لحظات السعادة

يوم الفرح يومٌ قصيرٌ ضاحك، فيه الابتسامات تشرق على المحيّا، شمساً دافئة تستقبلها النفس بشوقٍ وحنين، معلنةً انتقالها من زمن المشقَّة والشِّدة بكلِّ ما تحمله من معاني: الثَّورة، والغضب، والبَأس، والتَّعب، والمَلَل، والبؤس، والحزن.. إلى زمنٍ الرّاحة وانْفِساح النفس وانشراحها، حين تخلُّصِها من قيود الأسر واستعباد الروح، وتحرُّرِها من مشاعر الضِّيق، وتجاوزها حدود التفكير الجامد والنَّمَطي، وتجمُّلها بلباس الجِدَّة والسِّعَة والرَّخاء.

  • التصنيفات: تربية النفس -


يوم الفرح يومٌ قصيرٌ ضاحك، فيه الابتسامات تشرق على المحيّا، شمساً دافئة تستقبلها النفس بشوقٍ وحنين، معلنةً انتقالها من زمن المشقَّة والشِّدة بكلِّ ما تحمله من معاني: الثَّورة، والغضب، والبَأس، والتَّعب، والمَلَل، والبؤس، والحزن.. إلى زمنٍ الرّاحة وانْفِساح النفس وانشراحها، حين تخلُّصِها من قيود الأسر واستعباد الروح، وتحرُّرِها من مشاعر الضِّيق، وتجاوزها حدود التفكير الجامد والنَّمَطي، وتجمُّلها بلباس الجِدَّة والسِّعَة والرَّخاء.

وإدراكها لحالاتٍ من النَّشاط العقلي الهادف، تغذِّيه طاقةٌ قويّةٌ من الَّتفكير المُبدِع، والإنتاج الخارق للأفكار وللمشاعر، في أعلى مستوياتٍ الإبداع التَّعبيري، والفنّي لصورٍ ورسوماتٍ عفويَّة.

إنه يومٌ شَمِسٌ صَحْوٌ لا غيم فيه، ضَوْءُه يَشْرِقُ على وجه الأَرض، فتصحو القلوب، وتتدفَّق الدماء في الشرايين، تحمل السَّلام، والبِشْر، والضَّحِك، والوفاء، والإخاء، وقولَ الإنسان لأخيه الإنسان: إننا مازلنا بخير، وحتمًا سنحيا حياةٍ طيبةً كريمة، على الرغم من كل ما نحمله من الغضب والنَّقد والكره لأحزاننا ولأوضاعنا، لأننا لا نقدر أن نصحِّح ونغيِّر وننتج، ونحن نشحن النفس كآبةً وعبوساً، ٍونحمل أثقال الحياة فوق رؤوسنا، فيصيبنا الغمّ، والانكسار، وسوء الحال، والضغط والأمراض المزمنة، وتخور قوانا وتشيخ أجسامنا الشابَّة الفتية، وتضيع أحلامنا وسط عربات تثقل سواعدنا.

إنه يومٌ طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها وعن فطرتها، يرتدي فيه الإنسان ثيابًا جديدة، إشعاراً بأنَّ الوجه الإنساني يستعيد ملامحه، والنفس البشرية تكسوها مظاهر الزِّينة، فتسمو عن مشاحنات ومنازعات الحياة.

إنه يوم الحبِّ الخالص والإحساس الصّادق، فينظر الإنسان إلى نفسه نظرة السعادة، وإلى أهله نظرة مودَّةٍ ورحمة، وإلى الناس نظرة احترامٍ وإعزاز، وصداقةٍ وأخوة، وإلى جدران بيته نظرة جمال، وإلى أرضه ووطنه نظرة فخرٍ وانتساب، وإلى ما أدركه من الدنيا نظرة تواضعٍ وزهد، وتذلُّلٍ لواهبها، وإلى الحياة والعالم نظرةً تستوي فيها معاني الجمال، فتبتهج نفسه في كل الحالات، إذا أصابته سرّاء شكر المنعِِم بالعطاء، وإذا أصابته ضرّاء صبر على ما ابتلاه، فيوفّى أجره بغير حساب.

إنه يوم يكتشف فيه الإنسان نفسه والعالم والحياة على حقيقتها، وسرَّ الجمال والبهاء في اجتماع الألوان المختلفة في قوس قزح، واجتماع ألوان الفرح والحزن في الفصول الأربعة.

إنه يوم تقدَّم فيه أطباق الحلوى إلى كلِّ فمٍ لتحلو به الكلمات، وتجتلي الفرح في مظهره الحقيقي، فتبعث ثوبه لباسًا جديدا، أنتجته القلوب قبل المصانع، ليتمَّ حسنه وجماله في كفَّتان، فتشرقَ الوجوهَ النَّضِرة ابتساماتُ الأطفال، وضحِكاتُ الرُّضّاع، فتشبَّ فيه مسرَّات الحياة.

فالعيون جمالها أن تبصر كعيون الأطفال، ترى الأشياء أوَّل ما ينمو فيها الخيال ويمتد، بسيطةً وسهلةً قبل أن تتعقَّد، وبأحجامٍ وأشكالٍ صغيرة، على طبيعتها لم تتحكَّم فيها الصِّناعة البشرية، حولها جوُّ القلوب تنبض بنقاء فطرتها.
والأفواه هي التي لا يتَّسع ثغرها إلا للقيماتٍ تشبع النفس بقدر حاجتها، وتنطق كلماتٍ بأصواتٍ فيها نبرات الحنان.

والأرواح النَّضرة هي التي تحمل الأمل لا الألم، يضمُّها الحبُّ بضمّات القلوب، ولَثَمات الشَّوق للفرح الخالص واللهو الخالص، لا تعرف قياسًا للزمن إلا في ساعات السرور، ولا تطمع إلا بما تسكن به النفس وتهدأ.والأجسام الغضَّة هي التي تمرح في الحياة كمَرحِ الأرض بنباتها، ومرحِ الخيل تختال بفرسانها، تندفع لساحات الدنيا على استقامةٍ في أصولها وفروعها، تحارب بسيوف الصبر صِدَامَ الأعادِي إذا فُلَّتْ نُيُوبُها.

إنه يوم تدرك فيه النفس البشرية معنى الجوهر، في أصدافِهِ الثَّمينة الصَّفاءُ والنَّقاء، فتسمو بطبيعتها عن أكاذيب الحياة، وهذا بعينه اكتشافٌ لحقيقة الثَّراء في قلوب سعيدة، استقبلت أقدارها بالرضا، فقنعت من شجرة الحياة بتمرتها تحملها، واكتشافٌ لحقيقة النعمة في روحها لا مقدارها، فيصير للفرح نصرٌ أكثر مما يجده القائد الفاتح.إنه يوم يبارك في أعمارنا، يجعل السرور فكرا ساميًا، ينشط بالعمل، فتغدو النفس عاشقةً للفرح.

إنه ينظم حياتنا فيعلِّمنا أننا لا نصنع النجاح بنفوسٍ مضطربةً بأطماعها وشهواتها، إنما نصنع النجاح بنفوس مطمئنة بقناعتها بأشيائها القليلة والبسيطة، لا تكدِّرها هموم الكثرة في الشهوات والملذات، قد أدركت أنها لا تملك أن تأكل في بطنين، كأن ليس في الدنيا أنعم منها بالسعادة ولو من قلّة.

ولقد تأمّلت أطفالًا وأثر العيد على نفوسهم، فتعلمت أن السعادة جمعت في ابتساماتهم وضحكاتهم، فإذا لسان حالي يقول لنفسي وللكبار: هؤلاء الأطفال في ثيابهم الجديدة يصنعون ثوباً جديدًا، علينا أن نرتدي مثله للدنيا التي نعيشها، هؤلاء الأطفال أثرياء بكنزهم الثمين، كبار العقول بفطرتهم السليمة، حكماء بفلسفتهم غير المعقدة بألوان الحياة المشحونة بالثورات، فرحتهم في ملذاتهم القليلة، وفرحتنا في ملذاتنا الكثيرة، قناعتهم تسعدهم وطمعنا يشقينا، الجمال في أعينهم الحب الخالص الصادق، والجمال في أعيننا بهاء الوجه ونضارة الجسم.

هؤلاء الأطفال الكبار نتعلم منهم كيف ننطلق في الدنيا بلا طمع، وقد وسِعَتنا البشاشة والمرح والنشاط، نصنع حقيقتنا كما صنعوا حقيقتهم البريئة الضَّاحكة، غير مصبوغةٍ بألوانٍ شوهاء، هؤلاء الأطفال الأحرار في انبعاثهم، كانبعاث الأشياء أوَّلَ مجيئها إلى الدنيا، كبراعم أوَّلَ طلعها، يثيرون فينا الشعور بالفرح الحقيقي، الكامِنِ في أدقِّ النواميس، والوفاق مع الطبيعة في معرفة سرِّ الخلق، الذي أبعدنا عنه آثام العمر، وشهواتٌ تجعل لكلِّ فرحةٍ من أفراحنا خجلةً أو حسرة.

فلْنُحيي الفرح في أيامنا، والطفولة التي شاخت فينا، والسعادة في ربيع فرحتها ولْنَسقي شرابها مَنْ وَرَد بالرّحيق، ولْنَشدو كأننا الطيور المغرِّدةً بألحانها، ولْنَبتهج كالنَّبات في رياضٍها منوَّرةً بأزهارها، والأغصان في أشجارٍها مصفَّقة. ولْنُزْهِرْ كما يزهر النَّجم والسِّراج، وكما تزهر الأرض بخضرتها، وكما تزهر الدنيا في حسنها وبهجتها ونضارتها.


صفية الودغيري