ومن الربيع ما قَتَل!

منذ 2019-02-21

لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا مثلًا لاستعمال المال، ويصلح مَثَلًا لكل أمرٍ مباح وكلِّ حقٍّ مُتاح. وقد اخترتُ أن أضربه مثَلًا لما حدث في بلاد المسلمين من تغيرات سياسية، مما سُمِّيَ بالربيع العربي! وما صاحبه أو تضمَّنه من حقوقيات وما أتى به حريات... وما إن يغفل أو يُخطِئ راعاتُها حتى ينقض عليها ذئابُها! وستجد مثالا صادقا وعجيبًا لما سُقناه من أجله، ولغيره.

بسم الله الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على من بعثه الله ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، وبعد:

فإن الناس والبهائم والطيور تنتظر الربيع، وتستبشر به خيرًا، فهو أعدلُ الفصول طبيعةً، فلا هو بالحارِّ ولا القار، وهو ألطفُها جوًّا، وأزهرُها أرضًا وأزهاها لونًا، وأثمرُها شجرًا، وأكثرُها توالدًا وتكاثُرًا.. يمحو ما أحزنَ قَرْسُ الشتاء، ويعيد إعمار ما هَدَمَ الخريفُ، ويُمَهِّد الأرض ويكسوها ليَقِيَها حرَّ المصيف... فيه تكتسي الأرض حُلَّتها الخضراء المعشوشبة؛ زينة للأرض، وغذاء للأنام والأنعام...{مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}[النازعات:33]، {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ}[طه:54].

وكلُّ شاةٍ أو دابَّة لا تأخذ حظَّها مِن يَخضور الربيع فإنها لا تُشفى من قَرسات الشتاء وضَهَسَات جليدِه، ولا تقاوم كيَّات الصيف وصَهَدَاتِ شمسِهِ..

كل ذلك للربيع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ»(صحيح البخاري، برقم:[1465]، وصحيح مسلم، برقم:[1052])، وذلك بالحبوط الذي يصيب الماشية فيقتلها، حيث تحبط؛ وهو أن ترعى الماشيةُ بلا دليل ولا رادع، ولا راعٍ سائِسٍ لها حاذق، بها رحيم، فيحتاط لها من أن ترعى كلأً يضرها، فترتع في العشب الزاهي المخضر، لا تدرك أن فيه هلاكَها، تظنه أيضًا ربيعًا مُرْتِعًا، كذلك إذا أكلت زائدًا عن الحد؛ فتنتفخ من ذلك بطونُها، وربّما ماتت منه، أو يُلِمُّ بها المرض فتُشْرِف على الهلاك...

والحديث معناه أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطا بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل، إلا إذا اقْتُصِرَ منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة وتحصل به الكفاية المقتصدة؛ وتتحقق بها المصلحة الراجعة بلا مفسدة راجعة، فإنه عندئذٍ لا يضر.

لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا مثلًا لاستعمال المال، ولكن هذا المثال لا يقتصر على المال؛ فعليه فَقِسْ؛ إذْ إنه يصلح مثلًا لكلَّ أمرٍ مباحٍ أو حقٍّ متاح.. وهو يؤسس لقاعدة: "إن الشيء إذا زاد عن حدِّه؛ انقلب إلى ضدِّه!"

وأقول: فليس كلُّ ربيع في كل أرض، نافع لكل ماشية!

فذاك الربيع العجمي.. وهو مثلٌ للربيع العربي!!

فقد اخترتُ أن أضربه مثَلًا لما حدث في بلاد المسلمين من تغيرات سياسية، مما سُمِّيَ بالربيع العربي! وما صاحبه أو تضمَّنه من حقوقيات وما أتى به حريات... وما إن يغفل أو يُخطِئ راعاتها حتى ينقض عليها ذئابُها!

فكل عجماء انفلتت بلا راعٍ ولا قائد، فإنها إما أن يقتلَها الربيع، أو تكون هي التي تفسد الربيع.. ثم لا لوم عليها ولا ضمان لما أفسدته.. لأنها معذورة بالعجمة (بالجهل)، بينما مسؤولية قتلها لنفسها أو لغيرها، أو حتى إفسادها لجمال الربيع؛ فهو في أعناق رُعاتها.. وكل راعٍ مسئول عن رعيته!

وما أعجَمَ بعض الشعوب العربية في تناولها لربيعها، وما أخبطَها وأحبطَها في كثيرٍ من مسائله العلمية، ومواقفه العملية! نعم؛ لقد عرَفَتْ بعضًا من أهدافها، وغاب عنها البعض، وعرفت بعض الكليات، وغابت عنها التفصيلات، فكان بعضُها ثغرات أُوتِيَتْ من قِبَلِه الثورات!

وعندئذٍ؛ فمسؤولية الربيع، بل أمانة الأمة وربيعُها في أعناق الرُّعاة، الذين يتقدَّمون صفوفها، ويكتوون بِحَرِّ أزَمَاتها، ويرسمون طريقها ويقيمون لها معالم الطريق، كي تنأى عن مزالقها، وتجتنب مطبَّاتها، وقد أعطت الشعوب مشكورة أكثر مما كان متوَقَّعًا منها، بل أكثر مما أعطاها القادة والدعاة من جُرعات تربوية، وأضواء توجيهية خلال العقود الفارطة.

وأقول: ليس كلُّ ربيع في كل أرض، نافع لكل ماشية، مع أن الربيع مهما تغيَّرت نباتاته وألوان أزهاره حسب مناخاته، فإنه ضرورة لا بد منها، وحتمية لا مفر منها!

 

وأعود فأقول: ليس كلُّ ربيع في كل أرض، نافع لكل ماشية! ومع ذلك يبقى الربيع ضرورة الحياة، وأسلَمُهُ أن يكون ربيعًا إسلاميا وليس عربيًّا، على نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ»(مسلم في صحيحه، رقم:[2922]). فقال المسلمون ولم يقل العرب، وقال: يا عبد الله يا مسلم، ولم يقل يا عربي!!

وما العروبة بغير إسلام إلَّا قومية بائدة، وذلة زائدة، وما رُزِئت الأمة وذهب ريحها وحلت بها أعظم النكبات في تاريخها إلا في ظل قوميتها وجامعتها العربيتين زعموا، بل حتى لسانها العربي أُعجِم!

كما أُأكِّد على أن مُخلفات الاستدمار وخلفائه؛ الذين أوصلوا الشعوب الإسلامية إلى سوء الحال هذه، من الذُّل والهوان، بتصرفات سيئة، ومناهج معوجَّة؛ بنية حسنة كانت أو سيئة، فهم السبب في احتياج الشعوب إلى ربيع، فلا حظَّ لهم إذًا في قيادتها، ولا خير يُرجى منهم في إصلاحها، ولا أهلية لهم في حمايتها ورعايتها، فلا حجة لهم إذًا في اضطهادها واستضعافها باسم الحِفاظ عليها وحمايتها.

* * * * * * * * 

والحديثُ الذي سقنا جملةً منه؛ تمامُهُ: «لَا وَاللهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ، إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، ثَلَطَتْ أَوْ بَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ»(متفق عليه، وهذا لفظ مسلم).

ذلك أن الماشية لا تُحسن لنفسها التصرف، فكيف لغيرها، ولجهلها بسياسة نفسها، أعفاها النبي صلى الله عليه وسلم من المسؤولية؛ فقال: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ»(البخاري في صحيحه، رقم:[6912 ]، ومسلم في صحيحه، رقم:[1710])، قال ابن الجوزي: "العجماء: البهيمة، وإنما سميت عجماء لأنها لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. والجُبَارُ الهدر. وإنما يجعل جرح العجماء هدرًا إذا كانت منفلتةً ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب، فإذا كان معها أحد هؤلاء الثلاثة فهو ضامن لأن الجناية حينئذ ليست للعجماء؛ إنما هي جنايةُ صاحبِها"[أبو الفرج بن الجوزي؛ كشف المشكل من حديث الصحيحين: 2/ 355]، والحقيقة ليس لأنها لا تتكلم، وإنما لأنها لا تفهم، والكلام فرْعٌ عن الفهم.

وقد ضَرَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا مَثَلًا للمال، فهو كنَبَاِت الربيع مستحسَن؛ تطلبه النفوس وتميل إليه، فمنهم من يستكثر منه ويستغرق فيه غير صارف له في وجوهه؛ فهذا يهلكه أو يقارب إهلاكه، ومنهم من يقتصد فيه فلا يأخذ إلا بمعروف، وإن أخذ كثيرًا صَرَفَهُ في وجوهه، كي لا يحبط كما تحبط الدابة؛ فهذا لا يضره.

ومن النُّكَت أنَّ كلمة «حبطًا» في الحديث ورواها بعضُهم بالخاء المعجمة «خبطًا»؛ من التَّخبُّط، وهو الاضطراب. فالتخبط والاضطراب في استعمال الربيع يؤدي إلى نتائجَ غير محمودة... والواقع في بعض البقاع يشهد بذلك؛ ناطق بأفصح عبارة وأعلى صوت وأوضح صورة.

تاريخ أول نشر   2014-09-16

 

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

  • 3
  • 2
  • 2,802

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً