أثر مفهوم العبودية في دفع البلية

منذ 2014-10-28

تمثل المفاهيم العامة أو الخاصة والتصورات عامة، عاملاً مهماً جداً في إنقاذ العبد من كثيرٍ من المهالك الحسية أو المعنوية وربما يكون التصور بسيطاً إلى أبعد الحدود ولكن بغفلة العبد عنه قد يقع في كثيرٍ من التخبط والتلون والحيرة.

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وبعد..

تمثل المفاهيم العامة أو الخاصة والتصورات عامة، عاملاً مهماً جداً في إنقاذ العبد من كثيرٍ من المهالك الحسية أو المعنوية وربما يكون التصور بسيطاً إلى أبعد الحدود ولكن بغفلة العبد عنه قد يقع في كثيرٍ من التخبط والتلون والحيرة. 

إن الأمة الإسلامية الآن تمر بواقع مريرٍ أليم، تسير في نفق ضيق مظلم مليء بالخفافيش العلمانية والحيات الليبرالية ويتربص بها العقرٍب الشيعي، ويحاول أصحاب المجون والفسوق نزع جلباب حيائها وعفتها، والله وحده يعلم متى تخرج من هذا النفق.

في وسط هذه الظلمة الحالكة والفتن التي تموج كموج البحر، يسير العاملون من أبناء الحركة الإسلامية وأصحاب الغيرة على الدين والشريعة، يلملمون ثوبها ويداوون جراحها ويتحملون فجأة الخفافيش ولدغ الحيات والعقارب دونها، وينتظرون من بعيد في وسط هذه الظلمة الحالكة شعاع نور يؤذن بانتهاء هذه الظلمة والخروج إلى نور التمكين.

ولكن ربما يسقط بعض أبناء الصحوة المباركة تثخنهم الجراح وتطبق الظلمة على صدورهم حتى تتسرب إلى داخلها فيرى الواقع قد تلون بها ولا أمل في انفراجها، ويصل إلى اليأس.

إن توصيف الواقع أمر مهم مطلوب للوقوف على مستجدات الأحداث ولكي يكون العمل على بصيرة ولتترقى الوسائل لتتماشى مع الغايات فيكون ذلك أرجى لتحقيقها، ولكن هناك فرقاً بين التوصيف الإيجابي سابق الذكر وبين التوصيف السلبي الذي يهدم صاحبه، فمع كثرة توصيف الواقع لتطوره المستمر ولما ينطوي عليه من آلامٍ ومآسٍ ربما يصاب قلب المؤمن بالضعف، ويتسرب إليه الواهن والفتور، مما يقعده عن العمل والدعوة والجهاد، ويستصغر قدر نفسه ويستعظم حجم الباطل.

تجدُ كثيرًا من الشباب يشتكي من الظلم والفساد أو التبرج والسفور ويعمل ليل نهار على تنقية المجتمع منه ولكن النتائج بطيئة والباطل ينتشر انتشار النار في الهشيم فيحزن وينكسر قلبه، تجد الشباب يتصدى ليل نهار إلى شبهات وافتراءات العلمانيين والليبراليين، ومع ذلك يتأثر بها البعض، كما أن لهم منابر يبثون من خلالها سمومهم وأصحاب الحق مقطعة حناجرهم مكممة أفواههم؛ مما يدعوه للشكوى ويعتصر قلبه حزناً وألماً....... ولنفسي وأخواني أقول:

إن الله عز وجل قال في كتاب الحكيم: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]، إن الله عز وجل تعبدنا بالأسباب والعمل ولم يتعبدنا بالنتائج وهذا من رحمته سبحانه ومن حكمته.

والعبد مأمور بالعبودية في كل وقت ومكان سواء كان مُمكناً فوق كرسي الملك أو حتى في غياهب السجون، سواء كان في سعة وثراء أو في ضيق وفقر.

وقد عرف العلماء العبودية: بأنها كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والتروك، وهذه العبودية بهذا المعنى يجب أن يكون لها أثر على قلب المؤمن هو طالما العبد يعمل على طلب مرضاة الله ويسعى لها فهو في عبودية وعلى خير؛ فالعبودية في العمل وليس النتائج إنما النتائج هي من أثر تحقيقها.

وقد قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:104] أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.

ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين:

الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى.

الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: {وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} كامل العلم كامل الحكمة.

 إن مفهوم العبودية بكل بساطة هو أن تعيش لله عبدًا، تعمل بأمر الله على بصيرة من شرع الله وتدعو الله بالقبول والتمكين، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أفضل العاملين بل وأفضل الخلق أجمعين {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد:40]، فإن أمر التمكين إلى الله يعلم وقته وحدده بحكمته سبحانه ولكنه جعلنا أسباباً لهذا التمكين فما علينا إلى العمل عبادة لله تعالى ورجاء ثوابه ورحمته.

إن النظر إلى الأمور بهذا النظرة البسيطة التي ربما يعلم حقيقتها كل عامل من أبناء الحركة الإسلامية ولكنها ربما تغيب عن الأذهان في خضم الأحداث والصراعات، فيجب أن يمررها المؤمن على قلبه كل حين فهي تُنزل السكين وتريح القلب وتدفع إلى بذل الكثير في ميدان العمل والجهاد.

وقد وجدنا ربنا في كتابه الحكيم يربي نبيه على هذا المفهوم حيث قال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139] يقول تعالى مشجعاً لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران من الآية:140] فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء:104].

ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا.

{وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران من الآية:140] هذا أيضاً من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك.

{وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران من الآية:140] وهذا أيضاً من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم، {وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران من الآية:140] الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضاً بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله.

كما أن مفهوم قضية العبودية يدفع إلى عبادة عظيمة لا سيما في هذه الأيام وهذه الحالة. عبادة الشكوى قال تعالى: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:86]، ولما ضاق الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم بعد رفض أهل الطائف لدعوته وآذوه صلى الله عليه وسلم شكا إلى ربه قائلا: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبال ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» (رواه الطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن جعفر رضي الله)، إن عبادة الشكوى والافتقار إلى الله عز وجل من أجّل العبادات فهي تحي القلب بتعلقه بخالقه، وتزيد العبد فقرًا إلى فقره فيعلم أنه ليس له غنىً عن مولاه، فيركن إليه ومن ركن إليه فقد أوى إلى ركن شديد.   

أقول لنفسي وأخواني أيضاً رغم كل الآلام والأحزان والفتن إن الله عز وجل أرحم بنا من أمهاتنا، وهو سبحانه ناصر دينه وعباده المؤمنين ولكنه سبحانه عليمٌ حكيم لا يعجل بعجلة أحدنا، قال تعالى: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:100]، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21]، إن زماننا هذا زمان صبر قال فيه نبينا: «يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر» (رواه الترمذي).

أحبتي في الله: ماذا علينا أن نعبد الله في السراء والضراء نشكره ونعمل لنصرة دينه ندعوه ونشكوا إليه ثم نموت على ذلك والله إنه لفوز عظيم، وعمل كريم.

اللهم لا تتوفنا إلا وأنت راضٍ عنا، اللهم ارحم ضعفنا، وقوي إيماننا، اللهم ثبتنا، اللهم إنا نشكوا إليك ضعفنا، وقلة حيلتنا، اللهم انصرنا، وثبت قلوبنا على الإيمان، اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك.

 وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

 

أبو وليد

  • 5
  • 2
  • 912

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً