حسرات

منذ 2014-03-05

قال تعالى بمحكم آياته: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [مريم:39]، والحسرة هي شدة التلهُّف والحزن.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله؛ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم أما بعد؛

قال تعالى بمحكم آياته: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [مريم:39]، والحسرة هي شدة التلهُّف والحزن.

فأوصى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ بأن يُنذِرنا يوم الحسرة وهو يوم القيامة. ولكن توجد الكثير من الحسرات قبل يوم القيامة، وكل حسرة أكبر من الأخرى حتى تأتي الحسرة الكبرى والخذلان.

 

الحسرة الأولى:

لحظة نومك يا عبد الله على فراش الموت؛ فرغم وجود الأحباب والأقارب والأصدقاء ووجود الطبيب، ولكن وقت لا ينفع فيه أحد كما قال الشاعر:

كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحًَا *** عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُني

وقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَيْ يُعالِجَني *** وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هذا اليومَ يَنْفَعُني

واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُها *** مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ

 

الحسرة الثانية:

لحظة الحقيقة، ووقت قبض الروح؛ كما قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:19]، فحسرتك يوم لحظتك هذه، أما حسن خاتمة عند قبض الروح، وأنت ساجد وأنت تقرأ كتاب الله تعالى وأنت على منبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فكما قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر:27-28].

أما الحسرة بأن تموت على سوء خاتمة؛ تموت وأنت تسمع الغناء وتُردِّده، بدلًا من ترديد شهادة التوحيد، تُقبض وأنت تزني، وأنت تَسرِق، وأنت مُضيِّع للطاعات والعبادات، فتُنزع روحك الخبيثة كما قال الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول» (رواه أحمد: [17803]، وأبو داود: [4753]).

وهذه الحسرة المؤلمة؛ هي فضيحة لك في الدنيا، فبعد قوتك في الدنيا وجبروتك ستتحدَّث الناس على سوء خاتمتك، وكيف قُبِضَت روحك الخبيثة وأنت على معصية.

فهل ترضى بهذه الحسرة؟! وهل تستحق لذة المعصية الحسرة والندامة؟!

 

الحسرة الثالثة:

لحظة دخولك القبر؛ فلعل الله تعالى يفضحك بها كما فضح أحد الرجال بعد موته وأرادوا أن يُصلُّوا عليه في الحرم المكي ولم يستطيعوا إدخاله إلى داخل الحرم، فخرج لهم أمام الحرم وسألهم عن حال الرجل، فقالوا: "أنه كان يسكن أمام الحرم، ولم يسجد سجدة واحدة بالحرم"، فحرمه الله تعالى حتى ولو بالصلاة عليه صلاة الجنازة.

وأخرى؛ امرأة تمشي بين الناس بالزنا، فكلما أرادوا إدخالها القبر ترفع قدمها حتى تكشف عن عورتها فتفضح أمام الجميع.

فبالله عليكم! يا عبد الله ويا أمة الله هل تساوي لذة المعصية هذه الفضيحة في القبر؟!

 

الحسرة الرابعة:

بنزولك للقبر؛ يأتي لك ملكين لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يرويه أنس رضي الله عنه؛ قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم؛ أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري. كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يُضرَب بمطرقةٍ من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» (رواه البخاري: [1273])، ويفرش له قبره نارًا، ويُلبس نارًا، ويُفتح له باب إلى النار، ويُضيَّق عليه قبره، ويُضرب بمطرقة عظيمة لو ضُرِب بها جبل لصار ترابًا، ويُبشَّر بالعذاب في الآخرة، ولذلك يتمنى ألا تقوم الساعة.

فالحسرة بوقت الإجابة؛ فكيف ستجيب على الأسئلة والتي تكون إجابتها بعملك، وليس بمذاكرتك، ولا بغشٍ من زميلٍ لك، فتتذكر يومها لما خُلِقت فتتذكر قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].

فتتحسر يومها على كل دقيقة قضيتها بعيدة عن طاعة الله تعالى، وتتحسر على مشاهدتك للعري، والأفلام الإباحية والمسلسلات، والمباريات، والراقصات، وستتحسر على ردِّك على من كان يُذكِّرك بالله تعالى فتقول له: "صلِّ على النبي" في قلبك، أو ردِّك: "خذنا تحت جناحك".

 

الحسرة الخامسة:

ماذا ستفعل لو قمت ببناء منزل جديد ولم تقم بتجهيزه قبل الانتقال إليه؟ فستكون لك حسرة في الدنيا، وكيف ستعيش فيه وحسرتك العظيمة يوم انتقالك لبيتك الجديد وهو القبر، وقد تركته مهجورًا ولم تُعِدّه بطاعتك، ولا بصلاتك، ولا صيامك، ولا أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، ولكن حسرتك يومها بإعدادك له بالخراب والانتكاسات من ضياع الصلوات، وعدم غضِّك لبصرك، وتركك العنان لفرجك وبالزنا.

فستتحسر يومها بما قمت بإعداده، بل وبقدوم رفيقك الذي قمت بإعداده «ويأتيه رجل قبيح الوجه وقبيح الثياب فيقول: أبشر بالذي يسؤك. هذا يومك الذي كنت تُوعَد؟ فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: ربِّ لا تُقِم الساعة... ربِّ لا تُقِم الساعة» (رواه الوادعي عن البراء بن عازب رضي الله عنه).

فستتحسر يومها مما أَعددتَ لمرافقتك في رحلتك، فهل ستسعد بالرفيق؟!

 

الحسرة السادسة:

بخروجك من القبر في يوم شديد الهول؛ فتجد يومها الشمس تدنوا من الرأس وليس لك نجاة إلا ظل الرحمن لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله. ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفِق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (متفق عليه).

فستُسرِع لظل الرحمن، فتجد الملائكة تنتظرك؛ فتقول شروط الدخول، يومها ستنتظر النتيجة فتجد.

 

الفرصة الأولى: «إمام عادل».

فتتذكر يومها كيف كنت ظالم في أهل بيتك، وكيف كنت تستغل سلطتك في التحكم في الناس، وفي مصالحهم التي توليتها يوم ستكون حسرتك وتخسر أول فرصة.

 

الفرصة الثانية: شاب نشأ في طاعة الله تعالى.

يومها ستتحسر على شبابك الذي ضاع أمام الشات المحرَّم، وأمام التلفزيون، وفي المباريات، وفي ضياعك للصلاة مقابل المباريات، فتتحسر على الفرصة الثانية لتحلم بالثالثة.

 

الفرصة الثالثة: «رجل قلبه معلَّقٌ بالمساجد».

فتتحسر يومها على ضياعك لعمرك وأنت على المعاش، وتعيش على القهوة ليل نهار لتنظر للنساء والفتيات، ولم تُعلِّق قلبك بالمسجد، بل تعلَّقت بالتدخين ومعاكسة الفتيات فتتضيع فرصة جديده.

 

الفرصة الرابعة: «رجلان تحابا في الله»؛ فتتذكر يومها صديق السوء، ولم تجعل لك صديق في الله تحبه لله.

 

الفرصة الخامسة: «ورجل دعته امراة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله».

يظن البعض بأنه يشترط أن تأتيك امرأة جميلة، وتقول لك: قد غلَّقت الأبواب، وهذا يظن الجميل بأنه ناجٍ منها! لا يا أخي يومها لما تمنع. تتذكر كيف كان المؤذن يدعوك للصلاة ودعتك امرأة على الشات فتركت الصلاة وكلمتها ولم تقل إني أخاف الله! هل اليوم تذكرت من المرأة لتتحسر من جديد.

 

الفرصة السادسة: «رجل تصدَّق بصدقةٍ»؛ حسرة وألم من جديد تتذكر يومها بأنك قد بخلت على نفسك رغم أنك بتشحن كل يوم رصيد لموبايلك، ولم تشحن رصيد حسناتك بصدقةٍ لتُطفئ غضب الربّ لتفوت فرصة أخيرة ليتعلَّق قلبك بالفرصة الأخيرة للنجاة.

 

الفرصة السابعة: دمعة من خشية الله تعالى؛ لتتحسر على مرور العمر بلا ركعتين خاشعتين لله تعالى في جوف الليل، لتسيل دمعة من خشية الله تعالى لتنجيك، وتتذكر كيف بكيت بسبب الغناء ولم تبكِ لآية من الجبار.

 

فجأة تنتهي الفرص السبع؛ لتعيش حسرة العمر والسنين والآلام، وتتذكر كيف كانت لذة المعصية لا تساوي شيء بجوار دموع الحسرات يوم القيامة.

 

الحسرة السابعة:

لحظة القِصاص لمَّا تقف بين يدي الجبار، ليقتص منك جميع من ظلمت؛ فتتذكر يومها كيف استخدمت قوتك في لطم وجه ضعيفٍ ليقتص منك، ويأتيك الرجل الذي ظلمته في عمله، وتأتيك المرأة التي أغويتها ففارقت زوجها وأفسدت عليها حياتها من أجلك، كل هذا يأتي للقصاص، فتكون الحسرة بعد جبروتك في الدنيا إلى الهوان والذل في يوم الحسرة الكبرى.

 

الحسرة الثامنة:

بوقت العطش الشديد، ووقت بحث الجميع عن شربة ماء لا تظمأ بعدها أبدًا فتتذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتنطلق إلى الحوض فستجد الملائكة تمنعك، فيدافع عنك الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، فيقولوا: لا تدري ماذا أحدث من بعدك... فتكون الحسرة وهو يقول لك: «سحقًا، سحقًا» (جزءٌ من حديثٍ رواه البخاري ومسلم).

يومها ستتذكر جدالك بمن أوصاك بإطلاق اللحية، فقلت: إنها سنة. وتتذكري يا أختي بجدالكِ في النقاب لتزداد الحسرات والأحزان والآلام.

 

الحسرة التاسعة:

يوم تطلب النور على الصراط كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ . يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد:13-14].

 

الحسرة العاشرة:

يوم ترى المؤمنين كما قال تعالي: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثْنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر:73-74].

لتتحسر أنت يوم الحسرة كما قال تعالى بمحكم آياته: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر:71].

فيومها ستتحسر وأنت تنظر إلى المؤمنين وتنظر لحالك لتقول: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:24].

 

الحسرة الأخيرة:

يوم تتمني الموت كما قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ . لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [الزخرف:77-78].

كل هذه؛ حسرات ستتعرَّض لها يوم الحسرة العظيم، فهل تجد للذة المعصية لذة أمام كل هذه الحسرات والآلام؟! والله لا أجد للذة المعصية أي سبيل بعد كل هذا، وعلينا أن نعيش في طاعةٍ لنموت على طاعةٍ لله تعالى.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أبو مالك محمد عيسى

كاتب إسلامي

  • 4
  • 0
  • 13,177

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً