فقه وقضية تولي المرأة القضاء

منذ 2013-06-07

توجد هذه القضية في أبواب الفقه الإسلامي في باب شروط القاضي، شرط الذكورية، هل يشترط أن يكون القاضي رجلاً؟ أم يجوز أن تلي القضاء امرأة؟


توجد هذه القضية في أبواب الفقه الإسلامي في باب شروط القاضي، شرط الذكورية، هل يشترط أن يكون القاضي رجلاً؟ أم يجوز أن تلي القضاء امرأة؟

والقضاء هو من أخطر المناصب الإسلامية وأعلاها وأسماها في النظام الإسلامي، وله أهمية كبرى بما يترتب عليه من حفظ حقوق الناس وصيانة الأنفس والأعراض والأموال، ومن ثم حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخوض فيه فقال صلى الله عليه وسلم: «من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين» (رواه ابن ماجة وصحّحه الألباني). ويوجد في سيرة سلفنا الصالح العديد من القصص كيف كانوا يمتنعون عن تولي القضاء. وكما بلغ من عناية الفقهاء بالقضاء أنهم فصلوا الكلام فيه وفي أبوابه واتفقوا في بعض هذه الشروط واختلفوا في البعض الآخر.

فمن الشروط المتفق على لزوم توافرها في القاضي: البلوغ، والعقل، والإسلام (إذا كان الخصوم كلهم من المسلمين أو بعضهم مسلماً، إما إذا كان الخصوم كلهم من غير المسلمين فاختلف بعض الفقهاء في شرط تولي غير المسلم القضاء بينهم).

ومن الشروط التي اختلفوا فيها: الحرية، والعدالة، والاجتهاد، والذكورة، وسلامة السمع والبصر والنطق، والخلاف قوي في بعضها وضعيف في البعض الأخر.

ونعرض الآن لشرط الذكورة في القاضي، وهو ليس من الخلاف الشديد، ولكن بسبب الظروف التي نعيشها الآن في مصر لاسيما في أواخر عصورنا الوسطى بعصر الطاغية ونجاحه ورعيته في تسييس القضاء وفوزهم بجعل المرأة قاضية بالضربة القاضية، استقطبت هذه القضية الاهتمام وسلطت الأضواء بشدة على الرأي المرجوح في الفقه بجواز تولي المرأة القضاء؛ بل تعدى الأمر إلى التأويل المفضوح في ظل ضغوط نفسية وفكرية وحملات من الداخل والخارج -لاسيما- في كل ما يتعلق بقضايا المرأة.

ونتعرض لهذه القضية من خلال رسالة ماجستير ماتعة تعرضت لكافة بنود هذه القضية وتفاصيلها بعنوان: (ولاية المرأة في الفقه الإسلامي لمؤلفها/ حافظ محمد أنور).

والحقيقة أن البحث وافٍ وتعرض لقضية ولاية المرأة عموماً، ويتكلم على ولاية المرأة العامة (الإمامة وشروطها، ويذكر أقوال الفقهاء في هذه المسألة والشبهات التي استند عليها من يدعي جواز تولي المرأة لها، ثم يتكلم عن ولاية الإمارة والوزارة والإمامة الصغرى كالأذان وصلاة الجماعة للرجال والنساء وأقوال العلماء فيها، ثم ينتقل إلى ولاية المرأة للقضاء والحسبة والإفتاء، وخلاف الفقهاء في كل هذا ومناقشة أمور كثيرة شاملة يتسع لها هذا البحث الماتع).

نتوقف في هذا البحث على حكم ولاية المرأة للقضاء.

اختلف الفقهاء في اشتراط الذكورة في القاضي، ومن ثم اختلفوا في تولي المرأة القضاء، ولهم في ذلك ثلاثة أراء:

الرأي الأول: المنع مطلقا -الجواز مطلقاً- الجواز فيما تجوز فيه شهادتها. الرأي الأول رأي الجمهور، المنع مطلقا وهو رأي جمهور الفقهاء، واشترطوا في أن يكون القاضي ذكرا، ولا يجوز أن تتولى المرأة القضاء مطلقا، ولو وليت قاضية أَثِم المُولي -الذي ولاها-، وتكون ولايتها باطلة وحكمها غير نافذ في جميع الأحكام. وهذا مذهب المالكية والحنابلة والشافعية وزفر من الحنفية وصاحب أبي حنيفة.

الرأي الثاني: الجواز مطلقاً، وهو مقصور فقط علي ابن حزم الأندلسي، ولم يشترط الذكورة في القاضي، وأجاز أن تتولى المرأة القضاء، وحُكي هذا الرأي عن ابن جرير الطبري (فلم يثبت بسند عنه لكنه حُكي عنه، وكلمة "حُكي عنه" فيه إشارة إلى ضعف هذا القول عنه، وبعض العلماء رأى عدم صحة هذا القول عن ابن جرير الطبري).

وقال في مواهب الخليل: "لعل كل ما نسب إلى هؤلاء الأعلام لم تصح نسبته إليهم لرسوخ أقدام القوم، وأن لهم اليد الطولى في العلم، وإلا فكيف يصح أن يقول مثل هؤلاء بجواز تولية المرأة القضاء في الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»" (رواه البخاري).

وأيضاً قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى -قاضي أشبيليه-: "ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تًولَّى المرأةُ قاضيةً، ولم يصح ذلك عنه، ولعله نًقِلَ عنه "أُسيءَ فهم كلامه كما أُسيءَ فهم كلام الإمام أبي حنيفة" كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ولا بأن يكتب لها منشور -قرار جمهوري بتعينها قاضية-، وإنما سبيل ذلك التحكيم -وهو عندما تكون الخصومة بين طرفين وبإرادتهما اختارا شخصاً ليحكم بينهما، والتحكيم ولاية خاصة، ويختلف عن القضاء، فالمحكم يعينه الخصمان والقاضي يعينه الإمام- فيؤدي كلامه أنه ما يمكن قوله على أنه نقل عن أبي حنيفة أو الطبري أنه ربما قصد التحكيم.

والحقيقة أن مذهب أبي حنيفة مظلوم في قضية تولي المرأة القضاء، والظلم يبدو في بعض الأوقات أنه متعمد للترويج لفكرة معينة، لأن أبا حنيفة لم يقل بأنه يصح أن تتولى المرأة القضاء، لكنه كان يناقش قضية أخرى وهي: لو وليت المرأة القضاء بالرغم من الحظر والمنع وأصبح أمراً واقعاً -كما في واقعنا الحالي- فأنه يقول في المذهب الحنفي بأنه: "يأثم موليها، وينفذ قضائها إذا وافق حكمها الشريعة، وهو في هذه الجزئية يخالف رأي الجمهور على سنده من عدم جواز تعطيل مصالح العامة". وبعض الناس حكموا بهذا عن أبي حنيفة بأنه يجيز بأن تتولى المرأة القضاء.

فيُروج عن أبي حنيفة وعن الطبري أنه يُجيز، ولم يثبت الجواز إلا عن ابن حزم، وابن حزم ما أكثر مخالفاته عن الجمهور وبالذات عندما يتفرد في رأيه وهناك مواقف عديدة له تفرد بها عن رأي الجمهور ومن أوضح ذلك ما قال به من عدم جواز التعويل عن القياس وإبطاله من الأساس. ولم يقل بهذا غيره من فقهاء جمهور المسلمين. ومعروف أن مذهبه الظاهرية يؤخذ بحذر شديد، فكون ابن حزم يخالف الجمهور فهذا ليس بجديد عليه، وليست أولى اجتهاداته الشاذة.

فمن خلال هذه الأرضية يتكلم القاضي بن العربي كلامه السابق.

ويؤيد كلام ابن العربي استعمال الفقهاء صيغة التمريض في نسبة هذا القول إلى الطبري، ولم يصرح ابن جرير الطبري بذلك في كتبه، فكل ذلك يشكك في صحة هذه النسبة إليه، وتشابه الأمر على البعض إذا نُسِب الأمر إلى الطبري بجواز تولي المرأة القضاء إلى شيخ الشافعية أبي الفرج النهرواني القاضي المعروف، كان يذهب إلى مذهب ابن جرير الطبري، والأصل أنه لم يقل بهذا القول، والذي حصل أنه وقعت المناظرة بينه وبين القاضي أبي بكر بن طيب المالكي وهو المشهور بابن الباقلاني، وأسلوب التناظر معروف في أنه في بعض الحالات يضع الإنسان نفسه موضع الخصم، ويضع الفروض والاحتمالات ثم يبني عليها، وهذا هو ما حدث بينهما في هذه المسألة، وكل منهما يذهب إلى عدم جواز تولي المرأة القضاء، ولكن ما حدث من لبس بسبب أن الشيخ ابن قرار كان ممثلاً لاتجاه الجواز.

الرأي الثالث: الجواز فيما يجوز فيه شهادتها، أي يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز لها فيه شهادتها، وبه قال الحنفية ما عدا زفر، وبه قال بعض المالكية، إلا أنه تجوز شهادة المرأة عند الحنفية في كل شيء غير الحدود والقصاص، أما من يجيزه من المالكية فهو يقصره على الأموال (شهادة المرأة تقبل في الأموال، وفيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة وعيب نساء باطن).

وقفة حول بيان رأي الحنفية في هذه المسألة، العلماء الذين نقلوا رأي الحنفية في هذه المسألة، نسبوا إليهم أنهم أجازوا تولية المرأة القضاء فيما تجوز فيه شهادتها، وبذلك خالفوا الجمهور الذين منعوا من ذلك مطلقاً، ومن الذين نقلوا مذهب الحنفية الأمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى فقال في الأحكام السلطانية، قال أبو حنيفة: "يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها". وقال ابن حجر في فتح الباري وعن أبي حنيفة: "تلي الحكم فيما يجوز فيه شهادة النساء". وقال ابن قدامة: "قال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود" وهكذا قال غيرهم.

فبيَّن هؤلاء العلماء أن الذكورة ليست شرطاً في القاضي عند الحنفية، وفهموا ذلك من بعض العبارات الواردة في كتب الحنفية، منها قول الكاساني: "وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة، لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي في الحدود والقصاص لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة" وكلام الكاساني هنا صريح في عدم اشتراط الذكورة. وقال الحسكفي: "وأهله أهل الشهادة" أي أهل القضاء كل من كان أهلاً للشهادة، فصلاحية القضاء تدور مع صلاحية الشهادة، والمرأة أهل للشهادة في غير حدٍّ وقوًد أي قصاص.


وقال ابن الهمام الإمام الجليل ويتميز الإمام ابن الهمام بالنسبة لفقهاء الأحناف بخصيصة يتفرد بها وهي أن كتابه (شرح فتح القدير) من أفضل كتب الأحناف من حيث الاعتماد على تخريج الأحاديث، فهو يهتم جداً بتخريج الأحاديث، فيقول: "وأما الذكورة فليست بشرط في القضاء إلا في القضاء في الحدود والدماء، فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما".

هذا الكلام من الأحناف جعل العلماء يفهمون أن الأحناف لا يشترطون الذكورة في منصب القضاء إلا في الحدود والقصاص، لكن علماء الأحناف أنكروا هذا الفهم لمذهبهم، ويرى المعاصرون منهم ويوضحون هذا اللبس لمذهبهم فيقولون: "إن المذهب الحنفي يوافق مذهب الجمهور في اشتراط الذكورة للقضاء ولا يخالفه، وعند الحنفية أيضاً لا يجوز للمرأة أن تتولى منصب القاضي ويأثم موليها حتى قال بعضهم كما حكى الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى في مجلة لواء الإسلام يقول: "انعقد الإجماع على إثم من يولي المرأة القضاء، فالخلاف بين الجمهور وبين الحنفية فيما لو وليت المرأة القضاء -أي كأمر واقع بالقوة وكما في حالنا المعاصر- فقضت قضاءً موافقاً للكتاب والسنة، فهل ينفذ حكمها أم لا؟ وهنا الخلاف بينهما، فالحنفية يرون نفاذ حكمها هنا فيما تجوز فيه شهادتها -أي في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص، مع إثم المولي-، فهذا ما يراه علماء الأحناف في العصر الحاضر، وأيدوا قولهم هذا فيما ورد في كتب الحنفية على إثم من يولي المرأة القضاء، فمثلاً قال الحسكفي في الدر المختار: "المرأة تقضي في غير حد وقود وإن إثم المولي لها لخبر البخاري «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وقال في مجمع الأنهر: "ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق لكونها من أهل الشهادة لكن يأثم المولي لها للحديث"، وقال ابن نجيم في الاستدلال: "لأنها أهل للشهادة في غيرها فكانت أهلاً للقضاء لكن يأثم المولي لها"، فهذه النصوص تدل على أن المرآة لا تتولى القضاء وإن وليت يأثم المولي لها، والإثم دليل على عدم مشروعيته، فهذه النصوص مقيدة لما جاء مطلقاً، فكل كلام في هذه المسألة جاء مطلقاً في كتب الحنفية يحمل على المقيد".

وشيخ المحققين الكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى يقول رداً على استدلال الجمهور بحديث: «لن يفلح قوماً ولوا أمرهم امرأة» على عدم جواز توليتها وعلى عدم نفاذ حمكها لو وليت ما نصه "والجواب أن غاية ما يفيده منع أن تستقضي وعدم حِله -أي لا يحل لها فعلاً أن تصبح قاضية-، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد بتوليتها أو حكمها خصمان فقضت قضاءً موافقا لدين الله أكان ينفذ أم لا؟ لم ينهض الدليل على نفيه بحد موافقته ما أنزل الله". إذن فهذا الكلام صريح في أن الحنفية يوافقون الجمهور بعدم حِل تولي المرأة القضاء، وإنما الخلاف بينهم وبين غيرهم في نفاذ الحكم بعد إثم توليتها فالحنفية يقولون بنفاذ الحكم في غير الحدود والقصاص، ويقول غيرهم من الجمهور بعدم النفاذ.

أيضاً من الأمور التي تؤكد أن هذا هو صحيح مذهب الحنفية، أن رئيس القضاة -قاض القضاة- كان في أكثر العصور حنفياً وبالذات في عصور الدولة العثمانية فيما بعدها، وكان إليه تقليد القضاء في جميع أنحاء البلاد الإسلامية، ولم يورد عنه قط تقليد امرأة، فلو كان ذلك جائزاً عند الحنفية ولا إثم فيه لوقع ولو مرة في تلك العصور المتطاولة. فجاز عند الحنفية القضاء في أحوال ولم يجوز التقليد (تعيينها قاضية). فالمقصود هو نفاذ حكمها لو وليت أو حكمها خصمان، وأن توليتها منصب القضاء أمراً غير مشروع ويأثم المولي لها.

أيضاً فرق الأحناف بين أمرين، بين القضاء وبين التولية، وقسموا المسألة بينهما، قسم القضاء والحكم في جانب، والتولية والتقليد في جانب آخر، فأجازوا أن تقضي لكن لم يجيزوا التولية والتقليد، فلا يلزم من جوَّز القضاء جواز التولية.

أيضاً جعلوا الذكورة شرط جواز لا صحة، وهذا فرق بينهم وبين الجمهور والذين يجعلون الذكورة شرط جواز وصحة، بينما قصرها الأحناف -ما عدا زفر- على شرط الجواز فقط دون الصحة، فعندهم لو قضت في أحوال معينة -أي في غير حد وقود- يصح حكمها. وبهذا وافق الأحناف الجمهور في منع المرأة من تولية القضاء، لكن خالفوهم في نفاذ حكمها لو وليت -وقضت في غير الحدود والقصاص، مع إثم المولي-.
ونعرض الآن للأدلة، أدلة الأقوال الثلاثة:

القول الأول: بمنع المرأة أن تتولى القضاء مطلقاً رأي الجمهور، استدلوا على ذلك بجملة من الأدلة من الكتاب والسنة والأجماع والقياس والعقل كما يلي:

أولاً من الكتاب: قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء من الآية:26].

فهذه الآية الكريمة تفيد حصر القوامة في الرجال، لأن المبتدأ المعرف بلام الجنس منحصر في خبره بمقتضى قواعد اللغة العربية، إلا أنه هنا حصر إضافي، أي قوامون بالنسبة للنساء. أي أن القوامة تكون للرجال على النساء وليس العكس، فالرجل قيم على المرأة بمعني أنه رئيسها وكبيرها والحاكم عليها، وهذه القوامة حصلت بتفضيل الله له عليها من عدة جوانب، فهو يقوم بالذب عنها، وتدبير شئونها، لما أعطاه الله من زيادة عقل وقوة رأي وصبر على المشاق التي لا تتحملها المرأة، وهو ينفق عليها بما تحتاجه من النفقة والكسوة والمسكن، كما خص الله سبحانه وتعالى الرجال بالنبوة والخلافة وكذلك القضاء، وجاء بصيغة المبالغة {قَوَّامُونَ} ليدل على أصالتهم في هذا الأمر، وهذا يستلزم عدم جواز ولاية المرأة وعدم صحتها وإلا لكانت القوامة للنساء على الرجال وهو عكس ما تفيده الآية الكريمة.

رد الفريق المخالف:

لهذا الاستدلال يقول: الرجال قوامون على النساء فهذا في شئون الأسرة وبيت الزوجية فحسب، وأن المراد ولاية التأديب للزوجة وليس جميع الولايات العامة.

ويُرَد عليهم في ذلك: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلفظ الآية عام بالقوامة عليهن في كل الأمور إلا ما دل الدليل على إخراجه من هذا العموم وهو الولايات الخاصة؛ ككونها وصية على أولادها أو ناظرة على وقف ونحو ذلك من الولايات الخاصة. أما الولاية العامة فالآية تفيد أنها لا تولى ولاية عامة. ومن جانب آخر؛ فإذا كانت المرأة بحاجة إلى قوام في بيت المرأة وشئون الأسرة الصغيرة، وهي عاجزة بذاتها عن إدارة شئون هذه الأسرة فهي أولى أن تكون أكثر عجزاً عن إدارة شئون الناس والفصل في خصوماتهم ومنازعاتهم وحل مشاكلهم.

الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة من الآية: 228].
منح الله تعالى الرجال درجة زائدة على النساء، فإذا تولت المرأة منصب القضاء فإن ذلك ينافي تلك الدرجة التي أثبتتها الآية، لأن القاضي حين يفصل بين المتخاصمين لا يقدر على ذلك إلا بواسطة تلك الدرجة التي مُنحت له، فيكون بذلك قائما في مقام القضاء على غيره من الرجال والنساء.

رد المجيزون على هذا: بأن المقصود بالدرجة هنا قدرة الرجل على الإنفاق والجهاد ومنزلة العقل والقوة وزيادة الميراث.

والجواب عليهم: أن الله تعالى لمّا منح الرجل الدرجة على المرأة، وهي منزلة في العقل وقوة الرأي، وخص الله الرجل بأمور زائدة على المرأة، كان ذلك دليلاً على أن المرأة لا تكون حاكمة على الرجل وإلا كانت لها درجة عليه، فلا تصلح للقضاء.

ثانياً الأدلة من السنة:

استدلوا بحديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، قال، لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (رواه البخاري).

ووجه الاستدلال بهذا الحديث على عدم جواز تولي المرأة القضاء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بعدم فلاح من تولى عليهم امرأة، وهذا ضرر يجب اجتنابه واجتناب ما يؤدي إليه وهو تولية المرأة، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وليس بعد نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد، وهذا الخبر من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لا يتخلف، فعدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمور القوم، فهذا كما لو قلنا أنه منه صلى الله عليه وسلم خبر في معنى النهي، فالصيغة هنا جاءت بلفظ العموم (وَورودها بعد نفي، والمقصود أي ولاية)، أيضاً جاءت نكره «قوم»، كذلك هي لفظة أمر مضافة إلى معرفة فتشمل كل أمر، والقضاء أمر من أمور المسلمين العامة فيدخل في هذا الحديث وعليه لا يجوز أن تتولى المرأة القضاء.

يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: "فليس بعد نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد، ورأس الأمور هو القضاء بحكم الله عز وجل، فدخوله فيها -أي القضاء- دخولاً أولياً".

أيضاً؛ لجنة الفتوى في الأزهر الشريف، لها كلام طيب في هذه المسألة، فجاء في قرار لجنة الفتية: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقصد بهذا الحديث مجرد الأخبار عن عدم فلاح القوم الذين يولون المرأة أمرهم، لأن وظيفته صلى الله عليه وسلم بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسارة، فإنما يقصد بهذا الحديث نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمورهم، ولاشك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة، وهذا العموم تفيده صيغ الحديث وأسلوبه".

ورد المعارضون ممن يجيزون تولية المرأة القضاء على هذا: بأن الحديث المقصود به الإمامة العظمى، لأن السبب الذي ورد فيه الحديث كان تولية بنت كسرى للحكم والأمور العامة، فلا علاقة لهذا بالولايات الأخرى، وقالوا مستدلين بأن كلمة "أمرهم" المقصود بها الخلافة العظمى -أي رئاسة الدولة- وبذلك فإن الحديث لا يتعرض للقضاء.

والجواب على هذا الاعتراض" بأن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، وهذه قاعدة مستقرة عند الأصوليون، فالحديث متناول للقضاء كتناوله للإمامة العظمى.

أيضاً، أجمع الأصولييون على أن الحكم العام الواقع في أي قضية فهو واقع على كل فرد من أفراد هذا العام، فمثلاً لو أن شخص له أولاد خمسة، وقال، جاء أولادي، فقوله هذا يشمل كل فرد من أفراد هذا العام أي أولاده الخمسة، وعلى ذلك يكون الحديث في قوة قضايا بعدد ولايات الدولة العامة، فكأنه قال لن يفلح قوماً ولِّوا الخلافة والقضاء والوزارة امرأة، وهكذا إلى سائر الولايات العامة.

أما كون المراد بالأمر جميع شئون الدولة وهي لا تكون إلا في منصب الإمامة العظمى، فهذا خلافاً لما اتفقت عليه كلمة الأصوليين في دلالة العام. إذن الحديث لا يقيد بالخلافة أو الإمامة العظمى فقط، وإنما يشمل ولاة القضاء.

استدلوا من السنة أيضاً، بحديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار» (رواه بن ماجة)، وهنا الاستدلال بمفهوم كلمة رجل ولم يقل امرأة، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في تفصيل الثلاثة القضاة رجل ورجل ورجل، وفي هذا دلالة على اشتراط الذكورة والقاضي لا يكون إلا رجلاً ذكراً، ومفهومه يدل على خروج المرأة من هذا المجال.

الدليل الثالث: الإجماع، استدلوا أيضاً بجانب الكتاب والسنة بالإجماع، قالوا انعقد الإجماع على منع المرأة من تولية القضاء ولا اعتبار لمن شذ، يقول الماوردي: "وشذ ابن جرير الطبري فجوِّز قضائها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع، ولهذا لم يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أحد من تابعيهم بإحسان أنهم ولوا امرأة قضاءً أو ولاية بلد فلو كان جائزاً لم يخلو جميع الزمان منه غالباً".

ويعترض الفريق المجيز على هذا الاستدلال بالإجماع: على سند من كلام الطبري وكلام بن حزم، وبعض من لا يحسن يمكن أن يقول وأيضاً بكلام أبي حنيفة، وأبو حنيفة سبق توضيح أنه موافق لرأي الجمهور، أما ابن حزم فلا يعتد بخلافه عند مخالفته للجمهور وهذا منه كثير جداً، بقي الإمام ابن جرير الطبري.

والجواب عن هذا الاعتراض: أن نسبة القول بجواز التولية إلى أمثال هؤلاء الأعلام لم تثبت، وصرح بعض الفقهاء بعدم جواز هذه النسبة كابن العربي والشنقيطي، والأحناف صرحوا بإثم من يولي المرأة القضاء.

وبفرض صحة هذه النسبة إليهم، فإن الإجماع كان منعقداً قبل حصول الخلاف فلا اعتداد برأي من قال بجواز التولية بعد انقراض عصر المجمعين من غير دليل معتبر. والقول بجواز تولية المرأة القضاء يعتبر قولاً شاذاً مخالفاً لاتفاق الأئمة، وقرر علماء الأصول أن الفتاوى الشاذة لا تنقض الإجماع، كما تقرر انعقاد الإجماع على تحريم نكاح المتعة مع أن ابن عباس رضي الله عنهما قال بجوازه.

الدليل الرابع: القياس والمعقول؛ قالوا، لا يصح القضاء من المرأة كما لا تصح منها الإمامة العظمى، لأن كلا منهما ولاية، فالمرأة لا تتولى الإمامة الكبرى لمكان أنوثتها ولنقصان عقلها وضعف رأيها، وكذلك لا يجوز أن تتولى القضاء لنفس العلة.

نوقش هذا الدليل بأن الإمامة العظمى تخالف القضاء، لأن فيها من المهام ما يزيد شأنه على القضاء، ولذلك لا يلزم المنع عن الإمامة العظمى المنع عن تولي القضاء.

ويجيب عن هذا بأنه: لا فرق بين الإمامة العظمى وبين القضاء في مناط الحكم وهو الأنوثة، وكل منهما ولاية عامة، وفي كل منهما من المهام ما لا تتحمله المرأة ويخالف طبيعة المرأة من البروز والاختلاط ونحو ذلك، كما أن السبب في بطلان تولية المرأة القضاء أنوثتها، وهي مناط الحكم، ويقول العلماء إذا كانت المرأة بسبب الأنوثة تمنع من إمامة الصلوات مع أنه يجوز أن يؤم القوم إمام فاسق، لأنه من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، فلما منعها نقض الأنوثة من إمامة الصلوات مع جواز إمامة الفاسق، كان المنع من القضاء الذي لا يصح من الفاسق أولى، لأن الفاسق لا يصلح قاضياً مع أنه يصح لإمامة الصلوات.

وتقول لجنة الفتوى بالأزهر الشريف في هذا الموضوع بعدما ذكرت الاستدلال بالحديث، فتقول: "وهذا الحكم المستفاد من الحديث وهو منع المرأة من الولاية العامة ليس حكماً تعبدياً يقصد مجرد امتثاله دون أن تعلم حكمته، وإنما هو من الأحكام المعللة بمعاني واعتبارات لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان الرجل والمرأة، ذلك أن هذا الحكم لم يضف بشيء وراء الأنوثة التي جاءت كلمة امرأة في الحديث عنواناً لها، وإذن فالأنوثة وحدها هي العلة، فواضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها عدم العلم والمعرفة أو عدم الذكاء والفطنة، حتى يكون شيء من ذلك هو العلة، لأن الواقع يدل على أن للمرأة علماً وقدرةً على أن تتعلم أو تعلم كالرجل وعلى أن لها ذكاءً وفطنة كالرجل؛ بل قد تفوق إحداهن الرجل في العلم والذكاء والفهم، فلابد أن يكون الموجب لهذا الحكم شيئاً وراء ذلك كله، أن المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد تجعلها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة".(ولذلك نلاحظ أن الشرع لا يأخذ بشهادة المرأة في الحدود مثلاً فنتصور مثلاً لو شاهدت امرأة رجلاً يذبح آخر فماذا سيكون منها؟؟ فطبع انفعال المرأة لمثل هذه المواقف يحول دون ضبط ما تراه بخلاف الرجل).

وهي مع هذا تعرض لها عوارض طبيعية تتكرر لها في الأشهر والأعوام، من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية وتوهن عزيمتها في تكوين الرأي والتمسك به والقدرة على الكفاح والمقاومة في سبيله، وهذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها، بحيث أنها نفسياً وعاطفياً تتأثر وراعى الشرع الشريف هذا وحرّم الطلاق أثناء الحيض فالمرأة يتغير مزاجها وانفعالاتها؛ بحيث يمكن أن تستفز زوجها في تلك الفترة أو انفعالاتها تكون غير متزنة فبالتالي حرّم الشرع الشريف الطلاق حال الحيض وعدّه طلاقاً بدعياً، فهذا أيضاً ربط بالفطرة.

فلا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها. وهذا ليس ذم للمرأة؛ بل هو مدحها بفطرتها بأنها تستجيب للعاطفة بسهولة جداً، ومن أجل ذلك منع الشرع الشريف المرأة أن تزوج نفسها لسهولة خداعها، ووكّل ذلك الأمر للرجل وليِّها الشرعي. فهل نقول مع هذا الحكم بأن الشرع حجر عليها ويظلمها لأنها لا تزوج نفسها؟ معاذ الله، فالشرع يراعي فطرتها وحيائها وانعزالها عن مشاكل الحياة في الغالب في بيتها وبالتالي يمكن أن تخدع بسهولة، أو تُحكِّم العواطف فقط إلى آخره.

ولأن القضاء من أخطر المناصب، والقاضي يحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة والادراك التام بأمور الحياة وحيل الخصوم فالمرأة قليلة الضبط ومن أجل ذلك كانت شهادتها نصف شهادة الرجل: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة من الآية: 282]أي لو كان هناك ألف امرأة فلا يصح شهادتهم ولابد من وجود رجل معها أو معهن. أيضاً المرأة في مجال النقاش والخصام والمناظرة، قل أن تجد امرأة تقوى على ذلك، والقضاء أصلاً قائم على الخصام والمناظرة والإفحام وإقامة الحجج والمواجهات، يقول الله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18].

فغلبة العاطفة من طبيعتها، ومن المعلوم أن القاضي يحضره الخصوم من جميع الفئات ويأتون بحيل لا تخطر ببال -لاسيما في حالنا المعاصر- والمرأة لا تدرك أكثرها، وقد تغلب عاطفتها على الحق، وهي قليلة الخبرة، يؤيد ذلك كله الواقع العملي، حصلت فعلاً تجارب في بعض الدول العربية وعُينت المرأة قاضية لكنها فشلت فشلاً ذريعاً -في العراق- فتحت وزارة العدل في العراق أبواب القضاء أمام النساء النابغات، ولكن بعد تجربة خمس سنوات تبين فشل هذه التجربة فعزلت جميع هؤلاء النساء القاضيات، وأغلقت أمام المرأة أبواب المعهد العالي للقضاء لفشلهن في التجربة. رغم انتقاء النابغات وما أتيح لهن من فرص التعلم والتدريب واختيار نساء حصلن على درجات تفوق الرجال في المجال النظري.

كذلك السودان عندما فتحت مجال القضاء للنساء، اضطرت أن تنقلهن من المحكمة إلى المجال الفني في قسم البحوث. وذلك كله يدل على أن المرأة ليست أهلاً للقضاء. لا يعني هذا أن تُسلب المرأة أهليتها للولايات الخاصة، فلا يلزم من صلاحيتها للولايات الخاصة صلاحيتها للولايات العامة لاسيما القضاء؛ كما أن هذا ليس حطًا من منزلة المرأة؛ بل هو الكمال فيها، فالذي يناسب المرأة ويكون كمالاً فيها ليس بشرط أن يكون ما يناسب الرجل، فالمقاييس تختلف، فطبيعة المرأة بتغليب العاطفة والشفقة والرأفة إلى أخره، فهذا بالنسبة للمرأة كمال في حقها لكنه بالنسبة للرجل نقص.

أيضاً القاضي مُطالب بالحضور في محافل الرجال والاختلاط بالخصوم والشهود، وقد يحتاج إلى الخلوة بهم، والمرأة ممنوعة من الاختلاط بالرجال الأجانب والخلوة بهم لما في ذلك من خطر على كيان المرأة وعرضها، لأنه قد يفتن بها الخصوم أو الشهود بشكلها أو بصوتها أو نحو ذلك. أو العكس فتنشغل عن وظيفتها القضائية بما يؤدي إلى ضياع الحق.

والإسلام أكرمها وصان عرضها وحفظها من عبس العابسين فأمرها بلزوم بيتها وعدم خروجها منه إلا لحاجة. وتوليتها القضاء يؤدي إلى خروجها من البيت في أكثر الأوقات وهذا يخالف قواعد الشرع الشريف في صيانة المرأة والأسرة. بالإضافة إلى العوارض الطبيعية الخلقية والتي تطرأ عليها على مرّ الأيام والشهور والسنين من الحيض والنفاس والحمل والرضاع مما يوهن قوتها في التفكير والتدبير وغير ذلك كله من الفروق الطبيعية بين الذكر والأنثي.

فالشرع الشريف لما وزَّع الأدوار راعى طبيعة المرأة، فلم يوجب عليها صلاة الجماعة أو الخروج للجهاد أو صلاة الجمعة، لأنها ورائها مهمة، وليس معنى ذلك أن الشرع يحتقر المرأة، والعياذ بالله، وإنما راعى خلقة المرأة وهي مختلفة عن خلقة الرجل ولكل منهما ما يناسبه، فالله تعالى يقول: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران من الآية:36]، وهم يقولون؛ بل الذكر كالأنثي، بل يتطاول سفهائهم ومجرموهم بين الحين والأخر بالطعن في الشرع الشريف، والأساليب الخبيثة التي يستعملونها الآن فهم لا يطعنون مباشرة ولكن يجرئون الناس على إقصاء الشريعة الإسلامية كمرجعية، وتجد قلوبهم خلوا تماماً من الحرارة أو الحماس والولاء للإسلام ولله وللرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك ينبغي حين نتكلم في مثل هذه القضايا لأنه لابد أن نقرن كلامنا بالعبارات التي نعلن بها عن الولاء لله ولرسوله واعتزازنا بحكم الشريعة الإسلامية الشريفة في زمن الغربة، فهم أقصى ما يقولون الشريعة تقول كذا ويبدأوا يطعنون في تطاولهم، وينبغي في مثل هذا، بل في كل وقت، أن نتلفظ بالألفاظ التي تثبت تحاكمنا لهذه الشريعة واعتزازنا بها.

فنقول مثلاً، جاء الشرع الشريف بكذا، أو قال الشارع الحكيم عز وجل كذا، أو الحديث الشريف أو الآية الكريمة كذا، فلابد أن نقرن ما يُشعر بالتعظيم والتوقير لحكم الله تبارك وتعالى بخلاف ما يذهب إليه هؤلاء المجرمون الذين يدعون أنهم يذكرون الآراء والآراء المخالفة إلى أخره، لكن تصل رسالة مسممة للإيمان، وهي أن الشريعة ويحكى كرأي من الآراء، ونلاحظ هذا دائماً في القضايا التي تفتعل كما يكثر الكلام في قضية مضخمة بلا أي داعي، لكنهم يقصدون تجرئة الناس على الشرع الشريف، لأنهم يركزون في الكلام على الأخطار والأخطاء التي فيها إلى أخر هذا الكلام، وهو في جزء كبير منها صحيح والشرع نفسه يدينه، لكنهم يقصدون توصيل رسالة أخري، وهي تجرئة الناس على نقد الشريعة، فهو لا ينقدها بطريقة مباشرة، فمثلاً يعرض حديث يقول كذا ثم يبدأ كلام الأطباء والعلماء كذا وكذا وكأن الشرع الشريف في جانب والعلم في جانب أخر، أو نحو ذلك من أمور التمييع، تمييع أمور الدين والشرع الشريف، فهم يقبلون الشرع عندما يكون الشرع يمثل دور التبرير لانحرافاتهم، لكنهم غير مستعدين إلى أن يأتي الشرع حاكم على تصرفاتهم وعقائدهم، وطبعاً هذا مما يزيد الغربة في مثل هذا الزمان، حتى في مثل هذه القضية التي نناقشها الآن وهي قضية تولية المرأة القضاء، فهم يعتبروها من الإنجازات اقتداءاً بالغرب في مصائبهم كفصله الدين عن الحياة، بل بات كل من يريد أن يشتهر يخرج علينا بالتمرد على الدين الحنيف فيصبح هو المجدد والمصلح الاجتماعي والمفكر الكبير إلى آخره من عبارات نخبتهم المعاصرة.

فمثلاً الكاتبة الكبيرة (إقبال بركة) في كل مناسبة تنطق كالبوم بما يوحيه إليها إبليس، {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام من الآية:112]، ودائماً ما يتكلمون من وراء حجاب لكن هل يستطيعون مواجهة العلماء؟ فهم ينتقون بعض الناس ممن لا يحسنون الجواب، حتى لا تواجه بكلام العلماء الحقيقين لأنها أمامهم ستكون أحقر من طفل راقد في طفوليته، ويجدون من يصفق لهم بأغراض مختلفة، وفي هذه القضية يرون أن المرأة حققت إنجاز كبير ونصراً عظيماً من هذا الإسلام الظالم دون أن ينطقون بهذه الكلمة ولكن ينطقون بمعناها وفحوى كلامهم، وهو قصدهم بتجرئة الناس على الشرع وعلى إقصاء الشريعة الشريفة كمرجعية. فعقيدتنا أنه متى جاء حكم الله فلا نقول إلا سمعنا وأطعنا، أما أن نتهم الشرع الشريف ونتطاول عليه فهذا معلوم حكم من يفعل ذلك.

لجنة الفتوى بالأزهر الشريف تبين أن هذا الحكم بالذات ليس كحكم التيمم، وليس كحكم تقبيل الحجر الأسود في الطواف كأحكام تعبدية يقصد بها مجرد الامتثال، لكنها قالت: "بأنه حكم معلل وله علة واضحة وبالتالي يصلح أن يستدل به بالعقل وبالقياس، وأن العقل يعي عله هذا الحكم".

هذه خلاصة الكلام عن أدلة الفريق الأول (الجمهور) الذي يذهب إلى حظر تولي المرأة القضاء مطلقاً.

أما أدلة الفريق الثاني والذي يذهب إلى جواز تولي المرأة القضاء مطلقاً (ابن حزم فقط)، استدلوا بجملة من الأدلة منها،

أولاً: أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يقم دليل المنع، فكل من يصلح للفصل بين الناس يجوز حكمه وتصح ولايته للقضاء، والمرأة صالحة وقادرة على الفصل في الخصومة وليس بها مانع من ذلك، وأنوثتها لا تحول دون فهمها للحجج وإصدار الحكم.

ويُرِد عليهم: بأن دليل المنع موجود، وهو إخراج المرأة من أصل الإباحة، وهذا الدليل هو ما استقر عليه الجمهور من كتاب وسنة وإجماع وعقل كما ذكرنا آنفاً.

أيضاً المرأة لا يتأتى منها الفصل في الخصومات على وجه الكمال للنقصان الطبيعي ولانسياقها وراء العاطفة ولما يحصل لها من العوامل الطبيعية من حيض ونفاس وولادة ورضاع مما يوهن جسمها ويؤثر على متابعتها للحجج والبراهين وإصدار الحكم على الوجه الحق واللازم.

وقولهم بأنه يمكن الفصل في الخصومة من المرأة وأنها صالحة قادرة لذلك، فهذا منقوض بالإمامة العظمى، لأن المقصود منها حفظ الثغور وتدبير الأمور وغير ذلك من مهام الخلافة، والمرأة يمكن عقلاً أن تأتي بمثل هذه الأمور ومع ذلك انعقد الإجماع على عدم إسناد الإمامة العظمى إليها، وبذلك تكون العلة منقوضة إذ تخلف عنها الحكم في محل أخر وهو الإمامة العظمى، ومن ثَم لا يبقى إلا أن تكون الأنوثة وحدها هي مناط المنع في كل من الولايات العامة من الإمامة والقضاء وغيرها.

حكى أبو بكر بن العربي مناظرة في هذه المسألة بين القاض أبي بكر بن الطيب المالكي الباقلاني وبين أبي الفرج بن طرار البغدادي شيخ الشافعية البغدادي، وذلك في منزل السلطان الأعظم عضد الدولة على ما جرت به عادتهم في المناظرة من استخراج الأدلة والمران على الاستنباط وإن كانوا على وفاق في موضوع المناظرة: "إذ أن مذهب الشيخين هو عدم جواز ولاية المرأة القضاء، قال أبو الفرج بن طرار، الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها وسماع البينة عليها والفضل بين الخصوم فيها، وذلك يمكن من المرأة كإمكانه من الرجل، فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى، فإن الغرض منها حفظ الثغور وتدبير الأمور وقبض الخراج ورده على مستحقيه، وذلك كله يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل.

فقال له أبو الفرج: "هذا هو الأصل في الشرع إلا أن يقوم دليل على منعه".

فرد عليه القاضي أبو بكر: "لا نسلم أنه أصل الشرع".

علق ابن العربي على كلامهما فقال: "ليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء، فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس ولا تخالط الرجال ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرّم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجلة برزة -كبيرة في السن وتبرز للرجال- لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم وتكون مناظرة فيه لهم، ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقد".

هذا عن الدليل الأول للمجيزين -وهو الأصل الإباحة- ومناقشته والرد عليه.

الدليل الثاني لهم: استدلوا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته» (متفق عليه).

ووجه الاستدلال بهذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت للمرأة في بيت زوجها الرعاية والقيام على إدارته وتدبير شئونه العامة، والراع هو من يتولى رعاية غيره، والقضاء رعاية للغير، فيصح تولية المرأة القضاء وهي أهل لسائر الولايات.

الرد: هو كلام واضح ضعفه، لأن ولاية المرأة في بيتها هي ولاية خاصة، وكلمة راعية ملحقة ببيت زوجها المكان الأساسي لها، أما القضاء فهو ولاية عامة ورعاية عامة، فلا يصح إلحاق القضاء برعاية بيت الزوجية وقياس الولايات العامة على الولايات الخاصة.

الدليل الثالث بالقياس: قاسوا القضاء على الافتاء، فقالوا: أنه من الثابت أنه يجوز أن تكون المرأة مفتية، وبالتالي يجوز أن تكون قاضية قياساً على هذا، لأن القضاء والافتاء كلاهما إخبار بالحكم.

والجواب عليهم: بأن هذا قياس مع الفارق، فالقضاء اخبار عن حكم شرعي مع الإلزام، والإفتاء إخبار لا إلزام فيه، ونحن رأينا كثيراً من الصحابيات كن يمارسن الإفتاء وأشهرهن على الإطلاق السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وأم المؤمنين صفية وحفظة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهن، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، وأم الدرداء الكبرى، وعائشة بنت زيد، وجويرية وميمونة وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهن أجمعين.

فالشاهد أننا رأينا المرأة تصدّت للإفتاء لكن ما رأيناها تصدت للقضاء وعينت قاضية.

ثم قاسوا القضاء على الحسبة وقالوا: أنه روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ولي الشفاء العدوية امرأة من قومه الحسبة، يقول ابن حجر: "وكان عمر يقدمها في الرأي ويفضلها وربما ولاها شيئاً من أمر السوق"، وقالوا فإذا جاز توليتها للحسبة جاز توليها القضاء لأن كلاً منهما ولاية عامة.

الرد: نوقش هذا الدليل من وجهين:
الأول: أنه لم يصح هذا عن عمر بن الخطاب أنه ولى الشفاء العدوية الحسبة في السوق، ولم يثبت ذلك في كتب الحديث المشهورة. حتى ابن حزم الذي استدل بها، استدل بصيغة التمريض فقال وروي عن عمر فهذه إشارة إلى أنه ليس بصحيح. وقال أبو بكر العربي في ذلك، ولم يصح فلا تلتفتوا إليه فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث.

يضاف إلى هذا: أن هذه الرواية مخالفة للحديث الصحيح وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» وهذا لا يتأتى من عمر رضي الله تعالى عنه.

الأمر الثاني: أن عمر نفسه هو صاحب فكرة الحجاب لما أشار على النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه فنزلت آية الحجاب ونزل الوحي موافقاً لرأيه، فلا يتصور أن عمر نفسه رضي الله تعالى عنه ينقض هذه الفكرة بأن يولي امرأة على السوق لتظل طوال الوقت تزاحم الرجال وتخالطهم في السوق.

يبقى التسليم الجدلي، فلو فرضنا فعلاً أن عمر ولى الشفاء ولاية الحسبة في السوق، فلابد من تأويل هذا الأثر كي لا يصادم هذه الأدلة التي ذكرناها، فليس يعني ذلك أنه ولاها ولاية القضاء لكنه ربما يكون اختارها لتقاوم بعض المنكرات المتعلقة بأفعال النساء في السوق، فهي كانت تحتسب وسط النساء فقط، وربما لأنه لا يصلح أن يدخل رجل وسط النساء ويمارس الحسبة بينهن، لكن امرأة هي التي يناسب أن تدخل في وسطهن.

فأين هذا من أمر القضاء؟ وكيف يُشبه القضاء ببعض أمر السوق والقضاء أخطر منصب في الدولة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتخوف من أين يكون بعض الخصمين ألحن من الآخر فيقضي له بغير الحق، والتابعون كانوا يفرون من القضاء، وهو يحتاج إلى نفاذ بصيرة وقوة الرأي والحسم والعقل الكامل، والمحتسب ليس له أن يسمع الدعاوي والبينات بخلاف القاضي، فلا يقاس عليها القضاء.

الدليل الرابع: استدلوا بقولهم أن القضاء عقد إجارة بين الدولة وبين القاضي، والأجير يجوز أن يكون رجلاً أو امرأة، وبالتالي لا مانع أن تكون المرأة قاضية.

الرد: أن القضاء ليس عقد إجارة، ولم يقل أحداً أبداً أنه عقد إجارة أو يترتب عليه أحكام الإجارة، بل بعض الفقهاء قالوا أنه لا يجوز أخذ أجرة على هذا العمل وإنما يجوز له أخذ الرزق أو العطاء من بيت المال بحسب الحاجة، وإذا كان المناط أنه يكون أجيراً فمن ثم يصلح تبعاً لذلك بأن يولى الجاهل لأن الجاهل يمكن أيضاً أن يكون أجيراً.

أدلة الرأي الثالث: القائل بجواز قضاء المرأة في غير الحدود والقصاص، قال أصحاب هذا الرأي: أنه يجوز قضاء المرأة فيما تجوز فيه شهادتها، وشهادتها عندهم تجوز في غير الحدود والقصاص، قالوا لأن المرأة أهل للشهادة في غيرهما فتكون أيضاً أهلاً للقضاء في غيرهما، لأن القضاء يستقي من الشهادة وكلاً منهما من باب الولاية، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة.

نوقش هذا بأن الولاية في الشهادة مغايرة للولاية في القضاء، لأن الشهادة في أمور جزئية، فهي ولاية خاصة، تشهد المرأة في قضية معينة فقط، والقضاء في أمور عامة فهي ولاية عامة، والشهادة إبانة للحق، والقضاء إبانة للحق مع الإلزام، فلا يقاس القضاء على الشهادة، وأهلية أحدهما مغايرة للأخر وإلا كان العامي الجاهل الذي تقبل شهادته أهلاً للقضاء.

ثم كيف يصح قضاء المرأة قياساً على شهادتها، وشهادة المرأة الواحدة نصف شهادة الرجل، فهل تعين امرأتان في القضاء في مقام قاض واحد؟ وكيف يصح قضائها في النكاح، والجمهور على أنها لا تنفرد بزواج نفسها فالحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وروي موقوفاً من كلام أبي هريرة رضي الله عنه ورجح وقفه ابن عبد الهادي).

فمن ضمن وظائف القاضي تزويج من لا ولي لها، فكيف لو كان القاضي امرأة فكيف يصح لها أن تزوج امرأة ممن لا ولي لها أو من تعسف معها وليها وعضلها. فكيف تقضي في الزواج وهي لا تملك أن تزوج نفسها أو تزوج غيرها؟! ثم كيف يقضي في الطلاق وهي لا تملك أن تطلق نفسها؟!

والراجح من كل ما سبق: أن الرأي الأول هو الأصوب والراجح في اشتراط الذكورة فيمن يتولى منصب القضاء وأنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، ولا يصح حكمها مطلقاً سواءً فيما تجوز أو لا تجوز لها فيه شهادتها، وهو قول جمهور الفقهاء من المسلمين وأدلة هذا القول ناهضة وقوية، والمناقشات الواردة عليها ضعيفة لا تنهض على ردها، وهي أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

ولأن أدلة الآراء الأخرى ليس لها أصل من كتاب ولا سنة ولا عقل ولا قياس، ولا تنهض لما سيقت له، وأجيب عنها كلها كما بيننا.

ولأن هذا الرأي هو ما يتفق مع أصول شريعتنا الغراء المنزلة من عند الله العليم الخبير الحكيم في شرعه، فالإسلام أكرم المرأة وحفظ أخلاقها وصانها لما عافها عن كثير من مهام الحياة العملية من كسب وغيره حتى لا تختلط بالرجال الأجانب ولا تزاحمهم في المحافل لئلا تحصل الفتنة بينهما فمن هنا حرّم الإسلام على الرجل الأجنبي الخلوة بها، وأمرها بالجلوس في بيتها وعدم الخروج منه إلا لضرورة، وأمرها إذا خرجت بالحشمة والوقار وعدم التبرج وإظهار الزينة إلا ما ظهر منها، وانشغال المرأة بالقضاء يؤدي إلى ارتكاب هذه المحرّمات وتجاوز حدود الله {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه} [الطلاق من الآية:23]، وما أدى إلى حرام فهو حرام.

والمرأة قليلة الخبرة بأمور الحياة وحيل الخصوم، إضافة إلى ما يعرض لها من عوارض طبيعية على مرّ الأيام والشهور والسنين مما يوهن جسمها، فهي لا تصلح لتحمل مشاق القضاء، فستستمر إجازتها بالوضع والرضاعة ومراعاة الزوج والأطفال ونحو ذلك كله، والقضاء أصلاً لا يتحمل التأخير لاسيما في حالنا المعاصر وازدحام المحاكم بالقضايا وتأخر الفصل فيها ومحاولات البحث عن آليات مناسبة لسرعة الفصل وإقامة العدل. فالمرأة خلقت لمهام أخرى تناسب تكوينها وخلقتها، وهي وظيفة الزوجية والأمومة وتربية النشء، ولذلك لم يولي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أي من خلفائه الراشدين ولا أحد من أصحابه ولا أحد من التابعين امرأة القضاء ولا قال أحد منهم بجواز قضائها.

بقي كلمات يسيرة من كتاب (الولاية العامة للمرأة في الفقه الإسلامي) للدكتور/ محمد طعمة سليمان.

حكي فيه من ضمن الكلام في موضوع الخلاف، يقول يرى بعض الشافعية جواز تولية المرأة القضاء للضرورة كما جاء في شرح المنهاج لزكريا الأنصاري، وشرط القاضي كونه أهلاً للشهادات بأن يكون مسلماً حراً ذكراً، فإن فقد الشرط المذكور بأن لم يوجد رجلاً منصف فولى سلطان ذو شوكة مسلماً غير أهل كفاسق ومقلد وصبي وامرأة، نفذ قضائه للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس.

وقال في مغني المحتاج، صرح ابن عبد السلام، بنفوذه -أي نفوذ القضاء- من الصبي والمرأة إذا ولى بالشوكة أي بالقوة. أي إذا فرض الحاكم قاضية فقضت بحكم يوافق الكتاب والسنة ففي هذه الحالة ينفذ قضائها وإلا تشل حركة الناس وتتعطل مصالح الناس، وهذا نوع من المرونة التي تتسم بها اجتهادات الفقهاء في المذاهب الإسلامية.

يقول الأمام ابن قدامة رحمه الله تعالي: "وعند تبن جرير لا تشترط الذكورة لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية"، وقال أبو حنيفة: "يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه". ولنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال، ويحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي وليست أهلاً لحضور محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة ما لم يكن معهن رجل، ونبّه الله تعالى إلى ضلالهن ونسيانهن -والضلال هنا المقصود النسيان- في قوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} [البقرة من الآية:282]، ولا تصلح المرأة للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان ولهذا لم يولي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا أحد من التابعين من بعدهم امرأة قضاءً ولا ولاية بلداً فيما بلغنا، وإن كان جائزاً لم يخلو منه جميع الزمان غالباً.

ثم حكى رأي بعض الفقهاء المعاصرين، وأولهم الأستاذ العلامة مصطفى الزرقاء حول هذه القضية، تكلم إلى أن قال: "ونحن مع الحنفية في أن القضاء يصح منها لو فرضنا أنها كُلفت بقضاء فلا نقول أن قضائها باطل، ولكن هذا لا يقتضي ولا يستلزم أن نقول أن المرأة عندئذ ينبغي أن تبرز إلى الميدان العام وأن تتولى القضاء وتجابه الخصوم والخصومات من مختلف الناس والأجناس وتقابل الشرطة والمتنفذين وتشغل يومها بذلك وتشغل ليلها بدراسة ملفات القضايا وتقارير الخبرة وتصوغ القرارات والأحكام إلى آخره وتترك حياة الأسرة الداخلية وتربية الأولاد للخدم كي تحقق لنفسها شهوة تسميتها قاضية أو أي مأرب أخرى.

مشكلة المرأة في مجتمعنا فيه اصطناع وتكلف، فعندنا في مجتمعنا المعاصر الآن جيوش من الخريجين والشباب لا يجدون وظيفة ولا عمل من كل الكليات تقريباً، والنساء يلهن كثيراً جداً من الوظائف بسهولة، فليرجع كل واحد إلى حيث يليق به، فلترجع النساء إلى البيوت أو إلى التعلم والعمل فيما يناسبوهن وتترك الوظائف للرجال.

الشاهد من الكلام، أن هناك اصطناع وتكلف في موضوع المرأة، وذكرنا بالشخص الذي جاء بالأنقاض وردم وبناء من الطوب، وجاء في أكبر شارع في العاصمة وسد الشارع بهذه الأنقاض والردم، وبعدما جمع كل هذا الركام وسد به الشارع وضع مصباح فوق الردم، ولما سألوه لما وضعت المصباح؟ أجابهم لئلا يصطدم الناس بالردم هذا، ولما بنيت هذا البناء قال لأضع عليه المصباح.

فالقضية أصلاً قضية متكلفة، لم تجبها لا حاجة ولا ضرورة لكن هي سعي حسيس وراء مخالفة لأمر تقرره الفطرة فضلاً عن الشرع الشريف. لكن لو سارت الأمور بنوع من السلاسة لما وقعنا في مثل كل هذه الصعوبات والإشكاليات المفتعلة والمصطنعة. وطبعاً الجديد دائماً يكون له دائماً نوعاً من البريق، فالناس تنخدع بهذا الغرور وما عليه الكفار من أحوال مع وجود الفرق الشديد بيننا وبين الكفار في أحوالهم فهم لم ينعموا بنعمة الوحي فما نزل عليهم وحي يهديهم ويرشدهم إلى الصواب في حين أن الله سبحانه وتعالى أعطانا ومن علينا سبحانه بنعمة الوحي: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10]".

 

يقول الشاعر:

ليس اليتيم من انتهى أبواه *** من هم الحياة وخلفاه ذليلا

إن اليتيم لمن تلقى له *** أُمَّاً تخلّت أو أَباً مشغولا


فهذا هو اليتم في الحقيقة، يقول أيضاً الشيخ الزرقا: "إذا أثبتت المرأة جدارتها للقضاء فأنها لا شك تصلح له من حيث قدرتها، لكن هذا العمل لا ينبغي إسناده إليها، لأنه ليس من وظائفها الطبيعية فإنها إذا مارست هذا بجدارتها فإنها بالضرورة سوف تتخلى عن ميدان آخر هي أجدر به، وبذلك فليس مجرد كونها جديرة يسوغ أن يُجعل الموضوع من وظائفها وحقوقها العامة.

ونذكر أيضاً من كلام الخواجات لهواة الانقياد لكلام الخواجات وهو أوجست كونت وهو فيلسوف فرنسي ملحد معروف وينتمي إليه في مدرسته في الفلسفة ذكي نجيب محمود، يقول: "أن هذه الأعمال -الولايات بتعبيرنا الإسلامي- تتطلب كفايات خاصة من العلم والذكاء والصبر والأناة والحكمة، والرجل في هذه المزايا كلها متفوق على المرأة والمرأة متخلفة فيها عنه، فنحن إذا وليناها هذه الولاية نكون قد خسرنا كفايات الرجل في المجتمع وفي الوقت نفسه نكون قد خسرنا كفايات المرأة في البيت فالخسارة مضاعفة، أي أننا نخسر كفاءات الرجال والشباب العاطل والذي عنده قدرة على الانجاز كثيراً وفي نفس الوقت خسرنا بخروج المرأة من بيتها وتركها لميدانها الأصيل بالبيت" وهذا كلام شخص ملحد.

نختم بكلام الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى يقول: "أنه قد أخطأ الذين يقولون أن أحداً من الأئمة المشهورين أجاز أن تتولى المرأة القضاء، والذين يتمسحون بأبي حنيفة فأخطأوا فهم ذلك، فأنه بإجماع العلماء يأثم من ولى امرأة أمر القضاء، ولكن إذا أثم المولي وولاها عنوة وقهراً أيُنفذ قضائها أم لا يُنفذ؟ فقال أبو حنيفة: "إن قضائها يُنفذ في غير الحدود والقصاص"، لأن معنى عدم نفاذه حينئذ أن يبقى الناس دون قاض يحتكمون إليه في المكان الذي عُينت فيه، وخيرُ أن يكون لهم قاض ولو امرأة من ألا يكون لهم قاض، والذين يراجعون كتب الفقه في المذهب الحنفي يجدون النص الآتي تقريباً (يُنفذ قضائها في غير الحدود والقصاص ويأثم موليها)، ويرد على من استدل بتولية عمر رضي الله عنه امرأة أمر السوق وقاس ذلك على جواز توليتها أمر القضاء فيقول، أن عمر ولاها أمر ملاحظة المكيال والميزان بالنسبة للبائعات من النساء.

سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

إعداد المستشار: مؤازر محمد لبيب المرصفي
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 14
  • 7
  • 87,552

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً