها على أسس جديدة، تستبدل فيها الأطر الاقتصادية بدلاً من العسكرية، لذلك كان على الإدارة المصرية مراقبة التوجهات الأمريكية جيدًّاً والحذر من الشرك الأمريكي الجديد، فالمصريون لن يقبلوا أبداً بعودة الوصاية الأمريكية مرة أخرى، ولو كان المقابل الأموال والمساعدات الاقتصادية والترف.