المنهج الرشيد في استقبال العام الجديد

منذ 2014-10-23

مع بداية عام جديد يحسُن التذكير في أن يكون لنا منهجٌ رشيد وخطوات مدروسة فيما يتعين علينا فعله ونحن نستقبل هذا العام الجديد، فاستقبال الأمة لعام جديد هو بمجرده قضية لا يستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمرًا هينًا، ومن هذا المنطلق كانت هذه الوقفات المنهجية في استقبال هذا العام.

مع بداية عام جديد يحسُن التذكير في أن يكون لنا منهجٌ رشيد وخطوات مدروسة فيما يتعين علينا فعله ونحن نستقبل هذا العام الجديد، فاستقبال الأمة لعام جديد هو بمجرده قضية لا يستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمرًا هينًا، ومن هذا المنطلق كانت هذه الوقفات المنهجية في استقبال هذا العام:

أولًا: "الاعتبار بمرور الأيام" فإن عجلة الزمن تدور، وقطار العمر يمضي، وأيام الحياة تمر، فمن منّا يتأمل في ذلك جيدًا، ويعتبر بما يجري، فالاعتبار مطلبٌ شرعي، أمرنا الله تعالى به في كتابه الكريم فقال سبحانه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر:2].

تفكروا في هذه الأيام والليالي فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم وإنّ كل يوم يمر بكم، بل كل لحظة تمر بكم فإنها تبعدكم من الدنيا وتقربكم من الآخرة، وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالكم محفوظة لكم شاهدة بما فيها من خير أو شر، فطوبى لعبد اغتنم فرصها فيما يقربه إلى الله، وطوبى لعبد شغلها بالطاعات واجتناب العصيان وطوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور:44]. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك".

نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ *** وأيامنا تطوى وهن مراحلُ

ألم تروا إلى هذه الشمس تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب في مغربها، فإن في ذلك أعظم اعتبار في أن طلوعها ثم غروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما هي طلوع ثم غروب وزوال، ألم تروا إلى القمر يطلع هلالًا صغيرًا في أول الشهر كما يولد الأطفال ثم ينموا رويدًا رويدًا كما تنموا الأجسام حتى إذا تكامل في النمو أخذ في النقص والاضمحلال وهكذا عمر الإنسان سواء بسواء {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.

إن العقلاء والحكماء من الناس ليتبصرون في مضي الدقائق والساعات والليالي والأيام، ويعتبرون بما فيها من مواعظ وأحداث وفوات، فيقررون استغلالها فيما ينفعهم، فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر المنصرم، فإنه نقص في العمر، ودنٌّو في الأجل.

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له *** إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني

فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها *** فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

قال الفضيل بن عياض لرجل: "كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل: أتعرف تفسير قولك: إنا لله وإنا إليه راجعون! إن من علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخذت بما مضى وما بقي والأعمال بالخواتيم".

إن الفرح بقطع الأيام والأعوام دون اعتبار وحساب لما كان فيها ويكون بعدها هو من البيع المغبون، فالعاقل من اتعظ بأمسه، واجتهد في يومه، واستعد لغده.

ثانيًا: "التفاؤل والاستبشار بالخير".

ما أجمل ونحن في بداية هذا العام أن نتفاءل بالخير، ونستبشر بأن قادم الأيام أفضل، وأن ننطلق بروحٍ جديدة، روح التفاؤل والتحدي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يعجبه عليه الصلاة والسلام الفأل الحسن ويكره الطيرة" (رواه ابن ماجة والحاكم)، بل ذهب عليه الصلاة والسلام إلى أبعد من ذلك فقال كما في حديث أبي هريرة: «إذا قال هلك الناس فهو أهلكهم» (رواه مسلم).

كانت نظرته عليه الصلاة والسلام للمستقبل نظرة تفاؤل، نظرة تبعث الأمل في النفوس، مع أنه مّر به من المحن والمصائب والنكبات والآلام الشيء الكثير، فلم يُعرف أن الظروف غيّرته أو أصابته بالملل، بل كلما استحكمت حلقاتها ازداد تفاؤلًا وتشوقًا للنصر، وها هو صلى الله عليه وسلم يغضب عند غياب التفاؤل عن بعض أصحابه في وقت اشتداد الأزمة، فعن خباب بن الأرّت رضي الله عنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تدعو الله؟! فقعد وهو محمر وجهه وقال: «كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).

لقد كان صلى الله عليه وسلم يستصحب التفاؤل في كل أحواله، ويستشرف المستقبل جيدًا بروح طموحة متفائلة، كارهًا للتشاؤم، ناظرًا لقادم الأيام بنظرةٍ ثاقبة، عن عائشة أنها قالت للرسول عليه الصلاة والسلام: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك فكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أفق إلا في قرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم». قال: «فناداني ملك الجبال فسلّم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أطبق عليهم الأخشبين» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا». (متفق عليه).

أخي الكريم: ابتسم للحياة، واستنشق عبير التفاؤل، وابدأ عامك متحررًا من الكآبة والسآمة، وتوشح وشاح العزم والأمل، واسمُ بنفسك عاليًا، ولا تقطع الأمل بربك فإن بيده مقاليد الأمور كلها، وقديمًا قيل: "تفاءلوا بالخير تجدوه".

والذي نفسه بغير جمال *** لا يرى في الوجود شيئًا جميلًا

هو عبءٌ على الحياة ثقيل *** من يظنُّ الحياة عبئًا ثقيلًا

أيها الشاكي! وما بك داء *** كن جميلًا ترى الوجود جميلا

 ثالثًا: "التخطيط السليم للأعمال".

لا شك أخي الكريم أنك تدرك أنّ للنجاح وسائل موصلة إليه بإذن الله تعالى، ولا يمكن أن تكون ناجحًا بدون تلك الوسائل، ولكي تكون ناجحًا لا بد لك من التخطيط السليم لنشاطك ووقتك، حيث لا يخفى علينا أهمية التخطيط في نجاح الفرد في دراسته أو عمله بخاصة أو حياته بعامة.

بل لو جئت تتأمل في مناهج الناجحين في الحياة لوجدتهم من أكثر الناس تخطيطًا لأعمالهم وحفظًا لأوقاتهم.

إن غياب عنصر التخطيط عن حياتنا في جميع اتجاهاتها هو من أبرز عناصر الفشل فيها، والبراءة من هذه العلة ليست عسيرة، ولا تحتاج إلى طبيب ولا مهندس، كل ما تحتاجه التفاتة إلى ما يجب أن نفعله، أو حتى ما نود أن نفعله، فنجلس له، ونحدد الهدف منه بدقة، ثم نُخضع له كل قوانا من أجل التخطيط الذي قد يستغرق منا زمنا.. هو به جدير ولا شك. ولكن والسؤال للأفراد هل وضعنا في اعتبارنا ونحن نخطط لهذا العام مسألة: "قربنا من الله" هل سألنا أنفسنا كيف هي أحوالنا مع الصلاة؟ هل راجعت نفسك مع عمود الدين؟ وهل وقفت مع أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة؟ تلك التي بصلاحها صلح سائر العمل وبفسادها فسد سائر العمل، هل نصلي بخشوع تام أو على الأقل حاولنا تحصيل ذلك؟ أم لا نزال ننقرها نقرًا؟! هل صليناها في وقتها؟ وهو العمل الذي يعتبر من أحب الأعمال إلى الله أم أننا أديناها خارج وقتها؟ ثم ماذا عن السنن والرواتب؟ هل وضعنا في تخطيطنا لهذه السنة القرآن كتاب الله العظيم وتلك المعجزة الخالدة، الكتاب الذي تراه أعيننا ليل نهار في المساجد والمنازل والمكاتب هل حاولنا تأمله وتدبره هل تأملنا قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29] ، وهكذا بقية الأعمال..

قد يتساءل أحدهم عن مدى أهمية التخطيط في الحياة فنرد عليه ونقول له أن التخطيط أمر حتمي في الحياة لا غنى عنه، فالشخص الذي نجح في وضع رسالته ورؤيته في الحياة لا بد وأن يحول هذه الرؤية إلى أهداف واضحة ثم يضع خطة محكمة لتنفيذ هذه الأهداف وذلك لأنه يريد أن يتوجه بكل قوته نحو هدفه مباشرة ويريد الوصول بأسرع وقت ممكن ولا يكون ذلك إلا بالتخطيط لهذه الجهود قبل عملها وكما يقول براين تريسي: "كل دقيقة تقضيها في التخطيط توفر لك 10 دقائق في التنفيذ، وهذا يعطيك 1000% من العائد المستثمر من بذل الطاقة".

ولذلك فالتخطيط هو خير معين لك للنجاح في الوصول إلى أهدافك وكما تقول الحكمة: "ليس تحديد الهدف هو أهم ما في الأمر، الأهم هو خطة السعي وراء تحقيقه والالتزام بهذه الخطة" بل هو أساس النجاح وكما هي الحكمة الشهيرة التي تقول: "إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل".

ويذهب أحد حكماء الإدارة "ستيفن إيه برينان" إلى أبعد من ذلك حيث يجعل التخطيط هو السبيل الأوحد للنجاح فيقول: "يمكننا الوصول إلى أهدافنا فقط من خلال خطة نعتنقها بشدة ونعمل على تنفيذها بقوة ليس هناك طريق آخر إلى النجاح".

إن المسلم يخطط تخطيطًا بعيدًا يتجاوز الحياة الدنيا، إنه التخطيط لآخرته ومصيره بعد موته ومنقلبه عند قدومه على ربه، بل لأجل ذلك ينبغي أن يتعلم التخطيط لحياته الدنيا ليكتمل النظام في كافة جوانب حياته.

ولابد أن يسبق التخطيط وضوح الغاية والهدف ليتأتّى بعدها تحديد المراحل ومن ثم التخطيط للوصول إليها، أما من عميت عليه الأهداف والغايات فلأي شيء يخطط؟

وهذه دعوة موجهة لكل مسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة ليتعرف على الغايات السامية التي ينبغي أن ينفق فيها الحياة الغالية، ثم لينظر من أي الأبواب يلج إليها، وماذا ينبغي عليه أن يفعل ومع من يمكن أن يتعاون للوصول إلى الهدف المنشود.

فبالنسبة للعبادات مثلًا نخطط لها جيدًا بأن نزيد من عبادتنا فمن كان يقوم الليل بركعتين فليقم هذا العام بزيادة عدد من الركعات ويعّود نفسه على ذلك، فإن الشيء بالتكرار والتعود، ومن كان يحفظ جزء من القرآن فليحفظ أكثر ولنزد كذلك من حفظ الأحاديث النبوية وقراءة تفسير القرآن وذكر الله.. أما بالنسبة للتخطيط للسلوكيات يجب أن يراجع كل منا نفسه ويرى بصراحة العيب الموجود فيه ويحاول إصلاحه، وأرى أنّ أهم سلوك يجب أن يتصف به المرء هو الرفق واللين عند التعامل مع الناس، فقد قال صلوات ربي وسلامه عليه: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار ومن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل» (صحيح الترمذي)، كذلك أن نعطي من حرمنا ونصل من قطعنا، وأن نتخلص من عاداتنا السيئة كالغيبة والنميمة وبذاءة اللسان، فإلى متى والأعوام تمر بنا ولازال بعضنا في فُحش القول ودناءة الطباع وسوء الأخلاق؟!.

رابعًا: "العزيمة الصادقة".

على استغلال أيام هذا العام ولياليه في فعل الخير ونفع الناس، إنّ اتصاف المرء بالعزيمة والطموح في ضوء نور معرفته لهدفه وسبيله، هو أقوى ما يمكن أن يتصف به الشخص الفاعل والمؤثر، فالعزيمة تدفع وتقوّي، والطموح يُبشّر ويجذب نحو الهدف المرسوم. كثير من المتساقطين في هذه الحياة إنما يعود سبب سقوطهم لضعف عزائمهم وصدق الله إذ يقول: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159].

وقد أدرك النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم الأعظم، ومن ثُم انطلق في حياته من عزيمة لا تعرف الكّل، بل عمل على تقوية العزائم في نفوس أصحابه وأمته، وحاول جاهدًا أن يجعل لهم طموحًا متدرجًا نحو معالي الأمور، وكان كثيرًا ما يقول في صلاته هذا الدعاء: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (إسناده صحيح).

كان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه أن يثبته على ما تحقق من إنجاز، وأن يعطيه العزيمة على إكمال السبيل، سائلًا ربه أن تكون عزيمة رشيدة نافعة حكيمة عليمة.

لقد أُوذي المسلمون في غزوة أحد -الغزوة الثانية التي لقي فيها صلى الله عليه وسلم أعداءه وجُرح فيها عليه الصلاة والسلام- وقُتل عمه حمزة وآخرون ممن كان يحبهم، ومثّل أعداؤه بجثث أصحابه وأحبابه، بل جُرح هو جروحًا متكاثرة وألمّ الألم والحزن بجميع أصحابه، فمنهم من قُتل، ومنهم من جُرح ولا يزال جرحه ينزف دمًا، ثم تنزل آيات القرآن على الرسول الكريم يقرؤها على أصحابه وهي تقول: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]. فلا ينبغي عليكم أن تهنوا أو تحزنوا فيقعدكم الوهن أو الحزن عن سبيلكم الذي اخترتموه وهدفكم الذي سعيتم إليه، وبالفعل، فقد دفن المسلمون أحزانهم في قلوبهم، ولم يستسلموا لمصابهم الذي حل بهم، وكان هذا الأذى الذي حدث للمسلمين في أُحد فرصة انتهزها المنافقون وأعداء الرسول عليه الصلاة والسلام، ليقضوا عليه وعلى دعوته، وغلت مراجل المدينة والقبائل من حولها ترجو القضاء عليه.

ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يركز في توجيهه لأصحابه نحو بناء العزيمة في نفوسهم، وأنّ قلوبهم صاحبة القول النهائي في ذلك، وأنه لابد من همّة القلب قبل همّة الأعضاء.

 إنه في مواقف كثيرة، يخبرهم أن المرء قد يبلغ الدرجات العُلى بهمّة قلبه، حتى قبل أن تصل إليها جوارحه وأعضاء جسده، يقول في الحديث عليه الصلاة والسلام: «من همّ بحسنه فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة».

بل قد يتفوق المؤمن الفقير بهمته العالية على الغني كثير المال كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «سبق درهم مائة ألف درهم»، قالوا: يا رسول الله! كيف يسبق درهم مائة ألف؟، قال: «رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، وآخر له مال كثير، فأخذ من عرْضها مائة ألف».

فلكأنّ الإسلام هنا يبين أن الطريق إلى الله إنما يقطع بقوة العزيمة وعلو الهمة وتصحيح النية ودفق الطموح، وأن عملًا قليلًا قد يصل صاحبه بعزمه ونيته إلى أضعاف مضاعفة مما يقطعه قليل العزيمة ضعيف النية..

إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تترددا

خامسًا: "التجديد".

التجديد مع العام الجديد أمرٌ مطلوب، وشيءٌ محبوب، فالعام الجديد تتجدد فيه الهمم ويستعاد فيه النشاط وتراجع فيه الأحوال وتتابع الأعمال وتترقب الآمال.. بل كلمة الجديد تأنس لها النفس، ويتطلع لها الفؤاد، ويفرح بها القلب، ويشرق بها الأمل، ويُطرد بها الملل، فالإنسان خُلق ملولًا ويحتاج للتجديد بين الحين والآخر. والمتأمل لهذا الدين وشعائره بل وللكون ومظاهره يجد أنها مراعية لهذا الجانب فهي مليئة بالتجديد، متميزة بالتغيير، بعيدة عن الرتابة، طاردة للسآمة، تجد الليل والنهار والشروق والغروب والحر والبرد والسهل والجبل واليابسة والبحر والبساتين والأشجار والعيون والأنهار والجداول والخمائل ولو كانت الحياة على وتيرة واحدة لضّج الناس قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚوَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور}  [فاطر:27-28].

وطولُ مقامِ المرءِ في الحي مخلقٌ *** لديباجتيهِ فاغتربَ تتجددِ

 فإني رأيْتُ الشَّمسَ زيدتْ مَحَبَّة *** إلى النَّاس أَن ليْسَتْ عليهمْ بِسرْمَدِ

أما ونحن بدأنا عامًا جديدًا لماذا لا تهّز هذه الكلمة أعماقنا، وتوقظ وجداننا، فنهرع إلى الجدّ والتجديد في حياتنا، وطرائق تفكيرنا؟ لماذا لا نجدد بتجديد العام ونغير بتغيير الزمان؟ حقًا إن كثيرًا منّا غيروا وجددوا مع تغير الزمان ولكنه تجديد إلى الأسوأ، وتغيير إلى الأدنى وتقدم إلى الحضيض، فليس التجديد بالتحلل من الأخلاق والتحلل من القيم والتنكر للدين والانسلاخ من الحياء، فما ذلك إلا دمار وضياع، وتيهٌ وضلال قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:53].

ينبغي على المسلم أن يجدد في إيمانه، في صلته بربه، أن يغير في طريقة حياته وأعماله ونشاطاته الخيرية، حتى تجري دماء التجديد في جسمه، يتخذ لنفسه برنامجًا جديدًا حافلًا، يقرأ القرآن ليجدد إيمانه، يتأمل حياة النبي صلى الله عليه وسلم ليجدد أخلاقه وتعامله، يزور القبور ليجدّد لواعج الخوف في قلبه، يزور المرضى ليكسب الأجر ويجدد وازع شكر النعمة والصحة والعافية، يسأل عن الأيتام، ينفس عن المكروب، يفرج عن المهموم، يجدد في طرائق دعوته.. إلى غير ذلك من الأعمال العظيمة التي يتجدد بها الإيمان، وتتحرك بها المشاعر، وتأنس بها النفس، هكذا يجب أن يكون الإنسان مع نفسه، وأن يعيد تنظيم حياته، وأن يستأنف مع ربه علاقةً أفضل، وعملًا أكمل، وأن يفكر بجدية وتجديد ماذا سيقدّم لأمته ودينه من جديد!

سادسًا: "اغتنام الأوقات بالطاعات".

وقد أنّب الله تعالى الكفار لما أعطاهم العمر المديد، فلم يستفيدوا منه، فقال عز وجل: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر:37] ومدح المؤمنين، لأنهم استفادوا من أعمارهم، واغتنموا أوقاتهم، فقال عز وجل: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة:24]. فوبخ هؤلاء مع أنه عمرهم؛ لأنهم لم يستفيدوا من العمر، ومدح هؤلاء؛ لأنهم اغتنموا الأيام الخالية، اغتنموا العمر في طاعة الله تعالى، وهذا المبدأ مهمٌ للغاية- أيها الأحبة - أن يعلم الإنسان قيمة عمره وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه: «لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (صحيح الترغيب)، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (صحيح الترغيب). فتأمل! أنه يُسأل عن العمر عمومًا، ويُسأل عن الشباب خصوصًا؛ لأنها مرحلةٌ فيها نشاطٌ وقوةٌ وحيويةٌ، ففي أي شيء صرفها؟ وفيمَ قضاها؟ وكذلك يُسأل عن الصحة؛ لأنها نعمة يستطيع أن يفعل فيها أكثر مما يفعل في حال المرض، ويُسأل كذلك عن أوقات الفراغ، والنبي صلى الله عليه وسلم بين هذا المفهوم بقوله: «عجلوا الخروج إلى مكة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة»، وقال: «من أراد الحج، فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، أو تعرض الحاجة» (حديث صحيح).

إن على المسلم أن ينظر في أي شيء يصرف وقته، قال بعض أهل العلم: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب أو سمر قراءة كتاب في أي شيء؟ فيما لا ينفع ككثيرٍ من القصص التافهة، والمجلات الماجنة، وإن طال النهار فبالنوم، أو التسكع على الأرصفة والشواطئ والصّف في الأسواق، يقتلون أوقاتهم ويضيّعونها فيما لا فائدة منه.

 أليس من الخسران أن لياليًا *** تمر بلا نفع ٍ وتحسب من عمري

عُمرٌ يُهدر، شهورٌ وسنواتٌ تجري وهو لم يفعل غير الصف في الأسواق، والجلوس في الطرقات، وإضاعة الأوقات في الملاهي والمحرمات، ليتهم كان صرفهم لوقتهم في شيء لا يضرهم! لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، ونهى عن سؤال ما لم يقع؟ لأجل حفظ الوقت، فيكون حال الجاهل بحق ربه ومصلحة نفسه من يضيع أوقاته في مثل هذه الترهات، وكثيرٌ ما هم! نعم إنّ العوارض كثيرة، والأشغال متعددة، وتتزاحم الهموم، وينشغل التفكير، ويتكدر صفاء الذهن بمشكلات الحياة الكثيرة، ولذلك لا بد من اغتنام الأوقات قبل عروض المشاغل، والإنسان لا يدري ماذا تخبئ له الأيام، فبعض الناس قد انشغل بمرض سنوات طويلة أقعده وآلمه، وصرفه عن سعيه ونشاطه، فلا يظنن الشاب أن الأمر سيستمر على ما هو عليه.

أترجو أن تكون وأنت شيخٌ *** كما قد كنت أيام الشبابِ

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب *** دريسٌ كالجديد من الثيابِ

إنه ينبغي على الطالب أن يغتنم وقته قبل أن يصبح موظفًا، وكذلك من لم يتزوج ينتهز وقته قبل أن ينشغل بالزواج والأولاد.. وهكذا فإن الحياة تُشغل من فيها، فالسعيد العاقل من انتهز الوقت وعرف قيمته، كم مر بنا من إجازات كثيرة، وعُطلٌ عن الأعمال في آخر الأسبوع وغيرها، ففي أي شيء تقضى؟ وفي أي شيء تصرف؟ والمسألة تحتاج لشحذ النفوس بدفعها لقضاء الأوقات في الطاعات.

ولكن للأسف الشديد! فإن كثيرًا من الناس لا يعرفون قيمة عمرهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». فالحديث يدل على عظم أمرين: الوقت، وقوة الجسد..

الوقت الذي يمكن ملؤه، وقوة الجسد المعينة على العمل، وفترة الشباب تكون زاخرةً بهذين الأمرين. وإذا علمنا أنه لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعةٍ مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله عز وجل فيها، فإذا قارنّا هذا بالساعات الطوال التي تضيع في غير ما فائدة، بل إنّها تقضى في المعاصي، ولا يُبقي كثيرٌ من الناس لربهم وعبادته سبحانه إلا ساعة إذا اكتملت، هذا إذا اكتملت، لاشك أنّ هذا خسارةٌ لعمر العبد وأنّ العواقب سوف تكون ضده أليمة، وهنا ينبغي أن يقف العاقل مع نفسه وقفةً يتذكر فيها ربه، ويعد العدة لما بعد الموت.

إنّا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكلُّ يوم ٍ مضى يُدني من الأجلِ

فاعمل لنفسك قبل اليوم مجتهدا *** فإنما الربحُ والخسران بالعملِ

أي والله ينبغي اغتنام كل فرصة، واغتنام العمر حتى آخر لحظة، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألَّا تقوم حتى يغرسها فليفعل» (رواه الإمام أحمد). في هذا الحديث الصحيح انتهاز الفرصة في عمل صالح في آخر لحظة، ولو كان الإنسان لم ير ثمرته، فسوف يرى ثمرته في الآخرة، ولو لم يجدها في الدنيا. إن المشكلة تكمن في عدم معرفة قيمة الوقت.

الوقت سريع التقضي أبي التأتي لا يرجع مطلقًا، والعاقل هو الذي يفعل ما يغتنم به وقته، قال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ثم ليس فقط انتهاز العمر بالطاعات، واغتنام الأوقات بالعبادات، وإنما يقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، فإنّ اغتنام الوقت في أفضل ما يمكن مسألة تحتاج إلى فقه؛ لأن مسألة التفاضل بين الأعمال لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال الأدلة الشرعية، ولذلك فلا بد أن يكون للمسلم علمٌ بالأعمال التي نص الشارع على فضلها، وأنّها أفضل من غيرها.

ولذلك نجد في بعض الأحاديث: «أفضل الأعمال إيمانٌ بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حج مبرور». «أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله».. وهكذا تتفاوت الأعمال في الفضل كما تختلف بالنسبة للأشخاص في ظروفهم وأحوالهم وإمكاناتهم، وكذلك فإنه قد يكون الأفضل لشخصٍ ما ليس لآخر، فالأذان لمن كان حسن الصوت، وقيادة عسكر الجهاد لمن كان له خبرةٌ وقوةٌ، والصدقات للأغنياء وتعليم الناس لأهل العلم، والشفاعة الحسنة من صاحب الجاه، وغير ذلك من الأعمال التي تعتمد على إمكانات الأشخاص وقدراتهم.

وكذلك أن يكون العمل أنفع، فكلما كانت دائرة النفع أشمل، كلما كان أفضل، ولذلك كان نفع المسلم لأخيه المسلم من قضاء دين، أو تعليم علم، أو سد جوعة.. ونحو ذلك من أفضل القرب؛ حتى ربما فاق الاعتكاف في المسجد النبوي شهرًا.

وكذلك فإنّه إذا عُرف أن بعض الأعمال أفضل لمشقتها، فإنه يقدم عليها كما جاء في فضل إسباغ الوضوء على المكاره، والمشي في الظلم إلى المساجد، والجهاد في سبيل الله، ولذلك فإن احتساب الأجر في التصدي لأهل البدع وأعداء الدين فيه أجرٌ عظيمٌ لأنه يترتب عليه مشقة شديدة وتضحية، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يناله شيء من أذاهم، حتى القرآن وهو كلام الله تعالى فيه آيات وسور بعضها أفضل من بعض، والأذكار الشرعية بعضها أفضل من بعض وهكذا يظهر هنا الفقه في انتهاز الوقت في العبادة والذكر التي هي أفضل من غيرها.

بماذا انتهز عبد الله بن عمرو بن العاص وقته؟ وفي أي شيء اغتنمه؟ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن لي قوة -شاب عندي قوة - وذكر له الصوم، فقال عليه الصلاة والسلام: «صم من كل عشرة أيامٍ يومًا ولك أجر التسعة» ، فقال: إني أقوى من ذلك، قال: «فصم من كل تسعة أيامٍ يومًا ولك أجر الثمانية» ، فقال: إني أقوى من ذلك، قال: «فصم من كل ثمانية أيامٍ يومًا ولك أجر تلك السبعة» ، قال: إني أقوى من ذلك قال: فلم يزل به حتى قال: «صم يومًا، وأفطر يومًا»، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك» (صحيح النسائي). فكان ينتهز عمره وفرصة شبابه في الصيام. كيف تعّود الأعمش رحمه الله على ألا تفوته تكبيرة الإحرام ستين عامًا؟ لقد كان العلماء يعرفون فضائل الأوقات. فهذا البخاري رحمه الله كان يتمثل بهذين البيتين:

اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ *** فعسى أن يكون موتك بغتة

كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ *** ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

وفعلًا فقد توفي البخاري رحمه الله بالسكتة وموت الفجأة مثلما كان يقول في هذين البيتين ولكن: ماذا ترك محمد بن إسماعيل البخاري رحمة الله عليه؟ ترك صحيح البخاري في الحديث هذا الكتاب العظيم الذي هو أصح كتابٍ بعد كتاب الله، ومنه ينهل الواردون، ويأخذ به المتعطشون للعلم، ويُستدل بأحاديثه في الخطب والدروس والمواعظ، فكم جاء لأبي عبد الله في قبره من حسنة، والله يعلم شأن عباده.

إن الله لما أمر نبيه بالعبادة، أو بالصلاة، اتبع الصلاة بعمل آخر، قال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:7-8] والمؤمن يخرج من عبادة ليدخل في أخرى، وهذا هو الاغتنام الحقيقي، بل إن العبد قد يكون نومه وأكله وشربه ونكاحه عبادة إذا حسنت النية، وابتغى بذلك وجه الله عز وجل.

ذكر الدكتور يوسف القرضاوي تعليقًا جميلًا على تضييع الأوقات حيث يقول: "إن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه، فهي جريمة انتحار بطيء تُرتكب على مرأى ومسمع من الناس ولا يعاقب عليها أحد"، قال ابن القيم رحمه الله: إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها".

لقد كانت أوقات السلف رحمهم الله موزعة بين العبادة والتعلم والحفظ والتدريس والتصنيف والإفتاء، وربما كان يُقرأ عليهم في الطريق، بل ويقرءون بأنفسهم في الطريق، وكان الخطيب البغدادي رحمه الله يمشي وفي يده جزء يطالعه، وكان جد شيخ الإسلام إذا دخل المغتسل، أمر قارئًا يقرأ ويرفع صوته ليستفيد من العلم وهو يغتسل، وكانوا يأكلون الطعام نيئًا أحيانًا لضيق الوقت، ويختارون سفَّ الكعك، لأنه أسهل وأشد يسرًا في البلع، ولا يأخذ وقتًا في المضغ، وربما تعلم واحدٌ منهم المسألة وهو على فراش الموت يحتضر، يقول الحسن البصري رحمه الله: "أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم".

تبقى مسألة معرفة قيمة الزمن وشرف الوقت، فإذا خلصت النية فالله يبارك، هذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله في سنتين ونصف فقط أحدث انقلابًا في حياة الناس، صار الناس في غاية الشغل في العبادة والطاعة، وكانوا في عهد من قبله يسأل بعضهم بعضًا عن القصور والبساتين والعمائر والزراعات والتجارات، وفي عهد عمر صار الواحد يسأل الآخر عن الختمة والحجة والعمرة والطاعة، فالإنسان يمكن أن يفعل لنفسه ولغيره من النفع العظيم في وقت يسير إذا خلصت النية، وكذلك ينبغي الانتباه لـ"سوف" ومرض "التسويف"، كما قال بعض السلف: "كلما جاء طارق الخير، صرفه بواب لعل وعسى"، فينبغي أن يسارع المسلم الآن لأن قوله: "عسى وسوف" لا تغني شيئًا، بل ربما يسّوف وتفوت عليه الفرصة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعمر أوقاتنا بالطاعات، وأن يجعلنا من القائمين بالعبادات، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل عامنا هذا عام عزٍ ونصر وتمكين لأمتنا إنه على كل شيءٍ قدير.

 

حسين مسعود القحطاني

  • 22
  • 4
  • 62,412

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً