هيّا إلى ذكر الله

منذ 2013-12-02

لو أحصى الشاب أو الشابة الوقتَ الذي يضيّعه كل يوم هدراً في الكلام الفارغ، أو التفرّج على برامج التلفاز؛ لوجده ساعات طويلة. وهو يعلم أن الله سائلُه عن عمُره فيما أفناه، فهلاّ اشتغل بما هو أَجدى، اشتغل بذكر الله، واستيقظ من غفلته؟!


لو أحصى الشاب أو الشابة الوقتَ الذي يضيّعه كل يوم هدراً في الكلام الفارغ، أو التفرّج على برامج التلفاز؛ لوجده ساعات طويلة. وهو يعلم أن الله سائلُه عن عمُره فيما أفناه، فهلاّ اشتغل بما هو أَجدى، اشتغل بذكر الله، واستيقظ من غفلته؟!

والمسلم اليَقِظ ذاكر لله في كل أوقاته، يذكره بحاله ولسانه، يذكره عند كل فعلٍ أو موقف يعرِض له، فيسأل: أهو مما يُرضي الله فأفعل؟ أم هو مما يُسخطه فأمتنع؟

وذكر الله تعالى يكون على ثلاثة ألوان، لا يَغني لونٌ منها عن لونٍ آخر، فيبقى المسلم متنقلاً من لون إلى آخر.

فاللون الأول: هو الذكر باللسان، واللون الثاني: هو التفكر في آلاء الله، وعظيم قدرته، وبديع صنعته، واللون الثالث: ذكر عظمته وجلاله، وحبه والشوق إليه، وخشيته والخوف من سخطه، وذلك كلما أقدم على عمل أو همّ بعمل!

يذكر المؤمن ربَّه بلسانه ذكراً مقيداً، وذكراً مُطلقاً؛ وهو اللون الأول.

فالذكر المقيد بزمان أو مكان: كأذكار الصلاة وما بعدها، والحج والصوم، وقبل النوم، وبعد اليقظة وعند الأكل والدخول والخروج والركوب...
والذكر المطلق: كالثناء على الله في كل حال، وتسبيحه وتحميده وتكبيره، ودعائه.

وأما اللون الثاني: فهو التفكّر في آيات الله المبثوثة في الآفاق وفي الأنفس، ولا تحتاج من المسلم إلا إلى اليقظة والتنبّه، فأينما توجّهت مشاعره؛ أدرك آيات القدرة والإبداع والوحدانية واللطف والإنعام،
فتوجّه قلبه إلى التسبيح والتعظيم والحمد والشكر.

وأما اللون الثالث: فهو أن يذكر العبد ربّه بالسراء والضراء، وعندما تُعرض له شهوةٌ تدعوه إلى معصية أو تقعد به عن طاعة، فيتحرك قلبه شوقاً إلى الله، وخشيةً منه، أهذا عمل يرضي الله فأُقْبِل عليه مهما تقاعست عنه نفسي؟ أم عمل يبعد عن الله فأتركه لله، مهما وسوس إليّ الشيطان؟!

وفي الكتاب العزيز آيات كثيرة تأمر بالذكر الكثير، وتشير إلى فضل الذاكرين، وعلوّ درجاتهم: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران من الآية:191].

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب:41-42].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [الأنفال:45].

وهذا الذكر خفيفُ المؤونة، عظيم البركة، يكون في الليل والنهار، في البيت والطريق، في السفر والإقامة، وفي السلم والحرب، وفي البَر والبحر والجو، وفي الغنى والفقر، والصحة والمرض...

وما أعظم أن يُحسّ الذاكر بمعيّة الله، ويقرأ قولَه تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة من الآية:152].
اذكروني في النعمة والرخاء؛ أذكرْكم في الشدة والبلاء، اذكروني بالتوحيد والإيمان؛ أذكرْكم بالجنان والرضوان،
اذكروني بالدعاء؛ أذكرْكم بالعطاء.

ما أعظم أن يعلمَ أنّ الذاكر يكون من الأصناف السبعة تحت ظل عرش الله، يوم لا ظل إلا ظلّه: «... ورجل ذَكَرَ اللهَ خالياً ففاضت عيناه» (رواه مالك والبخاري والترمذي والنسائي).

وأن الله يذكر من ذكَره: «إنْ ذكرني في ملأ ذكرْتُه في ملأ هُم خير منهم» (رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم).
وأن «النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يذكر الله على كل أحيانه» (رواه الشيخان وغيرهما).

وأن الفرق بين الذاكر لله والغافل عنه فرقٌ هائل: «مَثَلُ الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه، مَثَلُ الحي والميت» (رواه البخاري).

والمُعْرِض عن ذكر الله بعيدٌ عن الله، لصيق بالشيطان: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف:36].

وحين يجتمع لفيف من الشباب في سهرة للتسلية وهدر الوقت في لغوٍ وعبث، من غير طائل، وينفضُّ مجلسهم ولم يزيّنه ذكر الله تعالى، ينالهم ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم مجالسَ الغافلين.

روى الإمامان أبو داود وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يَذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرةً يوم القيامة». فما أقبح هذا المنظر وما أقبح هذه الغفلة!

فلا عجبَ أن يتحسّر أهلُ الجنة، وقد دخلوا الجنة، على مجلس مرّ بأحدهم في الدنيا ولم يذكر الله تعالى فيه. فقد فوّتَ ذلك عليه رِفعةً في الدرجات. رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس يتحسّر أهل الجنة إلا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله فيها».

أمّا ما يَجنيه الذاكرون من ثمرات الذكر فنذكر منها:

أولاً: المغفرة والأجر العظيم، لقوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35].

ثانياً: ارتياحُ النفس وطمأنينة القلب: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللًّهِ الا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].

ثالثاً: الفوز والفلاح: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45].

رابعاً: ذكر الله للذاكرين، وقد قال سبحانه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152]، وقال: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45].

ولا غرابة بعد هذا أن يحرص المسلم على ذكر الله، ومُجالسة الذاكرين ومصاحبتهم. وأن يتجنب الغافلين المُعرضين: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف من الآية:28].

ولا غرابة كذلك أن يترتب عظيمُ الثواب على الأذكار المأثورة، من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير واستغفار...

مما تَحفُل به كتب الحديث النبوي، وأفضلُها في هذا كتاب (الأذكار) للإمام النووي رحمه الله.

فإلى قراءتها وإلى العمل بها...

هيّا... هيّا إلى ذكر الله.

 

محمد عادل فارس
 
  • 2
  • -2
  • 4,113

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً