نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

معاني الحروف المقطعة

منذ 2014-07-31

وقيل: إن العرب المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}، فانزل الله هذا القرآن ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سبباً لأستماعهم له فترق قلوبهم وتلين الافئدة.

إن الحروف المقطعة على اختلاف الأقوال فيها، من الافتتاحيات الرائعة التي يصدر بها الكلام. وقد " قال أهل البيان من البلاغة حسن الابتداء، وهو أن يتأنق في أول الكلام لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محرراً أقبل السامع ووعاه وإلاّ أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية الحسن، فينبغي أن يؤتى فيه بأعذب لفظ وأجزله، وأرقه وأسلسه، وأحسنه نظماً وسبكاً، وأوضحه معنى وأوضحه، وأخلاه من التعقيد والتقديم والتأخير الملبس، أو الذي لا يناسب. وقد أتت جميع فواتح السور على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغير ذلك من الابتداء الحسن "وما يعنينا هنا هو الحروف المقطعة، وحسن ابتداء الكلام بها.


إن في القران الكريم تسعاً وعشرين سورة تبدأ بحروف الهجاء المقطعة منها ما يبدأ بحرف واحد وهي ثلاث سور هي  (ص.ق.ن) ومنها عشر سور مفتتحه بحرفين وهي سورة  (غافر. فصلت. الشورى. الزخرف. الدخان. الجاثية. الأحقاف. طه. النمل. يس)، ومنها ما يبدأ بثلاثة أحرف، وهي:  (البقرة. آل عمران. العنكبوت. الروم. لقمان. السجدة. يونس. يوسف. إبراهيم الحجر. الشعراء. القصص).


ومن السور ما يفتتح بأربعة أحرف هما  (الأعراف، والرعد) ومنها ما يفتح بخمس أحرف  (كهيعص) مريم%22">سورة مريم، و  (حم عسق) الدخان.


أقوال العلماء في معاني الأحرف المقطعة:
قبل الخوض في أقوال العلماء لابدّ من الإشارة إلا انه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان لمعانيها وبناء على ذلك اختلفت أقوال العلماء في بيان معانيها إلى ما يأتي:
القول الأول: وهي سر الله في القرآن وهي من المتشابه ، الذي انفرد الله بعلمه ولا يجوز أن يتكلم فيه، ولكن نؤمن بها ونقرأها كما جاءت روي ذلك عن أبى بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبى طالب، وابن مسعود
 رضي الله عنهم أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر ، ومما يؤيد هذا القول الادلة النقلية والعقلية الاتية:
1- الأدلة النقلية: ما روته السيدة عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ  قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:  {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ}.
 قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».
    إذن والله أعلم، إن هذه الاحرف من المتشابه الذي لا يعرفه الا الله جل وعلا لقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ }.

2-الأدلة العقلية: ذكر القرطبي عن الصحابي الجليل الربيع بن خيثم  رضي الله عنه: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن  فاستأثر منه بعلم ما يشاء، وأطلعكم على علم ما يشاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه، فلا تسألوا عنه، وأما ما أطلعكم عليه، فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به وما بكل القرآن تعلمون ولا بكل ما تعلمون تعملون " ، فإن الله جل وعلا قد ستر معاني هذه الأحرف عن خلقه اختباراً من الله عز وجل وامتحاناً، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم، وشأنها شأن كثير من الأفعال التي كلفنا بها ولا نعرف وجه الحكمة فيها، كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة.


    ثم إن ورود هذه الحروف في أوائل السور، منها إفهام للبشر أنهم مهما بلغوا من العلم، فإنهم لن يطلعوا على كثير من الأسرار، ومنها معاني هذه الحروف، بهذه الصورة ستكون دافعاً إلى إعمال الفكر والنظر والاجتهاد في الوصول إلى حقيقتها، وفي هذا شحن همة العقل إلى التأمل والحركة، حتى لا يبقى جامداً أمام حقائق جاهزة ( ). وهذا رأي أهل السنة والجماعة.


القول الثاني: قال جمع كبير من العلماء: يجب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها.
واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، منها القريب ومنها الغريب.


أولاً: فقد روي عن ابن عباس ورواية عن علي ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ أن الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا إننا لا نعرف تأليفه منها.

ثانياً: وقد نقل السيوطي عن ابن عباس رضي الله عنه أنها حروف مقطعة كل حرف منها مأخوذ من إسم من أسمائه تعالى، ففي قوله في  (آلم) قال: معناها  (أنا الله أعلم)، وفي قوله:  (ألمص):  (أنا الله أفصل)، وفي قوله:  (ألر) قال معناها:  (أنا الله أرى)،  (ألمص): الألف من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد. و (ق): حرف من اسمه قادر،  (ن): إنه مفتاح اسمه نور وناصر.

ثالثاً: عن ابن عباس رضي الله عنه أنها قسم أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه.
 وقد رد بعض العلماء هذا القول، فقالوا: لا يصح أنها قسم لأن القسم معقود على حرف مثل  (إن، وقد، ولقد، وما) ولم يوجد هاهنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون قسماً ( )، وقد أجيب بان موضوع القسم في سورة البقرة  (لا ريب فيه) فلو أن إنساناً حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه لكان الكلام سديداً وتكون  (لا) جواب القسم.
وذكر الزمخشري أن حرف القسم مضمر كأنه أقسم بهذه السورة وبالكتاب المبين إنا جعلناه ( ).

رابعا:وقيل إنها أسماء للقرآن.

خامسا: قيل إنها أسماء للسور.

سادسا: قال قطرب، والفراء: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم.


وقيل: إن العرب المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه قال تعالى:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}، فانزل الله هذا القرآن ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سبباً لأستماعهم له فترق قلوبهم وتلين الافئدة.


    وقد اعترض ابن كثير على أن هذه الحروف جاءت خطاباً للمشركين بقوله: " إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وال عمرآن مدنيتان وليستا خطاباً للمشركين".


وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
أولا- المنقول، قوله تعالى:  {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} . وجه الدلالة ان الله جل وعلا حثنا على تدبر القرآن ومعرفة معانيه ومن تدبر القرآن البحث عن معرفة معاني الحروف المقطعة.
ثانيا- قال تعالى:  { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. ووجه الدلالة ان الله تعالى قد أنزل القرآن الكريم ويسره للناس ليذَّكروا آياته، فيمكن معرفة جميع المراد منه لان الله يسره للناس ومنها هذه الحروف المقطعة.


    وقول أهل المعقول ان القرآن الكريم أنزله الله جل وعلا كتاب هداية وبيان للبشر فلا يمكن أن يكون فيه ما هو غير مفهوم لهم.

ومن التفسيرات الغريبة:
1-ما قاله الشيخ محي الدين بن عربي " إن مبادىء السور لا يعلم حقيقتها الا أهل الصورة المعقولة، فجعلها تبارك وتعالى تسع وعشرون سورة وهو كمال الصورة  {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} ، والعشرون القطب الذي به قوام الفلك وهو علة وجوده، وهو سر   (آل عمران)  (آلم)، ولولا ذلك لما ثبتت الثمانية والعشرون، وجملتها على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً فالثمانية حقيقة البضع، قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» وهذه الحروف ثمانية وسبعون فلا يكمل عبد اسرار الايمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها ".


2-  " زعم قسم من العلماء أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم " ( )، " كما استخرج بعض الأئمة من قوله تعالى: {آلم * غُلِبَتْ الرُّومُ}  أن البيت المقدس يفتحه المسلمون في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ووقع كما قال. وقال السهيلي: لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للأشارة الى مدة بقاء هذه الامة ، وهو من أراء الحروفيين واهل الروحانيات منقولاً عن
الإسرائيليات ".
     وقد رد ابن كثير هذا الرأي، ومن قال به لانه ادّعى ما ليس له وطار في غير مطاره، وإن مقتضى هذا المسلك ان كان صحيحاً أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرار فأعظم.


الرأي الراجح:
         والرأي الراجح والله أعلم، الرأي الاول، وذلك لأنه لا يمكن القطع بمعانيها لعدم ورود نص يبين معنى هذه الحروف المقطعة لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، وإنها من قبيل المتشابه قال تعالى:  {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} . ثم إن العلم بمعانيها لا يفيدنا بشيء ولا يتوقف على العلم بها إقامة العبادة لله وإنها إختبار وامتحان للخلف فالاولى السكوت عن معانيها كما هو صنيع السلف الصالح في التفويض.

 

  • 51
  • 16
  • 58,471
المقال التالي
إعراب الحروف المقطعة
المقال السابق
أواخر النمل وأوائل القصص
i