(87) كاتب الديوان (8)

  • التصنيفات: السياسة الشرعية -

الباب الثامن عشر: في وضع الديوان وذكر أحكامه

كاتب الديوان (8)

فصل:

وأما كاتب الديوان وهو صاحب ذمامه، فالمعتبر في صحة ولايته شرطان: العدالة والكفاية.

فأما العدالة: فلأنه مؤتَمَن على حق بيت المال والرعية، فاقتضى أن يكون في العدالة والأمانة على صفات المؤتمنين.

وأما الكفاية: فلأنَّه مباشر لعمل يقتضي أن يكون في القيام مستقبلًا بكفاية المباشرين، فإذا صحَّ تقليده فالذي ندب له ستة أشياء: حفظ القوانين، واستيفاء الحقوق، وإثبات الرفع، ومحاسبات العمال، وإخراج الأحوال، وتصفح الظلامات.

فأما الأول منها: وهو حفظ القوانين على الرسوم العادلة من غير زيادة تتحيف بها الرعية، أو نقصان ينثلم به حق بيت المال، فإن قررت في أيامه لبلاد استؤنف فتحها، أو لمواتٍ ابتدئ في إحيائه، أثبتها في ديوان الناحية وديوان بيت المال الجامع للحكم المستقر فيها، وإن تقدمته القوانين المقررة فيها رجع فيها إلى ما أثبته أمناء الكتاب إذا وثق بخطوطهم، وتسلمه من أمنائهم تحت ختمهم، وكانت الخطوط الخارجة على هذه الشروط مقنعة في جواز الأخذ بها، والعمل عليها في الرسوم الديوانية والحقوق السلطانية، وإن لم تقنع في أحكام القضاء والشهادات اعتبارًا بالعرف المعهود فيها، كما يجوز للمحدث أن يروي ما وجد من سماعه بالخط الذي يثق به، ويجيء على قول أبي حنيفة أنه يجوز لكاتب الديوان أن يعمل على الخط وحده حتى يأخذه سماعًا من لفظ نفسه يحفظه عنه بقلبه، كما يقول في رواية الحديث اعتبارًا بالقضاء والشهادات، وهذا شاق مستبعَد.

والفرق بينهما أنَّ القضاء والشهادات من الحقوق الخاصَّة التي يكثر المباشر لها والقُيَّمُ بها، فلم يضق الحفظ لها بالقلب، فلذلك لم يجز أن يعول فيها على مجرد الخط، وأن القوانين الديوانية من الحقوق العامة التي يقل المباشر لها مع كثرتها وانتشارها فضاق حفظها بالقلب، فلذلك جاز التعويل فيها على مجرد الخط، وكذلك رواية الحديث.

وأما الثاني: وهو استيفاء الحقوق فهو على ضربين:

أحدهما: استيفاؤها ممن وجب عليه من العاملين.

والثاني: استفاؤها من القابضين لها من العمال.

فأما استيفاؤها من العاملين: فيعمل فيه على إقرار العمال بقبضها، وأما العمل فيها على خطوط العمال بقبضها، فالذي عليه كتاب الدواوين أنه إذا عرف الخط كان حجة لقبض، سواء اعترف العامل بأنه خطة أو أنكره إذا قيس بخطه المعروف.

والذي عليه الفقهاء أنَّه لم يعترف العامل بأنه خطه وأنكره لم يلزمه، ولم يكن حجة في القبض ولا يسوغ أن يقاس بخطه في الإلزام إجبارًا، وإنما يقاس بخطه إرهابًا ليعترف به طوعًا، وإن اعترف بالخط وأنكر القبض، فالظاهر من مذهب الشافعي أنه يكون في الحقوق السلطانية خاصة حجة للعاملين وبالدفع، وحجة على العمال بالقبض اعتبارًا بالعرف؛ والظاهر من مذهب أبي حنيفة أنه لا يكون حجة عليهم ولا للعاملين حتى يقرّ به لفظ كالديون الخاصة، وفيما قدمناه من الفرق بينهما مقنع.

وأما استيفاؤها من العمال: فإن كانت خراجًا إلى بيت المال لم يحتج فيها إلى توقيع ولي الأمر، وكان اعتراف صاحب بيت المال بقبضها حجة في براءة العمال منها، والكلام في خطِّ إذا تجرَّد عن إقراره على ما قدمناه في خطوط العمال أنه يكون حجة على الظاهر من مذهب

الشافعي ولا يكون حجة على الظاهر من مذهب أبي حنيفة، وإن كانت خراجًا من حقوق بيت المال، ولم تكن خراجًا إليه لم يمض العمال إلّا بتوقيع ولي الأمر، وكان التوقيع إذا عرفت صحته حجة مقنعة في جواز الدفع.

وأمَّا الاحتساب به فيحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون الاحتساب به موقوفًا على اعتراف الموقع له بقبض ما تضمنه؛ لأنَّه التوقيع حجة بالدفع إليه، وليس بحجة في القبض منه.

والوجه الثاني: يحتسب به العمل في حقوق بيت المال، فإن أنكر صاحب التوقيع القبض حاكم العامل فيه، وأخذ العامل بإقامة الحجة عليه، فإن عدمها أحلف صاحب التوقيع، وأخذ العامل بالغرم، وهذا الوجه أخص بعرف الديوان.

والوجه الأوّل أشبه بتحقيق الفقه، فإن استراب صاحب الديوان بالتوقيع لم يحتسب للعامل به على الوجهين معًا حتى يعرضه على الموقع، فإن اعترف به صحَّ، وكان الاحتساب به على ما تقدَّم، وإن أنكره لم يحتسب به للعامل، ونظر في وجه الخراج، فإن كان في خاص موجود رجع به العامل عليه، وإن كان في جهات لا يمكن الرجوع بها سأل العامل إحلاف الموقع على إنكاره، وإن لم يعرف صحة الخراج لم يكن للموقع إحلاف العامل لا في عرف السلطنة ولا في حكم القضاء، فإن علم بصحة الخراج فهو من عرف السلطنة مدفوع عن إحلاف الموقع، وفي حكم القضاء يجاب عليه.

وأما الثالث: فهو إثبات الرفع، فينقسم ثلاثة أقسام: رفع مساحة وعمل، ورفع قبض واستيفاء، ورفع خرج ونفقة، فأمَّا رفع المساحة والعمل، فإن كانت أصولها مقدرة في الديوان اعتبر صحة الرفع بمقابلة الأصل، وأثبت في الديوان إن وافقها، وإن لم يكن لها في الديوان أصول عمل في إثباتها على قول رافعها.

وأما رفع القبض والاستيفاء فيعمل في إثباتها على مجرد قول رافعها؛ لأنه يقر به على نفسه لا لها.

وأما رفع الخراج والنفقة فرافعها مدع لها فلا تقبل دعواه إلا بالحجج البالغة، فإن احتج

علمه بها صار معلول القول، والموقع مخير بين قبول ذلك منه أو رده عليه، وليس له استخلافه.

وأما السادس: وهو تصفّح الظلامات، فهو يختلف بسبب اختلاف التظلم، وليس يخلو من أن يكون المتظلم من الرعية أو من العمال، فإن كان المتظلم من الرعية تظلم من عامل تحيفه في معاملته كان صاحب الديوان فيها حاكمًا بينهما، وجاز له أن يتصفح الظلامة[1] ويزيل التحيف[2]، سواء وقع النظر إليه بذلك أو لم يقع؛ لأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء الحقوق، فصار بعقد الولاية مستحقًّا لتصفح الظلامة، فإن منع منها امتنع وصار عزلًا عن بعض ما كان إليه، وإن كان المتظلم عاملًا جوزف في حساب، أو غولط في معاملة صار صاحب الديوان فيها خصمًا، وكان المتصفح لها والي الأمر.

__________

(1) الظلامة والظليمة والمظلمة بفتح اللام: ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذه منك (مختار الصحاح: ص [170]).

(2) التحيف: من الحيف (الغريب للخطابي:[ 3/ 61]).

 

الكتاب: الأحكام السلطانية

المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)

الناشر: دار الحديث  القاهرة

عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المصدر: المكتبة الشاملة