الحكمة الغائبة

منذ 2013-11-28

إذا ما ذكرنا اسم الحكمة في الدعوة إلى الله تتبادر الأذهان إلى تصور أننا نريد الحديث عن السكون والسكوت ومحاولة البحث عن مسارات المهادنة، وهذا خلل ناشئ من أن كثيرًا من الكتاب سقطوا هذه السقطة فاستعمل الحكمة في أحد معانيها وهو ما يضاد التهور والحماسة الشديدة فحسب، وإلا فللحكمة معان كثيرة أهمها: (وضع الشىء موضعه)؛ وهي فهم الأمور على الوجه الصائب والتعامل معها على الوجه الصائب...


إذا ما ذكرنا اسم الحكمة في الدعوة إلى الله تتبادر الأذهان إلى تصور أننا نريد الحديث عن السكون والسكوت ومحاولة البحث عن مسارات المهادنة، وهذا خلل ناشئ من أن كثيرًا من الكتاب سقطوا هذه السقطة فاستعمل الحكمة في أحد معانيها وهو ما يضاد التهور والحماسة الشديدة فحسب، وإلا فللحكمة معان كثيرة أهمها: (وضع الشىء موضعه)؛ وهي فهم الأمور على الوجه الصائب والتعامل معها على الوجه الصائب، وهي رؤية جميع زوايا الواقع وقراءتها القراءة الصحيحة والحكم عليها الحكم الصحيح، وغير ذلك كثير من المفاهيم التي تصب جميعها في مسمى الحكمة.

فالدعوة إلى الله تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، وتظهر الحكمة في معرفة المناسب لكل مجتمع من أساليب الدعوة مما يتلاءم مع عاداته وصفاته وأحواله، وكذلك المناسب من الدعوة لكل فئة من الناس، والداعية الحكيم لا يقول كل ما يعرف لكل من يعرف، وهو يتعامل مع العقول حسب مقدرتها لا حسب مقدرته ولا يحملها فوق طاقتها
وقـد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس فقال: «اللهم علمه الحكمة» (رواه البخاري)، وقد فهم ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79]. فقال: "كونوا حكماء فقهاء"، وقال الحافظ: والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.

والبدء بصغار العلم مرجعه مراعاة العقول حتى لا تنفر من الدعوة، قال الحافظ: والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله وبكباره ما دق منها
قال البخاري رحمه الله: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة لولا أن قومك حديثٌ عهدهم لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين؛ باب يدخل الناس وباب يخرجون» (متفق عليه)، قال ابن الزبير: «حديث عهدهم» يعني بكفر، قال ابن حجر: "ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة" (فتح الباري).

فالحكمة إذن تكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضًا، وللأسف فإن كثيرًا من الدعاة إلى الله يفتقرون الحكمة في التعامل مع مجتمعاتهم ودعوتها. والحكمة إنما تنبت في قلب المرء كما ينبت البقل، وبذورها الإخلاص لله تعالى والتقوى له عز وجل، وكذلك العلم الراسخ النقي،والتواضع الشفاف، والحلم والصبر، والرضا بقدر الله وقضائه، والقناعة بما أوتي، وكلما فقد أحدها بعد صاحبها عن الحكمة.

أما عن موانعها وخوارمها فهي:
- الهوى وعدم التجرد قال تعالى: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
- الجهل: قال سبحانه: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
- الاستدلال بالأدلة في غير موضعها أو الأخذ بظاهر النص دون فهمه.
- الاعتداد بالنفس وعدم مشاورة الأكثر خبرة وتجربة وعلمًا؛ (فالحكمة إذن تستدعي استشارة أهل العلم والأثبات الناصحين والانطلاق من فتواهم المقبولة المعتبرة، وكم رأينا من بلية سببها التعالم أو إهمال رأي العلماء).
- العجلة وعدم ضبط النفس والحماس الزائد غير الموجه ولا المتعقل.
- عدم إتقان قاعدة المصالح والمفاسد: "وهذا يؤدي إلى تقديم جلب المصلحة على دفع المفسدة ويؤدي إلى دفع المفسدة الصغرى بالكبرى، وجلب المصلحة الدنيا وترك العليا، وليس الحكيم هو من يعرف الخير من الشر ولكن الحكيم من يعرف خير الخيرين وشر الشرين".


خالد روشه
 

  • 0
  • 0
  • 1,091

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً