الصمت في الشريعة

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

معنى الصمت لغةً واصطلاحًا

معنى الصمت لغةً:

صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا: سَكَتَ. وأَصْمَتَ مثله، والتصْميتُ: التسكيتُ. ويُقال لغير الناطق: صامت ولا يقال ساكت. وأصمتُّه أنا إصماتًا إِذا أَسْكَتُّهُ. وَيُقَال: أَخذه الصُّمات. إِذا سكت فلم يتكلم. ((الصحاح تاج اللغة) للجوهري [1/ 256]، (جمهرة اللغة) لابن دريد الأزدي [1/ 400]، (المعجم الوسيط) ص [522]).

 

معنى الصمت اصطلاحًا:

قال المناوي: "الصمت: فقد الخاطر بوجد حاضر. وقيل: سقوط النطق بظهور الحق. وقيل: انقطاع اللسان عند ظهور العيان" ((التوقيف على مهمات التعاريف) ص [219]).

وقال الكفوي: "والصمت إمساك عن قوله الباطل دون الحق" ((الكليات) ص [806]).


الفرق بين الصمت والسكوت: ((نضرة النعيم) [7/ 2634]).

1- أن السكوت هو ترك التكلم مع القدرة عليه، وبهذا القيد الأخير يفارق الصمت؛ فإن القدرة على التكلم غير معتبرة فيه.
2- كما أن الصمت يراعى فيه الطول النسبي، فمن ضم شفتيه آنًا يكون ساكتًا، ولا يكون صامتًا إلا إذا طالت مدة الضم.
3- السكوت إمساك عن الكلام حقًّا كان أو باطلًا، أما الصمت فهو إمساك عن قول الباطل دون الحق.

قال الراغب: "الصمت أبلغ من السكوت؛ لأنَّه قد يستعمل فيما لا قوة له للنطق، وفيما له قوة النطق؛ ولهذا قيل لما لا نطق له: الصامت والمصمت، والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله" ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) لأبي الحسن الهروي [7/ 3038]).

 

أسماء مرادفة للصمت:

قال النيسابوري ((غرائب القرآن ورغائب الفرقان) للنيسابوري [4/ 537]):
"ترك الكلام له أربعة أسماء: 
1- الصمت، وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم: (مال ناطق أو صامت).
2- والسكوت، وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام.
3- والإنصات، هو السكوت مع استماع قال تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف من الآية:204].
4- والإصاخة، وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه، كالسرِّ والصوت من المكان البعيد".

 

أهمية الصمت:

إن الشرع قد حث على الصمت ورغب فيه؛ لأنه يحفظ الإنسان من الوقوع في آفات اللسان ومنكرات الأقوال، ويسلم به من الاعتذار للآخرين.

"ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر، وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة.

أما الذي هو ضرر محض؛ فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر.

وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر؛ فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران، فلا يبقى إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر، إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجًا يخفى دركه، فيكون الإنسان به مخاطرًا ومن عرف دقائق آفات اللسان... علم قطعًا، أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصل الخطاب حيث قال: «من صمت نجا» (رواه الترمذي [2501]، وأحمد [2/ 159] [6481]، والدارمي [3/ 1781] [2755] من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وثق رواته: المنذري في (الترغيب والترهيب) [3/ 343]، و ابن حجر في (فتح الباري) [11/ 315]، وصحح إسناده أحمد شاكر في (المسند) [10/ 140]، وصححه الألباني في (صحيح الجامع) [6367]). فلقد أوتي والله جواهر الحكم قطعًا، وجوامع الكلم ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء" ((إحياء علوم الدين) للغزالي [3/ 111-112]).


أولًا: في القرآن الكريم:

-قوله تعالى:{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18].

 

قال ابن كثير: "{مَا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِنْ قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:10-12]" ((تفسير القرآن العظيم) [7/ 398]).

 

وقال الشوكاني: "أي: ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه {إِلَّا لَدَيْهِ} أي: على ذلك اللافظ {رَقِيبٌ}، أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال. والعتيد: الحاضر المهيأ. قال الجوهري: العتيد: الحاضر المهيأ،... والمراد هنا أنه مُعد للكتابة مهيأ لها" ((فتح القدير) [5/ 89] بتصرف).

 

وقال الشنقيطي: "قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} أي: ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام {إِلَّا لَدَيْهِ}، أي: إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها شاهدًا عليها لا يفوته منها شيء. {عَتِيدٌ}: أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر" ((أضواء البيان) [7/ 427]).

 

وقال السمعاني: "أي: رقيب حاضر. قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته: اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي. ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء" ((تفسير القرآن) [5/ 240]).


ثانيًا: في السنة النبوية:

-عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (رواه البخاري [6475]، ومسلم [47]).

 

قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة" ((التمهيد) لابن عبد البر [21/ 35]).

 

وقال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «فليقل خيرًا أو ليصمت» فمعناه: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا" ((شرح النووي على مسلم) [2/ 18]).


-عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صمت نجا» (رواه الترمذي [2501]، وأحمد [2/ 159] [6481]، والدارمي [3/ 1781] [2755]. قال المنذري في (الترغيب والترهيب) [3/ 343]: "رواته ثقات". وصححه الألباني في (صحيح الجامع) [6367]).

 

قال القاري: "«من صمت»: أي: سكت عن الشرِّ. «نجا»: أي: فاز وظفر بكل خير، أو نجا من آفات الدارين" ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) للقاري [7/ 3038].

 

قال الغزالي: "من تأمل جميع آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم، وعند ذلك يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم: «من صمت نجا»، لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب، وهي على طريق المتكلم، فإن سكت سلم من الكل، وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه، إلا أن يوافقه لسان فصيح، وعلم غزير، وورع حافظ، ومراقبة لازمة، ويقلل من الكلام؛ فعساه يسلم عند ذلك، وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر، فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم، فكن ممن سكت فسلم، فالسلامة إحدى الغنيمتين" ((إحياء علوم الدين) [3/ 162] بتصرف).

 

-عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» رواه البخاري [6474]).

 

قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر إنما هي من الفم والفرج، وما بين اللحيين الفم، وما بين الرجلين الفرج، ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر، وقذف المحصنات، وأخذ أعراض المسلمين، ومن الفم أيضا شرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، ومن الفرج الزنى واللواط" ((الاستذكار) [8/ 565]).

 

قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة... فإن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر" ((فتح الباري) [11/ 309-310]).

المصدر: الدرر السنية