نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

إنفلونزا الخنازير.. وموقف الإسلام منها

منذ 2014-03-05

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمسٌ بخمس. قيل: يا رسول الله، ما خمسٌ بخمس؟ قال: ما نقض قومٌ العهد إلا سُلِّط عليهم عدُوُهُم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقرُ، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت»

انتشر الذعر في أوساط الناس جميعا بسبب إنفلونزا الخنازير، وهذه حلقة من سلسة الأمراض التي مُنيت بها الإنسانية في هذا الزمان، بعد أن حسبت أنها قادرة على كل شيء، فبإمكانها قهر المرض والفقر والمناخ، وغير ذلك بسبب النهضة العلمية التي أحدثت طفرة كبيرة في كافة مناحي الحياة. فتارة نرى سيولا وأعاصير لا طاقة للبشر في دفعها، ولا حيلة لهم في التصدي لها، فيقفوا عاجزين بعد أن تدمر كل شيء بأمر ربها، ولا تملك أعتى الدول وأكثرها سلطاناً، وأقواها بأساً، أن تفعل شيئا. وتارة نرى أزمة مالية تأكل الأخضر واليابس، وتهلك الحرث والنسل، ولا يقوى أحد على تفسيرها والوقوف على أسبابها بشكل يقيني فضلا عن إيجاد الحلول المناسبة للخروج منها. وثالثة الأثافي -ونسأل الله أن تكون الأخيرة- ما يعرف (بإنفلونزا) الخنازير ونسأل الله أن يرفع البلاء والضراء عن الناس أجمعين.

فقد أعلن مؤخراً حالة تأهب قصوى عالمية، لمواجهة انتشار سلالة جديدة من فيروس إنفلونزا الخنازير بعدما تبين خطورة هذه السلالة الجديدة الغير معروفة سابقا في الأوساط الطبية والصحية، وسرعة انتشارها من إنسان مصاب إلى آخر، عبر الهواء والمخالطة من المصاب للسليم، لدرجة أن منظمة الصحة العالمية حذَّرت من أن تتحول السلالة الجديدة إلى وباء عالمي، ورفعت من مستوى التحذير إلى الدرجة الرابعة من أصل (6 درجات) بحيث لم تعد تفصلها عن التحول إلى وباء إلا درجتين والسلالة الجديدة يطلق عليها علمياً اسم فيروس (AH1N1).

وخطورة هذا المرض تكمن بأن هذا الفيروس جديد، إذ يجمع بين كل من إنفلونزا الخنازير، وإنفلونزا الطيور، والأنفلونزا البشرية الموسمية؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى وهي الأخطر والأهم: فهي أن الخنزير يشكل من حيث تركيباته الجينية (بيئة محفِّزة) لظهور أنواعٍ جديدة من فيروسات الإنفلونزا، وذلك حين ينتقل إليه أكثر من عدوى بشكل متزامن، بحيث يحتوي الجهاز التنفسي لدى الخنازير على مستقبلات فيروسات إنفلونزا الخنازير والطيور والإنفلونزا البشرية أيضاً، ويتألف منها مجتمعةً في جسده مزيجاً فريداً من الجينات التي لم تكن معروفة من قبل لا في الحيوانات ولا في البشر. فهذا الحيوان (الخنزير إذن) يشكل وكما جاء على لسان جميع الخبراء والعلماء: بيئة محفزة لظهور أنواع جديدة من الفيروسات، مع احتمال تحولها إلى وباء خطير، نظرا لقدرة هذه الحيوانات إلى استضافة والسماح بتكرار فيروسات الإنفلونزا البشرية وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، وغيرها.

هذا عن المرض الأخير فحسب، وماذا عن الخنزير عموماً، وهل هناك أمراض وأضرارٌ أخرى تترتب على أكله أو تربيته أو التعامل مع من يخالطونه؟

الجواب: أن الخنزير حيوان لاحم عشبي تجتمع فيه الصفات السبعية والبهيمية، فهو آكل لكل شيء، وهو نهم كانس الحقل والزريبة فيأكل القمامات والفضلات والنجاسات بشراهة ونهم، وهو مفترس يأكل الجرذ والفئران وغيرها، كما يأكل الجيف حتى جيف أقرانه، والخنزير من الحيوانات السريعة النمو إذ تضع الخنزيرة ما بين عشرة إلى عشرين خنوصاً، وينمو الخنزير من أقل من كيلوجرامين عند الولادة إلى أكثر من مائة كيلوجرام خلال مائتي يوم. وسبب هذا النمو السريع زيادة كبيرة في هرمونات النموGrowth Hormone  والهرمونات المنمية للغدد التناسلية Gonadotrophin وهذا الأمر له علاقة بارتباط لحم الخنزير وشحمه بأنواع السرطان التي تزداد لدى آكلي لحم الخنزير وشحمه، ويوجد الدهن متداخلاً مع خلايا لحم الخنزير بكميات كبيرة خلافاً لبقية أنواع اللحوم مثل البقر والغنم والماعز والدجاج والتي يوجد فيها الدهن بشكل نسيج دهني شبه مستقل.

الأمراض التي ينقلها الخنزير للإنسان:
يبلغ عدد الأمراض التي تصيب الخنزير (450) مرضاً، منها (57) مرضاً طفيلياً، تنتقل منه إلى الإنسان، بعضها خطيرٌ بل وقاتل، ويختص الخنزير بمفرده بنقل (27) مرضاً وبائياً إلى الإنسان، وتشاركه بعض الحيوانات الأخرى في نقل بقية الأمراض، لكنه يبقى المخزن والمصدر الرئيسي لهذه الأمراض، هذا عدا الأمراض الكثيرة التي يسببها أكل لحمه كتليّف الكبد، وتصلب الشرايين، وضعف الذاكرة، والعقم، والتهاب المفاصل، والسرطانات المختلفة، وغيرها كثير.

ومن الأمراض التي تنشأ عن أكل لحم الخنزير ما يلي:
1 - الأمراض الطفيلية. ومنها تلك التي تنشأ عن (الدودة اللولبية) التي هي من أخطر الديدان بالنسبة للإنسان، والتي لا يخلو منها لحم الخنزير، وتتركز هذه في عضلات آكِلِ لحم الخنزير المحتوي على هذه الديدان وتسبب له آلامًا شديدة تُشِلّ حركة هذه العضلات، كما تتركز بالحجاب الحاجز وكثرتُها به تؤدي إلى وقف التنفس ثم الموت.
و(الدودة الشريطية) التي يصل طولها عشرة أقدام، وما تسببه من اضطرابات هضمية وفقر للدم، فضلًا عما يسببه وجود حويصلاتها في مخ آكل لحم الخنزير وكبده ورئتَيه ونخاعه الشوكيّ من أضرار شديدة. و(ديدان الإسكارس) التي تسبب الالتهاب الرئويّ وانسداد الأمعاء وغيرها.و(ديدان الإنكلستوما والبلهارسيا والدوسنتاريا) التي تسبب النزف وفقر الدم وغيرها من الأمراض التي تؤدي إلى الوفاة. إلى غير ذلك من الطفيليات الكثيرة التي تزيد عدَّتها على ثلاثين طُفيلًا، والتي تُخلّف أضرارًا شديدة في مواضع مختلفة من بدن متناول لحم الخنزير.

2 - الأمراض البكتيرية. كالسل الرئويّ والكوليرا التيفودية والباراتيفوئيد، والحمَّى المالطية وغيرها.

3 - الأمراض الفيروسية. كالتهاب الدماغ، والتهاب عضلة القلب، والأنفلونزا، والتهاب الفم البقريّ ونحوها.

4 - الأمراض الجرثومية. مثل جرثوم (التوكسو بلازماجواندي) الذي يسبب الإصابة بالحمى والإنهاك البدنيّ، وتضخم الكبد والطحال، أو التهاب الرئتين وعضلات القلب، أو التهاب السحائيّ، بالإضافة إلى فقد السمع والبصر.

5 - الأمراض الناشئة عن التركيب البيولوجيّ للحم الخنزير وشحمه. وذلك كزيادة نسبة حمض البوليك بالدم؛ لأن الخنزير لا يُخرج من هذا الحمض إلا نسبة 2% والباقي يصبح جزءًا من لحم الخنزير، ولهذا فإن الذين يأكلون لحمه يَشكُون من آلام المفاصل. يضاف إلى هذا احتواءُ لحمه على دهون مشبعة بخلاف دهون سائر الحيوانات، ولذا يجد أَكَلَةُ لحم الخنزير ترسيبَ كمية من الدهن في أجسامهم وتزيد مادة الكوليسترول في دمهم مما يجعلهم أكثر عرضة لتصلب الشرايين وأمراض القلب والذبحة الصدرية المفضية إلى الموت المفاجئ. هذا بالإضافة إلى إصابة آكلي لحم الخنزير بعسر الهضم بسبب بقاء هذا اللحم في المعدة قرابة أربع ساعات حتى يتم هضمه، خلافًا لبقية لحوم الحيوانات الأخرى، وما يسببه تناول لحمه من الإصابة بالسمنة وامتلاء جسم متناوله بالبثرات والحبوب والأكياس الدهنية، وتسببه في ضعف الذاكرة.

وإذا كان أولئك الآكلون للحم الخنزير والمتعاملون معه يزعمون أن الوسائل الحديثة قد تغلَّبت على ما في لحم الخنزير ودمه وأمعائه من ديدان شديدة الخطورة (كالدودة الشريطية وبويضاتها المتكلسة)؛ فماذا عن باقي الآفات التي لم يستطيعوا لها علاجاً، وإن استطاعوا جدلاً أن يجدوا لها دواءً وعلاجاً؛ فمن الذي يضمن بأنه ليست هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف عنها بعد؟ فقد احتاج الإنسان قرونًا طويلة ليكشف لنا عن بعض الآفات الموجودة في لحم الخنزير، ومهما بلغ التقدم العلمي، فسيبقى علم البشر قاصراً، وإدراكهم محدوداً، والله هو العليم الحكيم؛ وهو سبحانه خالق الإنسان وأدرى به ويعلم ما يضره وما ينفعه كما قال جل وعلا: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

والأصل في المسلم أنه يطيع الله فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه، سواء أظهرت حكمته سبحانه في ذلك أم لم تظهر، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، ولا مانع من البحث عن الحكمة بعد ذلك لكي تكون عوناً للمسلم على إقناع الآخرين وإقامة الحجة عليهم، ويزداد المؤمن إيماناً؛ فامتناعنا نحن أهل الإسلام عن أكل الخنزير والتعامل معه إنما هو من منطلق الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، حتى ولو لم يتبين لنا أي ضررٍ على صحة الإنسان، وما تقدم ذكره من أضرارٍ وأوبئةٍ وأمراض يشتمل عليها الخنزير ويتسبب في تقلها للإنسان؛ مما يزيدنا إيماناً ويقيناً بعظمة ديننا وكماله.

موقف الإسلام من الخنازير:
إن من مقاصد ديننا الإسلامي الحنيف: الحفاظ على الكليات الخمس، وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وشرع لأجل ذلك تشريعات عديدة؛ فنلاحظ أن الإسلام حافظ على النفس من خلال عدة أمور، منها: الحفاظ على الصحة وحماية الإنسان من كل ما يسبب له الضرر والفساد في جسمه. ولهذا جاءت النصوص القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة مبينة ما يحل وما يحرم من الأطعمة والأشربة، ووضعت لذلك قاعدة عامةً عظيمة، وهي إباحة كل الطيبات وتحريم كل الخبائث، وصارت هذه القاعدة عامة في كل ما يؤكل أو يشرب، يقول الله تبارك وتعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِث} [الأعراف: 157]. وقال تعالى آمراً جميع البشر بأكل الطيبات على سبيل الإباحة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168]. ولقد كان من حكمة الله العليم الخبير، الرؤوف الرحيم بعباده، الذي خلقهم ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم؛ كان من حكمته سبحانه أن حرَّم علينا لحم الخنزير، لأن الخنزير خبيثٌ، ويتسبب في كثير من الأمراض والأوبئة.

وجاء تحريم لحم الخنزير في أربع مواضع في القرآن العظيم:
1- قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173]؛ فالخنزيرِ حيوانٌ خبيثٌ نجسٌ كنجاسة الميتة والدم، وما أُهِلَّ لغير الله تعالى به، ولهذا حرَّمته الشريعة.

2- وقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [المائدة: 3].

3- وقال جل وعلا: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الأنعام: 145].

4- وقال سبحانه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [النحل: 115].

وجاءت الأحاديث النبوية دالة على تحريم بيع لحم الخنزير، ومن تلك الأحاديث ما صحَّ جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (البخاري: 2236). وهذا الحديث فيه التصريح بتحريم بيع الخنزير أو الاستفادة من أي جزء منه، حتى لو كان ذلك بتحويله إلى شيء آخر.

ومما جاء في بيان شناعة هذا الحيوان ما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» (مسلم: 2260)، والحديث يشبه اللعب بالنردشير بغمس اليد في لحم الخنزير ودمه، ووجه الشبه هو القبح في كلا الأمرين، والمعروف عند أهل البلاغة أن وجه الشبه يكون أقوى في المشبَّه به، أيَّ أنَّ ملامسة اليد للحم الخنزير ودمه أشدّ قبحاً.

وظاهر الآيات القرآنية يفيد حرمة تناول لحم الخنزير، إلا أن العلماء قالوا بحرمة تناول جميع أجزائه كذلك وإن لم تكن من قبيل اللحم، وعلَّلوا تخصيص اللحم بالذكر في الآيات دون بقية أجزاء الخنزير بأن اللحم معظم المقصود من الخنزير، ولهذا فقد حكى الإمامان النوويُّ وابن قدامة وابن رشد وغيرهم: إجماع المسلمين على تحريم تناول أي جزء من الخنزير. قال الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه"، وقال الإمام ابن رشد: "فأما الخنزير فاتفقوا على تحريم شحمه ولحمه وجلده". وقال الإمام ابن حزم: "أجمَعَت أقوال العلماء على حرمته، فلا يَحلّ أكلُ شيء منه، سواءٌ في ذلك لحمُه أو شحمُه أو عصبُه أو غضروفُه أو حُشْوَتُه أو مخُّه أو أطرافُه أو غيرُ ذلك منه".

وإذا كان الشارع قد بيّن العلة من حُرمة تناوُلِه بأنه (رجس) أي نجس، والنجسُ يجب على المسلم اجتنابُه، إلا أنه لم يحرَّم لذلك فقط وإنما حُرِّم لخُبثه واشتماله على كثير من الأضرار التي يمكن أن تصل إلى حدّ إهلاك مَن تَناوَلَه، فقد أثبتت الأبحاث العلمية والطبية أن الخنزير من بين سائر الحيوانات يُعَدّ أكبرَ مستودَع للجراثيم الضارة بجسم الإنسان، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك.

ولم يكن الإسلام أول الأديان التي حرمت أكل لحم الخنزير. فالديانة اليهودية تحرِّم أكل لحم الخنزير، ولا يوجد حتى الآن يهودي في أوروبا وأمريكا يأكل لحم الخنزير إلا فيما ندر، ولم يعب أحدٌ على اليهود ذلك، بل يحترم الغرب العادات الدينية لليهود. وعندما جاء السيد المسيح عليه السلام صرَّح كما جاء في الإنجيل بأنه لم يأت لينقض الناموس بل ليكمله، أي أنه لم يأت ليغير التشريعات اليهودية. ومن بينها بطبيعة الحال تحريم أكل لحم الخنزير، والأمر المنطقي بناء على ذلك أن يكون الخنزير محرمًا في المسيحية أيضاً. ومما يجدر الإشارة إليه أن نبي الله عيسى عليه السلام، عند نزوله في آخر الزمان، يكون من مهامه التي وردت في الحديث أنه: يقتل الخنزير؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده ليُوشِكَنَّ أن ينزل فيكم ابنُ مريم حَكَماً عدلاً، فيكسِرَ الصليبَ، ويَقتُلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزية ويفيضَ المال حتى لا يقبله أحدٌ، حتى تكون السجدةُ الواحدةُ خيراً من الدنيا وما فيها».

وللمسألة بعدٌ آخر، غير بُعد تحريم الخنزير، ألا وهو عقوبة الله تعالى بسبب انتشار الفساد والموبقات؛ يدلُ على ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر المهاجرين، خِصالٌ خَمسٌ إن ابتليتم بهنَّ ونزلن بكم، أَعُوذ بالله أن تدرِكُوهُنَّ: لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم يَنقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذُوا بالسنين وشِدَّة المؤونة» أي: بالقحط والمجاعة وقلة الأرزاق وضعفها «وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولا نقضوا عهدَ الله وعهد رسوله إلا سُلِّط عليهم عدوٌ من غيرهم، فيأخُذُ بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمَّتهم بكتاب الله، إلا جُعِل بأسُهُم بينهم» (صحيح الجامع: 7978).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمسٌ بخمس. قيل: يا رسول الله، ما خمسٌ بخمس؟ قال: ما نقض قومٌ العهد إلا سُلِّط عليهم عدُوُهُم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقرُ، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت» أي: الأمراض الفتاكة التي تؤدي إلى الموت، أو القتل «ولا مَنعوا الزكاة إلا حُبِس عنهم القطر، ولا طَفَّفوا المكيال والميزان إلا حُبِسَ عنهم النبات، وأُخِذُوا بالسنين» (صحيح الجامع: 3240).
 

  • 5
  • 0
  • 2,171
i