ماذا يجري في البوسنة؟

منذ ما يزيد عن ثلاثة أسابيع، وشوارع بعض المدن البوسنية، وتحديدا المدن ذات الأغلبية المسلمة، سراييفو، وتوزلا، وزينتسا، وموستار، تشهد اضطرابات ومظاهرات في الشارع تطالب بتغيير السلطات القائمة في البلاد، ويبدو أن أعداء الأمة الذين حركوا الشارع في عدد من الدول الاسلامية، هم أنفسهم من يفعلون ذلك في البوسنة، وهم الشيطان الذي يئس أن يعبد فاشتغل بتحريض المسلمين ضد بعضهم البعض حتى داخل القطر الواحد.

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

منذ ما يزيد عن ثلاثة أسابيع، وشوارع بعض المدن البوسنية، وتحديدا المدن ذات الأغلبية المسلمة، سراييفو، وتوزلا، وزينتسا، وموستار، تشهد اضطرابات ومظاهرات في الشارع تطالب بتغيير السلطات القائمة في البلاد.

 

ويبدو أن أعداء الأمة الذين حركوا الشارع في عدد من الدول الاسلامية، هم أنفسهم من يفعلون ذلك في البوسنة. وهم الشيطان الذي يئس أن يعبد فاشتغل بتحريض المسلمين ضد بعضهم البعض حتى داخل القطر الواحد.
 

المظاهرات التي شهدتها شوارع البوسنة، وإن عنوانها الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البوسنة إلا أن دوافعها الحقيقية سياسي كما يؤكد كثير من المراقبين، فقد غادر السفيران الأمريكي والبريطاني سراييفو قبل المظاهرات، وبدل أن تصل مساعدات أوروبية وأمريكية إلى العاطلين عن العمل والغاضبين، وصلتهم رسائل بأن بروكسل وواشطن لا يمكنها أن تصم آذانها عن أصوات المتظاهرين في الشارع في دعوة صريحة لمزيد التخريب والعنف. حيث تجاوز بعض المتظاهرين مظاهر التظاهر السلمي إلى الحرق والتخريب، وبلغت الخسائر نحو 50 مليون يورو.
 

وقد وجهت هذه الأعمال باستخدام العنف من قبل قوات الأمن، مما يذكر المرء بأيام الشيوعية البائسة والتي عرفت بالدولة البوليسية، حتى قيل أن الشرطي يقول قف لشخص ما فيقف جميع من يسمعه في الشارع ولا يتحرك من مكانه حتى يدرك أنه ليس المعني، من شدة القمع وسطوة البوليس في دولة الخوف والرعب.


الهدف من توتير الأوضاع في مناطق الأغلبية المسلمة في البوسنة، هو التدليل على إنهم مصدر توتير وعنف في البلاد، إذ لم يتظاهر الصرب والكروات في مناطق أغلبيتهم، وقد شارك الكثير منهم في المظاهرات رافعين شعارات في ظاهرها موجهة ضد القومية وفي باطنها قتل هوية المسلمين في البوسنة.


فهذه الشعارات ضد القوميات لا ترفع في مناطق صرب وكروات البوسنة؟ والشعارات ضد السلطات لا ترفع في مناطق أغلبيتهم في البلاد؟ مما يؤكد على أن العناوين خادع، وأن هناك سياسة دولية لتجويع المسلمين في البوسنة ومنطقة البلقان حيث يعدون أفقر شعوب القارة. ومنذ نحو 20 سنة وهم يعدونهم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لكن الحقيقة عكس ذلك، بل يعملون على حرمانهم حتى من الاستثمارات الشحيحة التي ينوي القيام بها بعض المسلمين من الخارج ولا سيما من تركيا، وذلك من خلال تعقيد قوانين الاستثمار، ومضايقة المستثمرين المسلمين، حيث لم يبق منهم سوى من أدرك اللعبة، وكان التحدي من دوافع بقائه في البوسنة والاستثمار فيها. وربما شعر بعض المستثمرين بعدم الرغبة فيهم من خلال مواقف غير المسلمين في البلاد، فوقعوا في الفخ وتوجهوا إما لصربيا أو كرواتيا حيث تم الترحيب بهم.


ورغم أن البوسنة وألبانيا هم أفقر دولتين في أوربا، فإن الوضع داخل الفيدرالية البوسنية الكرواتية أفضل مما عليه في مناطق صرب البوسنة، فالوضع الاقتصادي أفضل مما هو عليه في كيان صرب البوسنة، بمستوى الضعف، ومنح التقاعد أقل بـ 50 في المائة في مناطق صرب البوسنة مقارنة بالفيدرالية. ومع ذلك لا يتظاهر صرب البوسنة ضد حكومتهم الصربية؟ وبالتأكيد لا يتنعم الكروات والصرب، بالسمن والعسل، ولديهم شركات خاصة أفلست.


ويتساءل كثيرون لماذا لم ينتظر المتظاهرون أو قل من حرضهم ومول مظاهراتهم الشهور التسع المتبقية لتغيير الحكومة، أم هي تحركات الهدف منها التأثير على نتائج الانتخابات القادمة؟ ولماذا تسعة أشهر وليس أقل من ذلك؟ الجواب هو الخوف من الانتخابات، والخوف من أن تفرز من لا تريد بعض الأطراف الاقليمية والدولية استمرارهم في الحكم، بل تريد أن تقضي على مستقبلهم السياسي نهائيا. فهي لم تساعد على تحسين وضع الاقتصاد، ولم تساعد على توفير العمل للعاطلين عن العمل سواء في بلدهم أو في دول الاتحاد الاوروبي، بل قامت بالتحريض من خلال التصريحات التي تشجع المتظاهرين على الاستمرار في المطالبة باسقاط الحكومة.
 

لكن عندما يعقد رئيس وزراء صربيا اجتماعا مع قادة صرب البوسنة في بلغراد، ويزور رئيس وزراء كرواتيا كروات البوسنة في موستار، يتبين حقيقة ما يجري في البوسنة، فهناك محاولات لإعادة تقسيم البوسنة بين العدوين اللدودين للبلد الصغير الواقع بين فكي كماشة بلغراد وزغرب، في حين تعاني أمته من جراح تلو الجراح وتنكئ الجراح بعد الجراح.

مظاهرات البوسنة مفتعلة، وهناك من يستغل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي ساهم في صنعها لإلحاق الأذى بالبوسنة ومسلميها. وهناك محاولات للضغط على السياسيين البوشناق للقبول ببعض الإملاءات، المناقضة لما قيل بعد توقيع اتفاقية دايتون في 21 نوفمبر 1995م، حيث كان من المنتظر أن يتم تغيير اتفاقية دايتون بما يضمن توحيد البوسنة، وإنشاء نظام مركزي فيها، لكن ما يجري وبالعودة للبيان الأوروبي حول ما يحدث في البوسنة فإن الاتجاه يبدو مؤسسا أو في طريقه إلى تطبيع ما هو قائم، إذا لم يكن أسوأ من ذلك بكثير. ويشعر البوشناق بأنهم تم نسيانهم وقل بيعهم من جديد والتضحية بهم لقد تحولة فكرة التضحية بالأشياء من أجل الانسان على عهد إبراهيم عليه السلام إلى التضحية بالإنسان من أجل إنسان آخر على يد بولس، والذي أسس للشر وانحدر بالإنسانية إلى أقل من الغابة التي تتصارع فيها الأنواع إلى غابة بشرية يتصارع فيها النوع البشري ويضحي بالآخر من أجل أن يعيش هو وباسم الرب، كما هو تاريخ الغرب. وعلى عقلاء الأحزاب البوشناقية وقادة الرأي فيهم أن يدركوا أن هناك من يراهن على انقسامهم وضرب وحدتهم واللعب على المتناقضات داخلهم. وقد لعب الإعلام كعادته لعبته القذرة، من خلال الإحالة على مجهولين، والتحريض باسم المتظاهرين دون ذكر اسم أو هوية المتدخلين وهي لعبة معروفة لإخفاء موقف الكاتب في مثل هذه الحالات، وهو ما دعا الكثيرين إلى المناداة بمنع وسائل الإعلام من التغطية لأن بعضها مشارك في جريمة التحريض على العنف بين البوشناق، ومخالفة الآليات المعتمدة في الأنظمة الديمقراطية، وهو ما يؤسس للفوضى ويستدعي الانقلابات العسكرية التي طلقتها أوربا منذ زمن بعيد.

لقد أثارت المظاهرات التي شهدتها شوارع المدن ذات الأغلبية البوشناقية، تعليقات الصرب والكروات الذين يبحثون عن الأسباب التي يبررون بها رفضهم للتعايش مع البوشناق، ومن بينها الاختلافات الثقافية وغيرها. كما أثارت مخاوف البعض من عودة الصراعات الإثنية التي بقيت خامدة تحت الرماد.

العنف الذي رافق المظاهرات سواء من المتظاهرين أو الأمن، والدور القذر الذي لعبته بعض وسائل الإعلام في التحريض، يؤكد بأن شيئا غير طبيعي طرأ على ما جرى. وأن هناك رسالة غير المعلنة أريد إيصالها للعالم، وحاولوا بها التغطية على أحداث أخرى في أفريقيا الوسطى والمنطقة العربية لإلهاء البوسنيين المتعلقين بأخبار المسلمين والمتفاعلين معها بالمظاهرات في الشارع بأنفسهم، والإساءة إليهم من خلالهم. وقد استجاب الغافلون لذلك الاستفزاز وتم شحنهم بآخرين لا يمتون لقضيتهم بأي صلة. وهناك تحليلات تقارن بين ما يجري في البوسنة وما جرى في بلدان الربيع العربي، وهل هو ثورة أم ربيع بوشناق "هكذا" وبدأوا يملون الشروط  ومن بينهم تخلي بعض القيادات البوشناقية عن مناصبهم وتركها لآخرين من صغار السن "هكذا" ولكن هذه التحليلات تقلل من أهمية المظاهرات البوسنية فهي بالعشرات وأكبر عدد تم جمعه كان نحو مائتي شخص، وهو ما ينفي عنها صفة الثورة أو حتى الربيع. وفات هؤلاء أن الثورة والربيع لا تكون في ظل أنظمة ديمقراطية وإنما تكون ضد أنظمة قمعية انقلابية مهما تسمت بأسماء مختلفة. وقد شعر المنظمون بالخيبة عندما أشاروا بأن اجتماع الناس أثناء مقابلات فريق كرة القدم البوسني في كأس العالم، واحتفالات رأس السنة أكبر بكثير مما حصل في الشارع مؤخرا، ممنين النفس بأنه في تلك الحالة فقط يمكن القول أن ثورة أوربيعا "ربيعهم هم" قد حل في البوسنة.
 

رئيس العلماء في البوسنة والهرسك الشيخ حسين كفاصوفيتش، وأثناء لقائه برئيس وزراء الفيدرالية جيفكو بوديمير "كرواتي" أكد على ضرورة الحوار، وأن يبذل الجميع ما يستطيعون من جهد من أجل التهدئة. وقد أوضح بأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي صعب جدا في البوسنة، ولكن ذلك لا يحل من خلال العنف والتخريب وتبادل الاتهامات بين السياسيين، وهذا هو الحل الوحيد للخروج من الأزمة. وفي خطبة الجمعة دعا المفتي إلى احترام  الآليات التي تدار بها الدولة لأن الدولة رمز البقاء للجميع، وانهيارها من شأنه أن يحي مشاريع الآخرين.   

عبد الباقي خليفة