نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

نزول الأمطار بين الخوف منها والاطمئنان بها

منذ 2014-05-20

من رحمة الله عز وجل بعباده إغاثتهم بالغيث عند حاجتهم، فينفع الله بالغيث العباد والبلاد وهذا من تدبيره سبحانه وتعالى لهم فهو وليهم الذي يتولاهم بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، وهذا سر من أسرار اسم الله الولي.

من رحمة الله عز وجل بعباده إغاثتهم بالغيث عند حاجتهم، فينفع الله بالغيث العباد والبلاد وهذا من تدبيره سبحانه وتعالى لهم فهو وليهم الذي يتولاهم بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، وهذا سر من أسرار اسم الله الولي.

الغيث في اللغة:
غوث:
الغَوْثُ يقال في النّصرة، والغَيْثُ في المطر، واسْتَغَثْتُهُ: طلبت الغوث أو الغيث، فَأَغَاثَنِي من الغوث، وغَاثَنِي من الغيث قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ..}[الأنفال:9]. والغيْثُ: المطر في قوله: {..كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ..} [الحديد:20]،[1].
الغيث: ما كان نافعًا في وقته، والغيث: المطرالآتي بعد الجفاف، سمي غيثًا بالمصدر لأن به غيث الناس المضطرين [2].
 

الغيث في الاستعمال القرآني:
قال تعالى عن تفرده بإنزال الغيث: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ}[لقمان:34].
و قال تعالى عن ولايته لعباده وتدبيره لهم بما ينفعهم: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى:28].
 

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ}[الحديد:20]، وقال تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء:102]، من خلال استعراض الآيات السابقة نجد أن القرآن الكريم استخدم (الغيث) فيما يدل على النفع والرحمة، أو الدلالة على طلب النفع أو الاستنجاد والنصرة.
 

المطر في اللغة:
مطر: المَطَر: الماء المنسكب، وقيل: إنّ "مطر" يقال في الخير، و"أمطر" في العذابِ [3].
والمطر: قد يكون نافعاً وضاراً في وقته وغير وقته [4].
قال ابن حجررحمه الله: يقال مطرت في الرحمة، وأمطرت في العذاب [5].
المطر في الاستعمال القرآني:
ذكر بعض المفسرين أن المطر في القرآن على وجهين: 
أحدهما: المطر المعروف. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: {إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ}
والثاني: الحجارة. ومنه قوله تعالى في قصة قوم لوط: {وأَمطرنا عليهم مطرًا..} [النمل:58] [6].
قال تعالى: {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}[الأنفال:32].
 

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً} [الفرقان:40]، وقال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [الشعراء:173، النمل:58].
من خلال استعراض الآيات السابقة نجد أن القرآن الكريم استخدم (مطر) فيما يدل على العذاب في الغالب .
ففي صحيح البخاري في تفسير سورة الأنفال قال سفيان بن عيينة رحمه الله: ما سمى الله مطراً في القرآن إلا عذابًا، وتسميه العرب الغيث، ويُستدرك عليه آية النساء: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} [النساء:102]، فلا تدخل تحت هذه القاعدة فالمطر هنا الغيث قطعًا، وهو رحمة فلم يستعمل في العذاب [7]، إنزال الغيث يجمع بين كونه نعمة وكونه آية دالة على بديع صنع الله تعالى وعظيم قدرته المقتضية انفراده بالألهية [8].
 

الأسباب الجالبة للغيث:
1. تقوى الله عز وجل: قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاء والأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96].
2. الاستغفار، قال تعالى عن نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:10-11].  


3. الاستقامة: قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة لأسقَينَاهُم مَاءً غَدَقاً} [الجـن:16].
4. صلاة الاستسقاء، لحديث عبد الله بن زيد الأنصاري : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه»[متفق عليه].
5. الدعاء أثناء الخطبة، لحديث أنس بن مالك أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله عز وجل يغيثنا، فرفع يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا»[متفق عليه].


6. قُحط المطر وقنط الناس: قال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب: "يا أمير المؤمنين، قُحط المطر وقنط الناس؟" فقال عمر رضي الله عنه:" مطرتم، ثم قرأ: {وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ}". وليس القحط بأن لا ينزل علينا المطر، وإنما القحط الحقيقي بأن ينزل علينا المطر ولكن لا نستفيد منه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَيْسَتِ السَّنَةُ [9] بِأَنْ لاَ تُمْطَرُوا وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلاَ تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا» [10]. والمعنى لا تظنوا أن الرزق والبركة من المطر بل الرزق من الله تعالى، فيجب التعلق به وحده .
7.  وجود العجموات لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولولا البهائم لم يمطروا» [11].
 

جعل الله عز وجل في المطر النافع فوائد عدة، منها:
1. سبب لوجود الرزق لقوله تعالى {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}[ البقرة:22].
2. إحياء الأرض لقوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}[البقرة:164].
3. مطهِّر لقوله تعالى: {..وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ..} [الأنفال:11].

4. يستفاد منه للشرب وسقي الزرع لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل:10].
 

تنزل المطر مُذهِب للخوف:
الإعجاز العلمي في الخوف والمطر
قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11].
جاء في الآية ما يشعر بأن الماء النازل كان سبباً لأمور عدة وهي:
1. التطهير بالماء النازل {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}.
2. إذهاب رجز الشيطان: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}.
3. الربط على قلوب المؤمنين: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ.
4. تثبيت أقدامهم: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}.
 

وسماه الله ماءً لما أصابهم به من خير وهو التطهير وذهاب الرجس والربط على القلوب وتثبيت الأقدام ولم يجئ لفظ المطر هنا لأن الماء جاء بالخير.
يقول الطبري رحمه الله في تفسير الآية: "مَطَرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ ، لِيُطَهِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ لِصَلاَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْبَحُوا يَوْمَئِذٍ مُجْنِبِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ اغْتَسَلُوا وَتَطَهَّرُوا. وَكَانَ الشَّيْطَانُ وَسْوَسَ لَهُمْ بِمَا حَزَنَهُمْ بِهِ مِنْ إِصْبَاحِهِمْ مُجْنِبِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ بِالْمَطَرِ فَذَلِكَ رَبْطُهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَتَقْوِيَتُهُ أَسْبَابَهُمْ وَتَثْبِيتُهُ بِذَلِكَ الْمَطَرِ أَقْدَامَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا الْتَقَوْا مَعَ عَدُوِّهِمْ عَلَى رَمْلَةٍ هَشَّاءَ فَلَبَّدَهَا الْمَطَرُ حَتَّى صَارَتِ الأَقْدَامُ عَلَيْهَا ثَابِتَةً لاَ تَسُوخُ فِيهَا، تَوْطِئَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَأَوْلِيَائِهِ أَسْبَابَ التَّمَكُّنِ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَالظَّفَرِ بِهِمْ" [12].
 

فمن من أسباب إزالة الخوف من قلوب المؤمنين تنزيل الله الماء عليهم.
تعريف الخوف:
قال الراغب رحمه الله: "هو توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة ويضاده الأمن ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية"[13].
 

الخوف والطب:
الغدة الرئيسية التي تنفعل عند الغيظ والغضب والحقد والخوف هي غدة الأدرينال(فوق الكلية)، وتفرز العديد من الهرمونات التي تؤثر في عمليات التمثيل في الجسم، ومن ضمن هذه الهرمونات :الأدرينالين Adrenaline والنورادينالين Noraderanaline فهرمون الأدرينالين يكون إفرازه استجابة لأي نوع من أنواع الانفعال أو الضغط النفسي، كالخوف أو الغضب، وقد يفرز أيضاً لنقص السكر، وعادة ما يُفْرَزالهرمونان معاً.
وإفراز هذا الهرمون يؤثر على ضربات القلب، فتضطرب، وتتسارع، وتتقلص معه عضلة القلب، ويزداد استهلاكها للأوكسجين، والغضب والانفعال يؤدي إلى رفع مستوى هذين الهرمونين في الدم، وبالتالي زيادة ضربات القلب، وقد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم.
 

كما إن ارتفاع هرمون النور أدرينالين في الدم يؤدي إلى تسارع دقات القلب، وهذا ما يشعر به الإنسان حين الانفعال أو الخوف، والذي يجهد القلب وينذر باختلاطات سيئة.
 

فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة، كما أن الارتفاع المفاجئ للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالج، وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ، وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجئ. وكلنا يسمع بتلك الحوادث المؤلمة التي تنتج عن لحظات غضب.
 

ويقول الأطباء عند الخوف تفرز في الدماء مادة (الأدرينالين)  فترتعش منها الأطراف فلا تثبت ومن وسائل تثبيت هذه الأطراف أن يرش الشخص بالماء لتقليل هذه المادة وقد كان نزول الماء أيضاً من الأسباب المادية التي جعلها الله وسيلة لتثبيت الأقدام  بتقليل هذه المادة في الدماء إلى جانب تثبيت الأرض التي يسير عليها المجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكون ثابتة تحت أقدامهم لأن الرمال إذا بللت تماسكت وسار عليها السائر بعزم وثبات وتتقدم القدم فلاتغوص.
 

وجه الإعجاز:
مما تقدم يظهر بجلاء الإعجاز في قول الحق تبارك وتعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ[الأنفال:11] حيث نطق بها النبي الأمي قبل حوالي ألف وأربعمائة عام حيث لم يكن هناك من وسائل البحث والاستنتاج ما هو متاح اليوم، حيث يخاف المؤمنون وتتزلزل قلوبهم فيتوافق معه نزول الماء من السماء، ثم يتلو محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآيات، فمن أخبر محمد صلى الله عليه وسلم  بهذه البينات [14]؟
 

فإذا كان تنزل الماء من السماء سببًا من أسباب ذهاب الخوف فلماذا يخاف الناس من تنزل الأمطار، بعد أن كانوا مسرورين فرحين بنزوله قبل حادثة سيول جدة وغيرها؟
هدي الرسول صلى الله عليه وسلم عند تنزل الأمطار يُطمئن القلوب من الخوف:
1. كشف شيء من البدن تبركاً به :  قَالَ أَنَسٌ أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَطَرٌ قَالَ فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا قَالَ «لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» [15].
 

قال النووي رحمه الله" مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَطَر رَحْمَة، وَهِيَ قَرِيبَة الْعَهْد بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى لَهَا فَيَتَبَرَّك بِهَا" [16].
2. الدعاء بالنفع والبركة: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ «صَيِّبًا نَافِعًا» [17].
 

قال الخطابي رحمه الله فيه : "الدعاء فى الازدياد من الخير والبركة فيه والنفع به" [18].
3. وإذا اشتد المطر فيدعو الله أن يصرفه عنهم إلى الأماكن التي لا تتأثر بالأمطار: عن أنس بن مالك أنه لما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ» [19].
 

قال القاضي عياض رحمه الله: "فيه استعمال أدبه الكريم وخلقه العظيم فى الدعاء، ومقابلة كل حال بما يليق بها، إذ لم يدعو صلى الله عليه وسلم برفع المطر عنهم جملة ، إذا كان غياثا من الله ورحمة، ولكن دعا بكشف ما يضر بهم عنهم، وتصييره حيث يبقى نفعه، ويوجد خصبه، ولا يستضِر به ساكن ولا ابن سبيل، فيجب التأدب بأدبه فى مثل هذه النوازل" [20].


4. من السنة أن يقول المؤذن في المطر (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ):
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَر»[21].


في الحديث: جواز التخلف عن الجماعة لعذر المطر [22].
5. التعوذ عند رؤية الريح:
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» [23]. وعنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ}»[24].
 

وأخيراً:
على العلماء أن ينشروا هدي النبي صلى الله عليه وسلم عند تنزل الأمطار في كل أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية والانترنت .
 

وعلى المعلمين والمعلمات أن يعلموا الأولاد هديه صلى الله عليه وسلم عند تنزل الأمطار، وأن يكونوا سبباً في إزالة الرعب والخوف من الأولاد، ولا يكونوا سبباً في زيادته .
 

وعلى المسؤولين القيام بالمشروعات التي تستفيد من مياه الأمطار في صلاح الأرض ومن عليها من مخلوقات حتى لا تكون سبباً في هلاكهم، والله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع .
والأمر جد خطير ، يحتاج تكاتف الجميع، وتعاونهم، من أجل صلاح الأرض ومن عليها .
سدد الله الجميع لما يحب ويرضى .
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مفردات الراغب:617.
[2] التحرير والتنوير: 25/ 156.
[3] مفردات الراغب:770.
[4] القرطبي:16/ 29 .
[5] مقدمة الفتح:1/ 184.
[6] نزعة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر:541.
[7] التحرير والتنوير:1/ 122.
[8] التحرير والتنوير:1/ 158.
[9] السَّنَةُ: الجدب والقحط
[10] صحيح مسلم: باب في سكنى المدينة ،( 7475).
[11] المستدرك على الصحيحين للحاكم : كتاب الفتن والملاحم ،( 8623).
[12] تفسير الظبري:11/ 61.
[13] مفردات الراغب:303
[14] من بحث للشيخ عبد المجيد الزنداني باختصار.
[15] مسلم: الدعاء في الاستسقاء ،( 2120).
[16] شرح النووي على مسلم:3/ 302.
[17] البخاري:بدء الوحي ،( 1032).
[18] شرح ابن بطال: 3/ 22 .
[19] صحيح البخاري: بدء الوحي ،( 1013).
[20] إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض :3/ 176 .
[21] البخاري: بدء الوحي،( 632).
[22] إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض:3/ 13 .
[23] مسلم: باب التعوذ عند رؤية الريح ،( 2122).
[24] صحيح البخاري: بدء الوحي،( 3206).

  • 6
  • 0
  • 16,693
i