نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

الأوقاف وسبل الانتفاع بها لتحقيق مقاصد الشريعة

منذ 2014-05-20

مشروعية الأوقاف وسبل الانتفاع بها لتحقيق مقاصد الشريعة في ضوء الكتاب والسنة

المقدمة:
الحمد لله الذي شرع لنا الدين، وأرسل إلينا خير المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

فقد تضمنت أحكام الشرع الحنيف مسائل وقضايا جاءت بخيري الدنيا والآخرة ولكي تضمن الحياة الكريمة للمسلم، ليسلم من نكد الحياة وعنتها، ولكي يرقى المجتمع المسلم إلى درجات من السمو والسعادة يفاخر بهذه الشريعة وبما تضمنته من أحكام في شتى أمور الحياة ومتطلباتها المتشعبة، وليتميز الفرد المسلم عن غيره من بني البشر، وليتميز المجتمع المسلم بين أمم الأرض التي لم تشرق عليها شمس الرسالة المحمدية، فضلّت عن النور المبين فهي تغدوا وتروح في ظلمات التيه والضياع.

وكان مما جاءت به الشريعة الغراء، وما نبهت عليه نصوصها المحكمة، وأكدت عليه مقاصدها النيرة التعاون بين المسلمين فيما يصلح دينهم ودنياهم، فدلت تلك النصوص بصور شتى على وجوه متعددة من البر والإحسان، ومن أبرزها أحكام الأوقاف.
ولأهمية الموضوع أحببت أن أكتب فيه بحثاً بعنوان: مشروعية الأوقاف وسبل الانتفاع بها لتحقيق مقاصد الشريعة، في ضوء الكتاب والسنة.

وجاءت خطة البحث كما يلي:
المقدمة.
التمهيد: التعريف بالأوقاف والمقاصد الشرعية.
المبحث الأول: مشروعية الأوقاف.
المبحث الثاني: مقاصد الشريعة.
المبحث الثالث: الانتفاع بالأوقاف لتحقيق مقاصد الشريعة.
الخاتمة.
المراجع.

وسرت في كتابته على المنهج التالي:
• عزوت الآيات الكريمة إلى مواضعها في القرآن الكريم.
• خرجت الأحاديث تخريجاً مختصراً.
• وثقت النصوص من المراجع التي نقلت منها.
• سلكت منهج الاختصار، والاقتصار على المهم في كل مبحث.
وأسأل الله أن ينفع به وأن يجعله في ميزان حسناتي.

التمهيد: التعريف بالأوقاف والمقاصد الشرعية.
أولاً: الأوقاف.
لغة: قال ابن فارس: "الواو، والقاف، والفاء أصل واحد يدل على تمكث في الشيء يقاس عليه" [معجم مقاييس اللغة 6/135].
والوقف يعني: الحبس قال ابن منظور: "ووقَف الأرض على المساكين وللمساكين وقْفاً حبسَها" [لسان العرب 9/359]، وقال: "والحُبُسُ بالضم ما وُقِفَ وحَبَّسَ الفَرَسَ في سبيل الله وأَحْبَسَه فهو مُحَبَّسٌ وحَبيسٌ، وتحبيس الشيء أن لا يورث ولا يباع ولا يوهب ولكن يترك أصله ويجعل ثمره في سُبُلِ الخير" [لسان العرب 3/69].
وقيل للموقوف "وقف" تسمية بالمصدر، من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، لذا جمع على أوقاف كوقت وأوقات [المغرب 2/258].

اصطلاحاً:
تعددت تعريفات الوقف لدى المذاهب الفقهية وذلك لاعتبارات ترجع إلى أصول كل مذهب، وإلى أحكام الأوقاف في كل مذهب، ومن تلك التعريفات:
فعند الحنفية قال السرخسي: "حبس المملوك عن التمليك للغير" [المبسوط للسرخسي 12/27].
وعند المالكية، قال ابن عرفة: "إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاءه في ملك معطيه ولو تقديراً" [شرح منح الجليل 4/34، ومعنى تقديراً: أي تعليقاً؛ لأن المالكية يجيزون الوقف المعلق].
وعند الشافعية قال النووي: "تحبس ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته، ويصرف في جهة خير تقرباً إلى الله تعالى" [المجموع شرح المهذب 14/219].
وعند الحنابلة قال ابن قدامة المقدسي: "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة" [المقنع 2/307].
وهذا هو التعريف المختار لكونه جامعاً مانعاً، وقد اقتصر على ذكر حقيقة الوقف [أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية 1/72-73].

ثانياً: المقاصد الشرعية:
المقاصد جمع مقصد، بفتح الميم، والمقصد مدر ميمي مشتق من الفعل قصد يقصد قصداً، ومقصَداً، ومقصِداً [معجم مقاييس اللغة 5/95]، فالقصد، والمقصد بمعنى واحد، ويأتي القصد على معانٍ منها:
استقامة الطريق: يقال قصد الطريق قصداً: أي استقام [لسان العرب 5/3642]، ومنه قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ} [النحل:9]، قال ابن جرير الطبري: "السبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه" [جامع البيان 17/147].

والقصد يعني: العدل، والتوسط بين الإفراط والتفريط، ومنه قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان:19]، قال ابن عاشور: "والقصد: الوسط العَدل بين طرفين، فالقصد في المشي هو أن يكون بين طرف التبختر وطرف الدبيب ويقال: قصد في مشيه. فمعنى {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}: ارتكب القصد" [التحرير والتنوير 11/130].
القصد يعني: التوجه، والأمّ، فيقال: قصد البيت إذا توجه إليه، وأمّ إلى البيت أي: قصد إلى البيت.

اصطلاحاً:
تعددت أقوال العلماء في تعريف المقاصد، ومنها:
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عبارات كثيرة في مراده بالمقاصد، ومنها: "الغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته سبحانه وهي ما تنتهي إليه مفعولاته، ومأموراته من العواقب الحميدة التي تدل على حكمته البالغة" [مجموع الفتاوى 3/19].

وقال الطاهر بن عاشور: "هي المعاني والحكم الملحوظة في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة" [مقاصد الشريعة، له ص51].

وقال علال الفاسي: "الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها" [مقاصد الشريعة، له ص3].
والتعريف الأنسب للمقاصد هو ما حرره محمد اليوبي بقوله: "هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشرع في التشريع عموماً وخصوصاً من أجل تحقيق مصلحة العباد" [مقاصد الشريعة، له ص37].

المبحث الأول: مشروعية الأوقاف من الكتاب والسنة.
فلعلاقة المقاصد الشرعية للوقف بما جاء فيها من نصوص تثبت مشروعيتها، فهذه جملة من النصوص الواردة في مشروعية الوقف:
أولاً: الأدلة التي تحث على عموم الصدقة:
استدل الفقهاء رحمهم الله تعالى على مشروعية الوقف بعموم النصوص التي تحث على الصدقة ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان:67]، قال ابن كثير: "أمر تعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، فإن يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه" [تفسير القرآن العظيم 4/185].

وقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران:92]، وقوله تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280].
وقد فهم الصحابة الكرام المراد من الآية الكريمة الأولى فبادروا للعمل بها فعن أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً وكان أحبّ أمواله إليه بَيْرحاء وكانت مستقبِلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيِّب. قال أنس فلما نزَلَتْ هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال إن الله يقول في كتابة: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله فَضَعْها يا رسول الله حيث شِئْت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَخْ ذلك مالٌ رابح ذلك مالٌ رابح قد سمعت ما قُلْتَ فيها وإني أرى أنْ تَجْعلها في الأقربين» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (1461)، ومسلم في صحيحه ح (2315)].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلْم يُنتفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» [أخرجه مسلم في صحيحه ح (4223)].
قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الجواب له، إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها؛ فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف [شرح النووي على مسلم 6/21].

ثانياً: الأدلة الخاصة في مشروعية الوقف:
عن عمرو بن الحارث أخي جُوَيْرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضي الله عنهما، قال: "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً، ولا درهما، ولا عَبْداً، ولا أَمةً، ولا شيئاً إلا بَغْلَتَه البيضاء التي كان يركبها، وسِلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقةً" [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2588)]. ومناسبته هنا، ودلالته على مشروعية الوقف كما يقول ابن حجر: "لأنه تصدق بمنفعة الأرض فصار حكمها حكم الوقف، وهو في هذه الصورة في معنى الوصية لبقائها بعد الموت" [فتح الباري 5/360].

وعن ابن عمر قال: "أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أُصِب مالاً قط هو أنفَسُ عندي منه فما تأمرني به قال: «إن شئتَ حَبَسْتَ أصلها وتصدقت بها». قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب" [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2737)، ومسلم في صحيحه ح (4224)].

ولفظ الحديث في غير الصحيحين: "قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أُصِب مالاً قط أعجب إليَّ منها قد أردت أن أتصدق بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احبس أصلها وسَبِّلْ ثَمَرَتها»" [أخرجه النسائي في سننه ح (3605)، وابن ماجه في سننه ح (2487)، قال الألباني: صحيح، إرواء الغليل 6/31].
قال ابن حجر في هذا الحديث: "وحديث عمر أصل في مشروعية الوقف" [فتح الباري 5/392].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدْراعه وأَعْتَدَه في سبيل الله» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (1468)، ومسلم في صحيحه ح (2277)].

قال النووي: "وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول" [شرح النووي على صحيح مسلم 3/416].
تنبيه: تتفق الصدقة مع الوقف في كونهما مما يبتغى به وجه الله تعالى، وأنهما مما يندب إليه المسلم، وجواز ذلك من كل واحد منهم، ويفترقان فيما يخص العين المتصرف فيها فبالصدقة يأخذها المتصدق عليه، وتفنى العين، وأما الوقف فالعين الموقوفة باقية والانتفاع بها مستمر للموقف عليه.

المبحث الثاني: مقاصد الشريعة.
للوقف مقاصد شرعية مقررة ومعلومة وثابتة بنصوص الشرع أو استنباط العلماء واستقراء المجتهدين، وبيان هذه المقاصد مفيد جداً من جهة تحقيق المعرفة الدقيقة بأحكام الوقف ومدلولاتها وأغراضها التي أراد الشارع من التشريع الوقفي، كما أن بيان هذه المقاصد الشرعية المعتبرة الصحيحة يعين كثيراً في عملية الاجتهاد الفقهي المعاصر في قضايا الوقف [الوقف العالمي، د. نور الدين الخادمي ص 12].
وهنا بيان مختصر للمقاصد:
تنقسم المقاصد الكلية الشرعية باعتبار أهميتها وآثارها في قوام أمر الأمة الإسلامية وتنميتها إلى ثلاثة مراتب:

المرتبة الأولى: الضروريات:
وهي "ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد، وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين" [الموافقات للشاطبي 2/4].

ولتحديد هذه الضروريات نجد قول الغزالي: "ومقصود الشرع من الخلق هو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم... وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضروريات، فهو أقوى المراتب في المصالح" [المستصفى 1/287].

المرتبة الثانية: الحاجيات:
هي "المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم" [مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص 34].

المرتبة الثالثة: التحسينيات:
هي "ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات" [المستصفى 1/390].
وهذه المراتب مترابطة فهي تحفظ المصالح العليا وتحقق المقاصد الشرعية في جميع نواحي الحياة، وجاءت الأحكام الشرعية لحفظها بدءاً بحفظ الضروريات، ويراد بحفظ الضروريات: إيجادها وصيانتها في حدها الأدنى الذي لا تقوم ولا تدوم إلا به، أما التوسع بما يزيد على الحد الأدنى الضروري، فذلك يدخل فيما سماه العلماء بالحاجيات والتحسينيات [مدخل إلى مقاصد الشريعة ص 66].

وتحقق من خلال الوقف للمجتمع الإسلامي المقاصد الشرعية الكلية الثلاثة: الضرورية، والحاجية، والتحسينية في مختلف الأزمنة والأمكنة على مستوى العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ولجميع طبقات أفراد المجتمع، وهذا الشمول في المقاصد قد لا يتوافر في قربة أخرى [مفهوم الوقف ومقاصده ص679، د. عبد الوهاب أبو سليمان، ضمن بحوث ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية، وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض 421هـ].

ويجب أولاً تحقيق الضروريات في حدها الأدنى لتستقيم للناس أمورهم الدينية والدنيوية، فإذا تحققت الضروريات انتقلت أولويّة العمل إلى تحقيق الحاجيات، ففقد الناس للحاجيات ينشأ عنه ضيق وحرج ونكد، ومن شأن الاستمرار في فقدها واختلالها إلحاق الضرر بالضروريات نفسها، ومن هنا كان حفظ الضروريات مقتضياً حفظ الحاجيات، ثم يأتي بعد تحقيق الضروريات والحاجيات كل مصلحة وكل منفعة لا تصل إلى حد الضرورة أو الحاجة، ولكن فيها نوع إفادة للناس في أي جانب من جوانب حياتهم الدينية والدنيوية، وتحصيلها يضفي على الحياة كمالاً وجمالاً وسمواً [مدخل إلى مقاصد الشريعة 67 – 72 (بتصرف)].

ويكون حفظ الضروريات بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها من جانب الوجود.
ثانيهما: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك من جانب العدم [الموافقات ص 1/7].

وهذا بيان مختصر عن كل ضرورة من الضرورات من جهتي الوجود والعدم.

أولاً: حفظ الدين:
ويعد من أكبر الكليات الخمس وأرقاها وقد شرع الله ما يحقق حفظ الدين من جانب الوجود، وما يحقق حفظ الدين من جانب العدم [مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص43].

الأدلة الشرعية في حفظ الدين من جهة الوجود:

فأول ما يجب حفظه من الدين الإيمان بالله، وأسمائه وصفاته، والتصديق بنبيه محمد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} [النساء:136]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، وبعد أن يستقر الإيمان بالله ورسوله في القلب يتوجب حفظ شعائر الإسلام وعباداته المفروضة، وأن تكون أفعال المكلف جميعها عبادة الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» [أخرجه البخاري فلي صحيحه ح (8)، ومسلم في صحيحه ح (19)].

ومما يحفظ به الدين التمسك الحقيقي به والدعوة إليه، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل:125]، وقال تعالى في بيان أهمية الدعوة إليه سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصحية، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [أخرجه مسلم في صحيحه ح (95)]، قال الخطابي في شرح الحديث: "معنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به، ونهى عنه، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم" [معالم السنن 4/125].

الأدلة الشرعية في حفظ الدين من جهة العدم:
الترهيب والتحذير مما يسلب الإنسان دينه من أقوال وأفعال تناقض أصل الإيمان بالله ورسوله، فمما ورد في ذلك لحفظ الدين التحذير من الشرك بالله الذي يؤدي إلى سلب الإيمان من الإنسان كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء:48]، وقال سبحانه: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً} [الإسراء:22]، ومما ورد في ذلك من الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خَلَقَك» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (4477)، ومسلم في صحيحه ح (141)].

ومن أجل حفظ الدين شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]، وقال سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (25)، ومسلم في صحيحه ح (36)]
وما حثت عليه الشريعة لحفظ الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [أخرجه مسلم في صحيحه ح (78)]

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من الحقوق الواجبة لمن رغب في الجلوس في الطرقات: «والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2465)، ومسلم في صحيحه ح (2121)]، وكل هذا من أجل التواصي على حفظ الدين.

ومما حثت عليه الشريعة لحفظ الدين هو الترهيب الشديد من البدع؛ لأن في ذلك مضادة لأمر الله باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وتحريفاً للدين القويم الذي جاء به، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران:132]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رَدٌّ» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2697)، ومسلم في صحيحه ح (1718)]، قال ابن رجب: "إن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جارياً تحت أحكام الشرع موافقاً لها، فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن ذلك، فهو مردود" [جامع العلوم والحكم].

ومن أجل تمام المحافظة على الدين واستقامة أمره جاء النهي الصريح عن التعامل مع كل من يكون فعله مضاداً للتوحيد كالسحرة، قال تعالى في التحذير من شرورهم: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} [البقرة:102]، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات – المهلكات – التي تهلك دين الإنسان فجعل أولاها الشرك بالله وثانيها السحر [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2766)، ومسلم في صحيحه ح (145)].

ثانياً: حفظ النفس:
المقصود به: حفظ الأرواح من التلف أفراداً وعموماً؛ لأن العالم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصها التي بها بعض قوام العالم [أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية ص 225].
الأدلة الشرعية في حفظ النفس من جهة الوجود:

وحفظ النفس يكون من جهتين:

الصحة البدنية:
جعل من واجب الزوج الإنفاق على زوجه الحامل ولو كانت طالقاً لما في ذلك من حفظ نفسها وحفظ نفس جنينها، وبعد الطلاق يرشد الله سبحانه الأبوين بإرضاع الولد والإنفاق عليه حتى لا يكون الخلاف بينهما سبباً في تلف نفس المولود، حتى إذا اضطروا إلى استئجار من يرضع له، قال تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق:6].

ونهى من يصوم الدهر فقال صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (5063)]، وجعل ذلك مما يخالف سنته صلى الله عليه وسلم، وهديه القويم، ومقابل ذلك أن على الإنسان أن يعتني بطعامه وشرابه لتقوى نفسه للقيام بما أوجب الله عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: من الآية 172]» [أخرجه مسلم في صحيحه ح (1015)].

والصحة النفسية:
فجعل سبحانه من فوائد الزواج حصول سكون المرء بزوجه وتحصيل حاجته النفسية من الزواج بحصول المودة والرحمة بين الزوجين، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21].

ومن أجل صحة نفسية أفضل علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الإكثار من الاستعاذة بالله مما يقلق الإنسان من ماضيه ومستقبله، ومن كل ما يعكر عليه صفو حياته، قال أنس بن مالك: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجُبْن، وضلْع الدَّيْن، وغَلَبَة الرجال» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (6363)].

وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طِيَرَة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة» [أخرجه مسلم في صحيحه ح (5765)، ومسلم في صحيحه ح (2224)].

الأدلة الشرعية في حفظ النفس من جهة العدم:
النهي عن قتل النفس، قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء:29]، قال القرطبي: "وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال أن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناول النهي" [الجامع لأحكام القرآن 5/328].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن قتلَ نفسه بشيء، عذَّبه الله به في نار جهنم» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (6653)، ومسلم في صحيحه ح (177)].
وكذلك تحريم الاعتداء بالقتل على نفوس الآخرين، قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام:151]، وجعل سبحانه وتعالى شديد العقاب على من أقدم على قتل النفس بغير حق، فقال سبحانه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات المهلكات لدين الإنسان: قتل النفس المعصومة بغير حق، فقال صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسِّحْر، وقَتْل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2766)، ومسلم في صحيحه ح (593)].

ومن أجل الحفاظ على النفس من التلف في حال المخمصة والجوع أباح الله للمضطر أن يأكل مما حرم عليه ليحفظ به نفسه من الهلاك، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119]، قال ابن كثير: "أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم" [تفسير القرآن العظيم 2/145)]، قال ابن عاشور: "أي إلا الذي اضطُررتم إليه، فإن المحرّمات أنواع استثني منها ما يضطّر إليه من أفرادها فيصير حلالاً" [التحرير والتنوير 8/33].

وفي حديث جابر عن سرية الخبط: "قال أبو عبيدة مَيْتَةٌ ثم قال لا بل نحن رُسُل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكُلُوا" [أخرجه مسلم في صحيحه ح (4998)]، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وفي الحديث دليل على استباحة المحظورات لحفظ الضرورات، فعندما كاد أن يهلك الصحابة من الجوع أرسل الله لهم هذه الدابة، واجتهد أبو عبيدة ومن معه من الصحابة للأكل منها للحفاظ على أنفسهم من الهلاك.

ثالثاً: حفظ العقل:
بالمحافظة عليه عما يضره في مادته وجوهره، وما يذهب بوظيفته جزئياً أو كلياً، وتنميته لاستخدامه فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه.
قال ابن عاشور: "إن معنى حفظ العقل حفظ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل؛ لأن دخول الخلل على العقل مؤد إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف" [مقاصد الشريعة ص 80].
وقد ميز الله الإنسان بالعقل وجعله مدار التكليف، ودليلاً تابعاً لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

الأدلة الشرعية في حفظ العقل من جهة الوجود:
فقد جعل الله لمن حفظ عقله وزكّاه بالعلم منزلة فوق منزلة من لم يرفع نفسه بالعلم، قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة:11]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9]، ولأن مادة العقل وغذاه إنما يكون بالعلم وخاصة العلم الشرعي الذي يقرب الإنسان من ربه لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم على الإنسان هو التفقه في الدين فقال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» [شرح صحيح البخاري 1/154]، قال ابن بطال: "فيه فضل العلماء على سائر الناس، وفيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله؛ لأنه يقود إلى خشية الله، والتزام طاعته، وتجنب معاصيه" [أخرجه البخاري في صحيحه ح (71)، ومسلم في صحيحه ح (1037)].

الأدلة الشرعية في حفظ العقل من جهة العدم:
فقد حرمت الشريعة كل ما يكون سبباً في تعطيل العقل عن قيامه بما خلق له لتحقيق ذكر الله وطاعته وحسن عبادته، قال تعالى عن تحريم الخمر الذي يعد من أسباب إفساد العقل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90]، قال السعدي: "فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصاً إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل لهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضاً بقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:91]؛ لأن العاقل – إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد – انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ" [تيسير الكريم المنان ص 243].
قال الزحيلي: "فالعقل الذي يهبه الله تعالى للإنسان، أباح الله سبحانه كل ما يكفل سلامته وتنميته بالعلم والمعرفة، وحرم كل ما يفسده ويضعف قوته كشرب المسكرات وتناول المخدرات وأوجب العقوبة الزاجرة على من يتناول شيئاً منها فيضمن بذلك حفظ العقل مناط التكليف" [أصول الفقه الإسلامي 2/1021].

رابعاً: حفظ النسل:
الحفاظ على التناسل والتوالد الذي هو أساس استمرار الحياة، وبقاء النوع الإنساني [مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص 45].

الأدلة الشرعية في حفظ النسل من جهة الوجود:
لأن الزواج هو السبيل الشرعي السليم للمحافظة على النسل والتكاثر بين أفراد المجتمع المسلم فقد حث الشارع الحكيم على الزواج والتعداد فيه في مثل قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (5065)، ومسلم في صحيحه ح (1400)]، وإن كان الحديث قد حث على الزواج من أجل حفظ البصر وإحصان الفرج وهي من المقاصد التبعية فتحقيق المقصد الأصلي وهو المحافظة على النسل من باب أولى.

وكذلك أوجبت الشريعة النفقة على الوالد من أجل المحافظة على النسل، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233]، قال القرطبي: "وهذه الآية دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لعجزه وضعفه، كما أجمع العلماء أن على المرء نفقة ولده الذي لا مال له" [الجامع لأحكام القرآن 3/163].

الأدلة الشرعية في حفظ النسل من جهة العدم:
فقد حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كل السبل المفضية إلى ضياع النسل، وإلى كل ما فيه استخدام لتلك الفطرة في غير المكان الذي خلق من أجله.
قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} [الإسراء:32]، قال ابن عاشور: "عطف هذا النهي على النهي عن وأد البنات إيماءً إلى أنهم كانوا يعدون من أعذارهم في وأد البنات الخشية من العار الذي قد يلحق من جراء إهمال البناء الناشئ عن الفقر الرامي بهن في مهاوي العهر، ولأن في الزنى إضاعة نسب النسل بحيث لا يعرف للنسل مرجع يأوي إليه وهو يشبه الوأد في الإضاعة" [مباحث في المقاصد والاجتهاد والتعارض والترجيح ص 45]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذَّاب، وعائل مستكبِر» [أخرجه مسلم في صحيحه ح (107)].

قال ابن القيم: "لما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاف الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة" [إعلام الموقعين 2/82].
وحرمت الشريعة اللواط، والقذف، لما فيهما من جناية عظيمة على النسل.

خامساً: حفظ المال:
بالمحافظة عليه من الإتلاف [مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 80]، ومنع استخدامه فيما يضر، وتنميته بالطرق الشرعية.
ينظر الإسلام إلى المال على أنه وسيلة لتحقيق مقاصد شرعية ودنيوية وأخروية، فردية واجتماعية، فلا يستطيع المرء أن يحافظ على حياته المادية إلا بالمال، فبه يأكل وبه يشرب، وبه يلبس، وبه يبني مسكنه، وبه يصنع سلاحه الذي يدافع به عن نفسه وحرماته، وبه يطور نفسه ويرقيها [مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال ص 10].

الأدلة الشرعية في حفظ المال من جهة الوجود:
فأباح الله تداول المال بالسبل المشروعة حين أباح البيع {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275]، ومدح الشارع الحكيم الضرب في الأرض للتجارة وسماه ابتغاء مرضاة الله، فقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10].

وحثت الشريعة الكريمة على العمل وتحصيل المال من الطرق المشروعة ومنها كسب اليد، قال صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط، خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (2072)].

الأدلة الشرعية في حفظ المال من جهة العدم:
في تحريم الربا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤْكله، وكاتبه، وشاهديه [أخرجه مسلم في صحيحه ح (1597)].

كذلك حرم الشارع الحكيم أكل أموال الناس بالباطل كقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [أخرجه البخاري في صحيحه ح (67)، ومسلم في صحيحه ح (1218)].
وشرع الإسلام قطع يد السارق لحماية الأموال من أن يعتدي عليها المجرمون.

ولأهمية المحافظة على المال جاء الأمر بالتوسط في التعامل معه كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29]، كما قال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان:67]، ففيهما الأمر بالكف عن الإمساك المذموم، والإسراف والتبذير كل ذلك من أجل المحافظة على المال من الضياع أو حبسه عن أن يقوم بدوره في تحقيق مقاصد الشريعة منه.

المبحث الثالث: الانتفاع بالأوقاف لتحقيق مقاصد الشريعة.

تتضح أهمية الانتفاع بالأوقاف من خلال النظر في ما يحققه من مقاصد وغايات تسهم مساهمة فاعلة في تحقيق النفع للفرد المسلم ولمجتمعه، ومن تلك المقاصد والغايات ما يلي:
أولاً: المقصد العام للأوقاف.

فللأوقاف دور اجتماعي واقتصادي مهم في حياة الأمة الإسلامية، ونظراً لأن كل مجتمع، وكل فترة تمر بالمسلمين تحتاج إلى مورد مستمر يحقق منافع كثيرة في أشكال متعددة، وصور مختلفة بما يجعل المجتمع المسلم في حالة مستقرة في معيشته، وأموره المادية، وهذا الاستقرار يعود بالنفع على المسلمين من ناحية قدرتهم على الاستقلال عن التبعية لغيرهم، ويؤدي إلى تمكين مجتمعهم وتحصينه ضد الأمراض الاجتماعية التي تنتج من الفقر والعوز، وتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المسلم يعين الفرد المسلم على تفريغ قلبه من هموم العيش وتكاليف الحياة وهذا يعينه على تحقيق الغايات السامية في حياته، وهي عبادة الله تعالى، فهذا إبراهيم عليه السلام يطلب من ربه تعالى أن يحقق الأمن الاجتماعي والاقتصادي لأهل بلده حتى يتمكنوا من عبادته تعالى على أكمل وجه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة:126].

ومن خلال النظر في دور الأوقاف في العصور الإسلامية الماضية نجده حقق الكثير من الأهداف السامية للمجتمعات الإسلامية، وتعدى دورها إلى تحقيق الأمن الفكري حين حافظت كثير من دور العلم على دورها البناء بفضل الله ثم بما كانت تدره عليها الأوقاف المخصصة لها.
وتحقيق هذا الهدف في حد ذاته مدعاة إلى اليقين بأهمية الأوقاف في المجتمع المسلم، وضرورة التوعية بأهميته بين جميع أفراد المجتمع المسلم.

ثانياً: المقاصد الخاصة للأوقاف:
للأوقاف مقاصد خاصة يحققها للفرد المسلم ولمجتمعه ومن تلك الأهداف:
أ – على مستوى المجتمع المسلم.
1 – تحرير رؤوس الأموال العينية والنقدية.
حيث يعمل الوقف على تحويل رؤوس الأموال من كنوز مدخرة لدى أصحابها، معطلة عن دورها في تنمية المجتمع المسلم إلى أموال محررة ذات فاعلية كبرى في خدمة التنمية الشاملة للمجتمع المسلم.
2 – تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي.
فقد خلق الله الناس مختلفين في صفاتهم الجسدية والعقلية وترتب على ذلك تفاوت في طاقاتهم وقدراتهم في التعامل مع متطلبات الحياة، فجاء الوقف ليحقق مبدأ التكافل والتعاون بين المسلمين، فحين يقوم الغني بحبس وقف على فقراء المسلمين فهذا يسهم في تخفيف معاناتهم، ويحس الفقير بانتمائه لهذا المجتمع الذي كفل له حق العيش بكرامة.
3 – إدامة استخدام المال لأطول مدة.
فإن المال يفنى، وإذا لم توجد سبل وطرق لاستدامة استخدامه فإنه يفقد أهميته، لذا كان الوقف من أسباب إدامة استخدامه لأطول مدة ممكنة، محققاً الهدف من وجوده وهو تسهيل سبل العيش للناس.
4 – المحافظة على رؤوس الأموال.
فقد جاءت الأحكام الشرعية الخاصة بالأوقاف بالمحافظة على أعيان الوقف، ووضعت شروطاً للتصرف فيه، وأن لا يباع ولا يتلف بسوء تصرف من أحد مهما كان، وكل هذا من أجل المحافظة على رؤوس الأموال من الضياع والاندثار.
5 – التفاعل التنموي للأوقاف.
إن المشاركة الفاعلة التي يحظى بها الوقف بين فئات المجتمع الرسمية منها والأهلية يبرهن على قدرة الوقف على إيجاد حركة تنموية تفاعلية بين الأطياف المتعددة للمجتمع الواحد، بحيث لا تستقل فئة بعملها عن غيرها وإنما هي عملية شراكة من عدة أطراف تظهر مدى اللحمة والتعاون والصلة بين أفراد ذلك المجتمع.
6 – تحقيق مفهوم التنمية الشاملة.
فالأوقاف ليست مقتصرة على جانب واحد من جوانب الحياة، ولكنها تشمل جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وكل ما يحتاجه المجتمع بعامة وأفراده على وجه التخصيص فلكل إنسان حاجة يختلف كماً ونوعاً عن غيره، فالأوقاف تعتبر هي حجر الأساس للتنمية الشاملة للمجتمعات الإسلامية، وتعطي بعداً آخر في قدرة المجتمع المسلم على التخطيط المبكر لمتطلبات الحياة وظروفها المستقبلية المتقلبة.
7 – إيجاد موارد شرعية للتمويل المادي.
فحاجة الإنسان قد تضطره للبحث عن مورد يستدين منه، وفي الغالب في هذا العصر لا تخلو كثير من التعاملات في هذا الجانب من الربا أو من شبهة الربا، فيكون استثمار الوقف ممكناً لإيجاد مخارج سليمة للمحتاجين تحقق لهم القرض الحسن الحلال.

ب – على مستوى الأفراد.
1 – تحرير النفس من البخل.
فحين حث الشارع الحنيف المسلمين في الأوقاف فهذا يدفع المسلم للتخلص جزئياً من حب المال، ويدفعه للتخفيف من أعراض علة من علل النفوس المتعلقة بالمال وهي البخل، حيث جبلت النفوس على حب المال، وادخاره.
2 – ابتغاء مرضاة الله، وفتح باب الأجر والمثوبة.
إن مما يحققه الوقف من أهداف هو ما يناله المسلم من الثواب والأجر من الله تعالى، فحين يوقف الإنسان شيئاً مما يملكه ويبتغي بذلك وجه الله تكون مثوبته عند الله عظيمة بامتثاله أمر الله بالبذل في وجوه البر.
3 – استمرار أجر الواقف بعد موته.
كل إنسان له مدة محددة من العمر تنقضي بموته، ويوقف عند ذلك عمله الذي ينال به مرضاة الله، والوقف من أسباب استمرار أجره بعد موته، وقد يستمر هذا الأجر مدة من الزمن أطول من مدة عمره.
4 – تأمين مستقبل المرء وذريته من بعده.
فالوقف يوجد مورداً ثابتاً للمرء وذريته من بعده، يضمن لهم بعد الله مصدراً للرزق وللحياة الكريمة، لا يحتاجون فيها لمد يد السؤال لأحد، ويقيهم من العوز والفاقة.

وبنظرة تاريخية لما حققه الوقف في الماضي من إنجازات رائدة في جميع مجالات الحياة التي يمكن أن تندرج تحت مراتب المقاصد الثلاث السابقة الذكر يمكننا أن نستفيد منها في تفعيل استثمار الأوقاف لتحقيق مقاصد الشريعة في العصر الحاضر.
يقول ابن عاشور: "ومن مقاصد الشريعة فيها – الأوقاف – التكثير منها، لما فيه من المصالح العامة والخاصة، التي يستحقها من هو مقصود بالنفع، أو تقام عليها المصالح العامة، يدفع الإنسان إليها حبه للخير، وسخاء نفسه بالفضل، وابتغاء ما عند الله جل وعلا" [مقاصد الشريعة ص 188].

وأعرض هنا أهم سبل الانتفاع بالأوقاف مرتّبة حسب الضروريات الخمس:
فمن سبل الانتفاع بالأوقاف في حفظ الدين ما يلي:
• إقامة المساجد، حيث تعتبر من محاضن الدين ومن المعالم التي تربط الناس بدين الله تعالى.
• كفالة الدعاة الذين يقومون بتعليم الناس العلوم الشرعية.
• طباعة المصحف الشريف، وتوزيعه على عامة المسلمين.
• الإنفاق على حلقات تحفيظ القرآن الكريم.
• طباعة كتب السنة، والعلم الشرعي، وتوزيعها على طلبة العلم.
• إقامة الدورات العلمية التي تحث الناس على اتباع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديهما.
• إقامة الدورات وطباعة المطبوعات التي تحذر من الشرك، وكل ما يخالف العقيدة الصحيحة.
• تشييد وبناء المدارس الوقفية، سواءً كان بناءً مادياً أو علمياً.
• إقامة الأوقاف التي تدعم الجيش في بلاد المسلمين لحماية الثغور.
• إقامة المسابقات العلمية لحفاظ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
• إقامة الدورات التدريبية التثقيفية والتطويرية للشباب المسلم للمحافظة عليهم من مظاهر الانحراف العقدي والسلوكي.

ومن سبل الانتفاع بالأوقاف في حفظ العقل ما يلي:
• إيجاد مراكز تعنى بتنمية التفكير، ومهاراته.
• رعاية الموهوبين من الطلاب والطالبات وتشجيعهم.
• إقامة المسابقات العلمية في الاختراعات الحديثة.
• إقامة المراكز البحثية المتخصصة في الجامعات في العلوم الشرعية، والتجريبية.
• بناء المدارس والجامعات المتخصصة في جميع العلوم التي تحتضن في أروقتها أفذاذ أبناء المسلمين.
• كفالة طلاب من خارج البلاد؛ لتعليمهم العلوم الشرعية.
• إنشاء المراكز الإعلامية المتميزة التي تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
• إنشاء المكتبات العلمية المتخصصة في شتى فنون المعرفة.

ومن سبل الانتفاع بالأوقاف في حفظ النفس ما يلي:
• بناء المستشفيات التي تعالج الفقراء والمعوزين.
• بناء المصحات لذوي الاحتياجات الخاصة، أصحاب الإعاقة البدنية أو العقلية.
• إقامة دور للعجزة والمسنين، والمنقطعين، والمحتاجين.
• إقامة دور لحالات الطوارئ، وملاجئ يحتمي فيها الناس عند الكوارث.
• بناء دور الأيتام، والمطلقات الذين لا يجدون من يعولهم.
• بناء المستشفيات المتخصصة في أمراض العصر التي تفتك بالناس.
• تقديم المساعدات للمحتاجين للعلاج في المستشفيات.
• تقديم الخدمات الطبية المتجولة التي يمكن أن تصل إلى الأماكن النائية.

ومن سبل الانتفاع بالأوقاف في حفظ النسل ما يلي:
• تحمل تكاليف الزواج أو شيء منها عمن لا يستطيع.
• إقامة الدورات التدريبية للراغبين في الزواج بحثاً عن استدامة الزواج.
• إقامة جمعيات للصلح بين الزوجين في حال وجود خلافات قد تؤدي إلى الطلاق.
• إقامة المساكن ذات الأجور المنخفضة لتمكين المتزوجين من العيش؛ إذ إن هذا أكبر العقبات أمام المتزوجين في العصر الحاضر.
• تقديم الاستشارات الشرعية، والاجتماعية، والطبية للمتزوجين حديثاً حتى يأتي النسل سليماً من العيوب.
• دعم برامج التثقيف الصحي للحوامل من أجل سلامتهن، وسلامة ما يحملن في أرحامهن.
• إقامة دور للحضانة لمساعدة العاملات على حضانة أطفالهن.

ومن سبل الانتفاع بالأوقاف في حفظ المال ما يلي:
• إقامة المصانع التي تحمي رؤوس الأموال من الهجرة.
• تشغيل أبناء المسلمين في تلك المصانع للحد من البطالة.
• دعم المشاريع الصغيرة للأفراد لتدوير المال والمحافظة على حركته المستمرة.
• استثمار الأوقاف في المشاريع المشروعة لتنمية المال.
• تقديم القروض الميسرة للمحتاجين.

الخاتمة:
خرجت من هذا البحث بالنتائج والتوصيات التالية:
أولاً: شمول الشريعة الإسلامية لجميع مجالات الحياة.
ثانياً: أن أحكام الشريعة تلبي وتنظم حاجات الناس في جميع الأزمنة والأمكنة.
ثالثاً: أن العلماء رحمهم الله قد بذلوا جهدهم في بيان أحكام الوقف وغيره بما يوافق طبيعة كل زمان ومكان.
رابعاً: تعدد تعريفات الوقف عند الفقهاء كان سببه الاختلاف في أصول المذهب حين نظرت إلى الوقف، والواقف، والموقوف.
خامساً: أن مقاصد الشريعة هي المصباح المنير لمعرفة الغايات التي بنيت عليها الأحكام الشرعية.
سادساً: أن للوقف أهمية بالغة لما يحققه من أهداف تنموية للفرد المسلم ولمجتمعه.
سابعاً: أن الأوقاف بما تمثله من تنوع، تعد صمام الأمان للمجتمعات الإسلامية في حال قوتها وضعفها.
ثامناً: بمعرفتنا لمقاصد الشريعة من الوقف يمكننا توسيع مجالات الانتفاع بالوقف في العصر الحاضر.
تاسعاً: أرى أن يهتم القائمون على الأوقاف بالتوعية المستمرة بأهمية الوقف، والمجالات التي يمكن أن ينتفع بالوقف فيها.
والحمد لله أولاً وآخراً. 

  • 11
  • 0
  • 12,150
i