الجهاد في حياة النبي

منذ 2014-04-09

من الناس من يظن أن العبادة هي الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحو ذلك من شعائر وحَسْب، ولا ينظرون إلى العبادة بمفهومها الشامل الواسع الذي يضم كل صغيرة وكبيرة في الحياة.

هيَّأ محمدٌ لأُمَّته أسباب القوة والعزة والمنعة. (جواهر لال نهرو -الزعيم الهندي المعروف-: لمحات من تاريخ العالم، دار الجيل، بيروت، ط 1997م، ص[26]).

أكد تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية تعرُّض 4% من المجندات في الجيش الأمريكي للاغتصاب على أيدي الزملاء الذكور والقادة، وهي نسبة تزيد عشر مرات عن معدل الاغتصاب في الحياة المدنية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تعرُّض 52% من هؤلاء المجندات للتحرش الأخلاقي والجنسي بدرجات متفاوتة!! (تقرير نُشِر بمجلة الجندي المسلم، الكويت، العدد 110، فبراير 2003م).

هذا حالهم، ولكن الإسلام شيء آخر!!

بدايةً قد يتعجب بعض من يرى عنوان هذا المقال!!

ووجه العجب: أن يتصور الناس أن في الجهاد رحمة، ولعل تصوُّرهم هذا صحيحًا إن كان الأمر متعلقًا بأي حضارة أو تشريع غير حضارة وتشريع الإسلام، ولعل رؤيتهم هذه تكون صادقة لو كانت مع أي زعيم أو قائد غير الرسول؛ فرحمة الرسول في ميدان الجهاد بيِّنة ظاهرة، سواء بالمسلمين أو بغير المسلمين.

والجهاد عبادة، وأي عبادة!! إنه من أرقى أنواع العبادات في الإسلام، ومِنْ أعلاها منزلةً ومكانةً.

فمن الناس من يظن أن العبادة هي الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحو ذلك من شعائر وحَسْب، ولا ينظرون إلى العبادة بمفهومها الشامل الواسع الذي يضم كل صغيرة وكبيرة في الحياة.

يقول تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162].

وانظر إلى الحوار اللطيف الذي بين رسول الله ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، وفيه يوضِّح مكانة عبادات كثيرة في الإسلام ومنها الجهاد.

يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ، الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ»، قَالَ: ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة:16].

ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟»، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟»، قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟! فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟». (الترمذي [2616] وقال: حسن صحيح، وابن ماجه [3973]، وأحمد [22069]، والحاكم [3548] وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في صحيح الجامع: صحيح. حديث رقم [5136]).

فالجهاد ليس فقط عبادة، ولكنه ذروة سنام الإسلام، والأحاديث في فضله يصعب حصرها.

ومع أهمية الجهاد، وأهمية احتياج الأمة إليه للذود عن أراضيها وحرماتها، ولرد الظلم ودفعه، إلا أن الرسول كان يتعامل مع المجاهدين والأمة بصفة عامة بشيء عظيم من الرحمة، فيقدِّر ظروفهم ويخفف عنهم ويرحمهم ويرفق بهم، مع أن الموقف قد يكون حَرِجًا لدرجة لا تسمح -في عُرْفِ كثير من الناس- برفق أو رحمة!!

ومن أجمل ما نجده في حياته متعلِّقًا بهذه الجزئية هو عدم خروجه بنفسه في كل المعارك الإسلامية، فكان يخرج في بعضها، وهو ما عُرِفَ في السيرة بالغزوات، وكان لا يخرج في بعضها الآخر، وهو ما عُرِفَ في السيرة بالسرايا.

فلماذا لم يخرج في كل المعارك مع اشتياقه للتضحية والبذل في سبيل الله؟!

يجيب عن ذلك رسول الله بنفسه فيقول: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ؛ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ». (البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب تَمَنِّي الشهادة [2644]، ومسلم: كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله [1876]، والنسائي [3098]، وابن ماجه [2753]، وأحمد [7157]).

فانظر إلى رحمته بالمسلمين المطالبين بالجهاد، فإنه يرفع عنهم الحرج بالخروج في كل مرة، لأنهم سيضطرون للخروج اتباعًا له، فيقرر عدم الخروج -مع رغبته فيه- لأجل رحمتهم والرفق بهم!

ثم إنه يرفض أن يخرج معه ضعيفٌ إلى القتال رحمة به، مع أن المسلمين كثيرًا ما كانوا قِلَّة، ويحتاجون إلى كل عون، لكنه كان رحيمًا بضعفاء أمته، ولا يقبل أن يَشُقَّ عليهم حتى لو رغبوا هم في ذلك، اللهم إلا إن أصرُّوا، ورأى منهم رسول الله بعض القدرة على القتال.

وقد رأينا في حجة النبي كيف أنه أجاب بالرفض على سؤال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الخاص بالجهاد. قالت عائشة رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».وهذه رحمة بالنساء.

وكيف أنه لم يقبل الأطفال الصغار في الحرب رحمةً بهم، وإرجاعه لبعض الشباب لكونهم يقومون برعاية آبائهم الكبار، وهكذا.

أما موقفه مع عمرو بن الجموح رضي الله عنه وأولاده؛ فمِمَّا يدل على سعة رحمته، ليس من رؤية واحدة، ولكن من عدة رؤى مختلفة. لما ندب رسول الله الناس إلى بدر، أراد عمرو بن الجموح رضي الله عنه الخروج معهم، فمنعه بنوه بأمر رسول الله لشدة عرجه، فلما كان يوم أُحُدٍ، قال لبنيه: منعتموني الخروج إلى بدر، فلا تمنعوني الخروج إلى أُحُد؛ فقالوا: إن الله قد عذرك. فأتى رسولَ الله؛ فقال: يا رسول الله إن بَنِيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة! فقال رسول الله: «أما أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك»، وقال لبنيه: «لا عليكم أن لا تمنعوه لَعَلَّ الله أن يرزقه الشهادة». فأخذ سلاحه وولَّى، وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائبًا. فلما قُتِلَ يوم أُحُد جاءت زوجُهُ هند بنت عمرو عمة جابر بن عبد الله؛ فحملته، وحملت أخاها عبد الله بن عمرو بن حرام فدُفِنَا في قبر واحد؛ فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده لقد رأيته يطأ الجنة بعرجته». (الإصابة الترجمة [5797]، وأسد الغابة [3/ 702]).

إنَّ الرحمة هنا مُرَكَّبة ومتعددة!! إنه في البداية رحيم به، فلا يريد المشقة له لعرجه، فيعفيه من أمر الجهاد ويرحمه بالمنع، وهو في ذات الوقت رحيمٌ بعائلته أن تُفجَعَ فيه بموته، وخاصة أن أربعة من أبنائه قد خرجوا للجهاد فليبقَ هو لرعاية مصالح بيتهم، ثم عندما وجد اشتياقه للجهاد رحم شوقه هذا ورغبته، وقدَّر موقفه، وأحس بمشاعره، فَقَبِلَ منه، بل وتوسَّط عند أبنائه، وهوَّن عليهم، ولما استُشهِدَ عمرو بن الجموح رضي الله عنه بشَّرهم بمصيره؛ لئلا يجزع أبناؤه، ولكيلا يندموا على خروجه.

إنها رحمات متتالية متتابعة مع أن الأمر مختص بجهاد وقتال.

وكان يخاف على جنوده من شدة الإرهاق والتعب، وذلك رحمة بهم، ومن ذلك ما فعله في غزوة فتح مكة، وكانت في رمضان، وصام رسول الله والمؤمنون، ثم بلغه أن الناس أُرْهِقُوا من الصيام، وكان ذلك بعد العصر، فماذا فعل رسول الله؟!

يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فيقول: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ؛ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». (مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية [1114]، والترمذي [710]، والنسائي [2263]).

يا لها من رحمةٍ بالغةٍ!!

إنَّه لم يشأ أنْ يسمح بالإفطار للناس بينما يتم هو صومه، لئلا يقع الناس في حرج، فبدأ هو بنقض صيامه والإفطار على ماء، ليكون قدوة لهم في ذلك، وأفطر معه معظم المسلمين، ولكن بقيت طائفة تريد أن تتم صومها، فلما بلغه ذلك، قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ!!»، لقد قال في حقهم هذه الكلمات لأنهم لا يرحمون أنفسهم، ولا يرحمون من سيقلدهم في ذلك الأمر، أو على الأقل يتحرج من إفطاره في وجود الصائمين.

إن رحمته شملت الجيش بكامله حتى أراد لهم الراحة، فلا يجمع عليهم جهد الجهاد وجهد الصيام، فإذا علمت أن كل ذلك كان بعد صلاة العصر، أدركت مدى رحمته الذي لم يشأ أن يصبر هذه المدة القليلة المتبقية على المغرب، رأفةً بجيشه، ورفقًا بأمته.

وكان يهتم بجراح جنوده وجيشه، ويحرص على مداواتها بيده إنْ استطاع، وقد رُمِيَ سعد بن معاذ رضي الله عنه في أُكْحُله -أكحله: عِرْق في وسط الذراع-، فَحَسَمَه -حَسَمَه: كَوَاه ليقف النزيف- النبي بيده بمِشْقَص -مِشْقَص: سهم بطرف حاد عريض-، ثم وَرَمت فحسمه الثانية. (مسلم: كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي [2208]، والترمذي، وابن ماجه [3494]، وأحمد [14382]).

وعندما تفاقم الجرح، ولم يستطع رسول الله أنْ يفعل شيئًا، أَوْكَلَ أمر علاجه إلى رُفَيْدَة رضي الله عنها، وكانت مشهورة بإتقانها للطب والعلاج، وضرب له خيمة في المسجد، وكان يعوده فيها بنفسه. (الإصابة الترجمة [3200]، أسد الغابة [2/ 239]، تاريخ الطبري [2/ 100]، عيون الأثر [2/ 103]، سيرة ابن هشام [4/ 198]).

وكان يحزن على أصحابه المجاهدين إنْ أصابهم ألَمٌ أو قتل، وكان من رحمته أنه يبكي عليهم، مع أنهم شهداء، ومع أنه رأس الدولة، وسيتأثر الناس ببكائه، ولكنها كانت رحمة في قلبه.

يروي أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أنْ يأتيهم خبرهم؛ فقال: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ». (البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام [4014]، والنسائي [1878]، وأحمد [1750]، والطبراني في الكبير [1460]).

وكان يحرص على راحة جنوده النفسية، وذلك باطمئنانهم على عائلاتهم أثناء خروج الجنود للقتال.

فكان يربي وينصح ويُعلِّم أمته أنْ ترعى أسر المجاهدين.

يقول رسول الله: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا». (البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جَهَّزَ غازيًا أو خلفه بخير [2688]، ومسلم: كتاب الإمارة باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله [1895] واللفظ له، والترمذي [1628]، والنسائي [3180]، وأبو داود [2509]، وابن ماجه [2759]، وأحمد [17080]، والدارمي [2419]، وابن حبان [4630]).

بل كان يتفقد بنفسه شؤون أقارب الشهداء والمجاهدين، ليشعر المجاهد أنه إذا مات فهناك من يهتم بعائلته ويرعاها، ومن ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه من أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا -هو حرام بن ملحان- مَعِي». (البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير [2689]، ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أم سليم أم أنس بن مالك [2455]).

وقد كان رسول الله يدخل على أُمِّ سُلَيْم لأنها كانت خالته إما من الرَّضاع أو من النسب على خلاف بين العلماء، فتحل له الخلوة بها. (النووي: شرح صحيح مسلم [16/ 10]).

وهكذا رحمته تشمل المجاهد وأسرته مما يُخفِّف كثيرًا من أعباء الجهاد.

وأختم هذا المبحث بأمر عجيب، ورحمة نادرة من رحماته، وهي رحمته بالفارِّين من أرض القتال!!!

فالفرار من الزحف كبيرة من الكبائر كما يعلم الجميع، وذكره رسول الله تصريحًا عندما قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، -الموبقات: المهلكات-. وذكر منها: «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ». (البخاري: كتاب الوصايا، باب إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا [2615]، ومسلم في الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها [89]، وأبو داود [2874]، والنسائي [3671]، وابن حبان [5561]).

ومع ذلك؛ فإن رسول الله كان يُفرِّق بين مَن كان عادته الفرار، ومَن حدث معه هذا الأمر كشيء عارض في حياته لا يُحتَمَلُ له تكرار، فهذا النوع الأخير كان يرحمه ويرفق به، ولا يشير إلى سلبياته.

وقد حدث فرار عدد لا بأس به من المسلمين بعد موقعة أُحُدٍ، ولم تنقل كتب السنة أو السيرة أي لوم أو عتاب من رسول الله لأولئك الفارين، بل إنه حَفَّزَهم ونشَّطهم للخروج في اليوم التالي لأُحُدٍ لمطاردة المشركين، ولم يقبل أن يأخذ معه غير أهل أُحُد في إشارة واضحة إلى أنه يثق فيهم، ويعتمد عليهم، ويعلم أن ما حدث بالأمس في أُحُد كان هفوةً عابرةً، وخطأً لن يتكرَّرَ، ومن ثَمَّ فقد أَذَّنَ مؤذِّنُ رسول الله بطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا مَنْ حضر بالأمس. (ابن سيد الناس: عيون الأثر [2/ 57]، ابن هشام: السيرة النبوية [4/ 52]).

كذلك في أعقاب غزوة مؤتة، انسحب الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه؛ لأن القوتين كانتا غير متساويتين مطلقًا، فجيش الرومان أكثر من ستين ضعفًا للجيش المسلم، ويروي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ظروف هذا الانسحاب، ورد فعل أهل المدينة له، وكذلك رد فعل الرسول فيقول: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي سَرِيَّةٍ، فَحَاصَ -فحاص: انحرف وانهزم-  النَّاسُ حَيْصَةً، وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَقُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الزَّحْفِ، وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَبِتْنَا، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَإِلا ذَهَبْنَا فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلاةِ الْغَدَاةِ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: «مَنْ الْقَوْمُ؟»، قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، قَالَ: «لا بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ -العكارون: العائدون للقتال-، وأنا فئتكم». (الترمذي [1716]، وأبو داود [2647]، وأحمد [5384]، واللفظ له، والشافعي [1001]، وأبو يعلى [5781]، وسعيد بن منصور في سننه [2539]، وحَسَّنه الترمذي).

لقد قدَّر رسول الله ظرفهم، وعذرهم، ورحمهم، بل إنه لم يكتفِ بذلك، بل مدحهم وأثنى عليهم!!

فهل رأى التاريخ مثل ذلك من الرحمة؟! وهل رفع قائد من عزيمة جنده -حتى في حال الفرار- مثلما فعل رسول الله؟!

إنه قد ثبت لنا ما قاله ربنا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].

الأحد، 12 حزيران/يونيو 2011

راغب السرجاني

أستاذ جراحة المسالك البولية بكلية طب القصر العيني بمصر.

  • 5
  • 0
  • 6,203

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً