العقل

منذ 2015-06-07

المكلف لا بد أن يكون عاقلا يفهم الخطاب. ومن هنا لم يكلف المجنون؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال، ولا تمكن إلا بقصد الامتثال. وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف؛ إذ من لا يفهم، كيف يقال له: افهم، ومن لا يسمع، لا يقال له: تكلم. وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع... فالعقل هو الذي يرفع الإنسان إلى مستوى التكاليف الإلهية. وليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني، وتكريمه، والاعتزاز به والاعتماد عليه في فهم النصوص، كالعقيدة الإسلامية.

الحمد لله الذي أوجدنا من العدم، وجعل أمتنا خير الأمم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ندب أصحاب العقول إلى إعمال عقولهم، وحثهم على التفكر في مخلوقاته التي تحيط بهم. والصلاة والسلام على نبينا محمد أفضل من عقل وفهم، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم. وبعد:

فإن ديننا الإسلامي لم يحجر على العقول، أو يهملها، بل رفع من شأنها، وأعلى من قدرها، وجعلها مناط التكليف، وفرق بين الذين يعقلون، والذين لا يعقلون.

والعقل له منزلة في الإسلام لا تنكر، ومجالاته فيه كثيرة، وجديرة بأن تذكر.

وقبل الحديث عن منزلته، والخوض في مجالاته ومداركه، لا بد من وقفة أبين بها المراد به في اللغة والاصطلاح.

وهذا يستلزم تقسيم البحث إلى ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريف العقل لغة واصطلاحاً:
أولاً: العقل في اللغة: العقل في اللغة يطلق على المنع والحبس. يقال: اعتقل الرجل، إذا حبس، ومرض فلان، فاعتقل لسانه، إذا امتنع عن الكلام، فلم يقدر عليه، ومنه قول ذي الرمة :

ومعتقل اللسان بغير خبل *** يميد  كأنه رجل أميم

ويقال: أعطني عقولا أشربه، إذا طلب دواء يمسك بطنه، ويقال كذلك: عقلت البعير أعقله عقلا، إذا منعته من الحركة، وذلك بأن تثني وظيفه مع ذراعه، فتشدهما جميعاً في وسط الذراع . ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم لصاحب الناقة: «أعقلها وتوكل»  (حسنه الألباني في صحيح الجامع: [1068])، وذلك الحبل الذي تعقل به الناقة يقال له العقال، والجمع عقل.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم عن القرآن الكريم: «لهو أشدُّ تفصيًا منَ الإبلِ مِن عُقُلِها» (صحيح البخاري: [5033])، وإنما يعقل البعير لحبسه، ومنعه من الهرب، والشرود. واعتقلت الشاة، إذا وضعت رجلها بين فخذيك أو ساقيك لتحلبها ؛ فأنت بفعلك هذا تمنعها من الحركة. وعقل الوعل، إذا امتنع في الجبل العالي، يعقل عقولا. والمكان الممتنع فيه يسمى "المعقل". وبه سمي الوعل عاقلا. يقول النابغة الذبياني :

وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي *** على  وعل في ذي المطارة عاقل

وتسمى الدية عقلاً ومعقلة؛ فيقال: القوم على معاقلهم الأولى؛ أي على ما كانوا يتعاقلون في الجاهلية، كذا يتعاقلون في الإسلام. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بين المهاجرين من قريش، والأنصار، أنهم على رباعتهم؛ يتعاقلون معاقلهم الأولى. وعقلت عن فلان؛ أي غرمت عنه جنايته إذا لزمته دية، فأديتها عنه. وعاقلة الرجل: عصبته؛ وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. ويشهد لهذا المعنى، ما جاء في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما:  أن امرأتين قتلت إحداهما الأخرى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة. وإنما أطلقوا على الدية، وأدائها عقلا؛ لأن الإبل كانت تعقل -تحبس- بفناء ولي المقتول. والعقيلة هي كريمة الحي، وسميت بذلك لحبسها نفسها في بيتها. يقول امرؤ القيس:

عقيلة أتراب لها لا دميمة *** ولا  ذات خلق إن تأملت جأنب

أي ليست دميمة، ولا قصيرة.

وخلاصة القول: أن العقل في اللغة يطلق على المنع والحبس. ووجه تسمية العقل بهذا الاسم: كونه يمنع صاحبه عن التورط في المهالك، ويحبسه عن ذميم القول والفعل. والفهم والبيان يسمى عقلا أيضا؛ لأنه عن العقل كان، فيقول الرجل للرجل: أعقلت ما رأيت، أو سمعت؟ فيقول: نعم، يعني: أني قد فهمت، وتبينت. والعرب إنما سمت الفهم عقلا؛ لأن ما فهمته فقد قيدته بعقلك، وضبطته. وهذا التعريف اللغوي للعقل يوضح مراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله "عقلناها"، في قوله: صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى: "إن الله قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم؛ قرأناها، ووعيناها، وعقلناها". و "عقلناها": أي فهمناها، وضبطناها، وأمسكناها. فما سمي العقل عقلا إلا لأنه يمسك ما علمه، ويضبطه، ويفهمه؛ فيقال: عقل الشيء، إذا فهمه، فهو عقول. وعقل الشيء، إذا علمه، أو علم صفاته؛ من حسن وقبح، وكمال ونقصان، فأمسكها، وأمكن أن يميز بين القبيح والحسن، والخير والشر. فالعاقل خلاف الجاهل؛ يحبس نفسه، ويمنعها عما يوبقها، ويردها عن هواها، ويمسك ما يعلمه، ويميز بين ما ينفعه وما يضره، في عاجله وآجله.

ثانيا: تعريف العقل اصطلاحًا: تنوعت التعريفات المقولة في العقل، واختلفت، وأغلبها عليه ملاحظات. والتعريف الذي اخترته تفصيلي، يشتمل على أربعة معان قيلت في العقل، لا ينفك واحد منها عن الآخر، متى فقد واحد منها قيل لصاحبه: ليس له عقل:

المعنى الأول: الغريزة التي في الإنسان، والتي يمتاز بها عن سائر الحيوان؛ فبها يعلم، وبها يعقل، وبها يميز، وبها يقصد المنافع دون المضار. يقول أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) عن هذا المعنى، إنه: "الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية، وتدبير الصناعات الخفية الفكرية".

ويقول الماوردي (ت 450 هـ): "فالغريزي هو العقل الحقيقي، وله حد يتعلق به التكليف، لا يجاوزه إلى زيادة، ولا يقصر عنه إلى نقصان، وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان".

ويقول الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ): "فأما هو في المعنى والحقيقة لا غيره، فهو غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه، لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض، ولا اطلعوا عليها من أنفسهم برؤية، ولا بحس، ولا ذوق، ولا طعم. وإنما عرفهم الله سبحانه وتعالى إياه بالعقل منهم؛ فبذلك العقل عرفوه، وشهدوا عليه بالعقل الذي عرفوه به من أنفسهم، بمعرفة ما ينفعهم، ومعرفة ما يضرهم".

فبإمكان العباد أن يطلعوا بعقولهم على هذه الغريزة؛ أهي موجودة عند فلان، أو ليست كذلك، بالنظر إلى أفعال جوارحه؛ فـ "إذا رأوا من أفعاله ما يدلهم على أنه قد عرف ما ينفعه في دنياه وما يضره، وإذا رأوه طالبا عاملا فيما ينفعه من دنياه، مجانبا لما يضره من دنياه، سموا من كان كذلك: عاقلا، وشهدوا له أن له عقلا، وأنه لا مجنون، ولا تياه، ولا أحمق".

ويمكن الاستئناس في بيان بعض هذه الصفات -التي تمكن ملاحظتها في العاقل- بقول ابن القرية (ت 84 هـ): "الرجال ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر: فالعاقل إن كلم أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سمع وعى. والأحمق إن تكلم عجل، وإن تحدث وهل ، وإن حمل على القبيح فعل..".

وكلام ابن تيمية عن الفرق بين المجنون والعاقل يشبه هذا الكلام، ومنه قوله: "فالمجنون الذي لا يميز بين الدراهم والفلوس، ولا بين أيام الأسبوع، ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل. أما من فهم الكلام، وميز بين ما ينفعه وما يضره، فهو عاقل".
يقول أحد الشعراء معددا بعض الصفات التي يستدل بها على عقل العاقل:

يعــــرف عقل المرء في أربع *** مشيته أولها، والحرك
ودور عينيه، وألفاظه *** بعد عليهـن يدور الفلك
وربما أخلفن إلا التي  *** آخرها  منهن سـمين لك

فهذه بعض صفات من وهبه الله المعنى الأول من معاني العقل -وهو الغريزة-: فهم الخطاب، ورد الجواب، وصلاح المشية، واتزان الحركات، واستقرار العينين، ونحو ذلك.

وهذه الغريزة، التي هي إحدى معاني العقل، شرط في المعقولات والمعلومات، وهي مناط التكليف؛ فإذا عدمت في الإنسان، سقطت عنه التكاليف الشرعية.

وفي ذلك يقول الحارث المحاسبي (ت 243 هـ): "فالعقل غريزة، جعلها الله في الممتحنين من عباده؛ أقام به على البالغين للحلم الحجة، وأنه خاطبهم من جهة عقولهم، ووعد، وتوعد، وأمر، ونهى، وحض، وندب".

وهذا العقل المشروط في التكليف لا بد أن يكون علوما يميز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره.

وعن هذا المعنى نفسه، يقول ابن تيمية (ت 728هـ): "العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، ولكنه ليس مستقلا بذلك، لكنه غريزة في النفس، وقوه فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين".

ويلاحظ تشبيهه العقل بالبصر. وقد سبقه إلى هذا التشبيه البليغ قوم، قالوا عن العقل: "هو نور وضعه الله طبعا وغريزة، يبصر به، ويعبر به. نور في القلب، كالنور في العين، وهو البصر..".

لكن هذا البصر إن اتصل به نور الشمس، أو ضوء النار، صار أشد قوة وإبصارا، وإن انفرد بنفسه، ضعف. كذلك صاحب العقل إن وصله بنور الإيمان والقرآن، اهتدى وسعد. وإذا لم يتصل بهما عجز عن إدراك الأمور التي لا يكمن أن يستقل بإدراكها.

وهذا معنى قول ابن تيمية (ت 728هـ) عن العقل، إنه: "بمنزلة قوة البصر التي في العين؛ فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه، لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن إدركها".

وهذا التشبيه الرائع من ابن تيمية - وممن سبقه - ينطبق على أولئك الذين اعتصموا بالكتاب والسنة، وعلى مخالفيهم الذين اتكلوا على عقولهم، معرضين عن الاهتداء بنور الوحي، فعموا عن الحق، وضلوا عنه، وآل أمرهم إلى التخبط والحيرة.

ويصدق علمهم قول الله عز و جل عن بنى أدم عليه السلام: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:123-126].

المعنى الثاني: العلوم التي تلازم الإنسان العاقل؛ فتقع في نفسه ابتداء، ولا تنفك عن ذاته؛ كالعلم بالممكنات، والواجبات، والممتنعات. وهذا معنى من معاني العقل؛ إذ ثمة علوم (تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز، بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات؛ كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد)، وأن (الشيء لا يخلو من وجود أو عدم، وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم، وأن من المحال اجتماع الضدين) . وهذه العلوم "تشمل جميع العقلاء".

المعنى الثالث: العلوم المستفادة من التجارب، والمكتسبة بواسطة العقل، والتي يضبطها الإنسان، ويمسكها .
وهذا العقل يعد نتيجة للعقل الغريزي، وهو (نهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكرة. وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل، وينقص إن أهمل).

وعنه يقول الغزالي (ت 505هـ): "الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال؛ فإن من حنكته التجارب، وهذبته المذاهب، يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف بهذه الصفة، يقال إنه غبي، غمر، جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلا".

ونماء هذا النوع يكون بأحد أمرين، هما:
1 - كثرة الاستعمال؛ كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة، وصحة الرؤية، بكثرة التجارب، وممارسة الأمور.
2 - وفرط الذكاء، وحسن الفطنة.

ولقد كانت العرب تقول: "العقل: التجارب"، وقد سئل بعضهم عن العقل، فقال: لب أعنته بتجريب. وهذه التجارب ليس لها غاية، والعقل منها في ازدياد، كما قال أحدهم:

ألــــم تــــر أن العقــــل زيــــن لأهلــــه *** وأن  كمـــال العقــــل طـــول التجـــارب

فكلما كثرت تجارب الإنسان، زاد عقله، بسبب ازدياد علومه.

ومكان ضبط هذه العلوم هو القلب؛ إذ هو وعاء العلم. وإلى هذا العقل أشار معاوية رضي الله عنه بقوله: "العقل عقلان، عقل تجارب، وعقل نخيزة. فإذا اجتمعا في رجل، فذاك الذي لا يقام له. وإذا تفردا، كانت النخيزة أولاهما".
وهو يشبه قول من قال: "العقل ضربان: عقل الطبيعة، وعقل التجربة. وكلاهما يحتاج إليه، ويؤدي إلى المنفعة". فعقل النخيزة  - المذكور في قول معاوية رضي الله عنه - هو الغريزة التي في الإنسان، والتي يمتاز بها عن سائر الحيوان. وعقل التجارب هو العلوم المكتسبة بواسطتها.

ومما تنبغي ملاحظته: (أن العقل المكتسب لا ينفك عن العقل الغريزي؛ لأنه نتيجة منه. وقد ينفك العقل الغريزي عن العقل المكتسب، فيكون صاحبه مسلوب الفضائل، موفور الرذائل؛ كالأنوك  الذي لا تجد له فضيلة، والأحمق الذي قلما يخلو من رذيلة).

المعنى الرابع: الأعمال التي يستوجبها العلم؛ من إيمان بالله، وتصديق بكتبه، ورسله، والتزام بأمره ونهيه؛ كحَبْس النفس على الطاعات، وإمساكها عن المعاصي.

وهذا معنى رابع من معاني العقل، وعنه يقول ابن تيمية (ت 728 هـ): ".. لفظ العقل يطلق على العمل بالعلم".

فالعمل من لوازم العقل؛ لأن صاحب العقل إذا لم يعمل بعلمه، قيل: إنه لا عقل له ؛ فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية، وأعظمها في الفطرة: الإقرار بالخالق. فحال من لم يعمل بعلمه، أنه صاحب عقل يمسك علوما ضرورية فطرية، يعرف بها ربه عز وجل، ولكن هواه صده عن اتباع موجب العقل، فصار لا عقل له بهذا الاعتبار. وقد اتصف هذا بمعاني العقل الثلاثة المتقدمة؛ فمعه غريزة العقل التي فرق الله بها بين العقلاء والمجانين، ومعه علوم ضرورية فطرية، ولديه علوم مكتسبة؛ فقد جاءته الرسل بالبينات، ولكنه لم يحظ بشرف الاتصاف بهذا المعنى الرابع؛ وهو العمل بعلمه، لذلك يقال عنه: إنه غير عاقل عن الله عز وجل.

وقد وصف الله عز وجل في كتابه رجالا بالعقل، وأخبر في الوقت نفسه أنهم لم يستفيدوا منها؛ فقال:   {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف:26]. فهؤلاء قد عقلوا البيان الذي لزمتهم من أجله الحجة، لكنهم لم يعملوا بما عقلوا؟ فحالهم أن لهم عقولا يعرفون بها الحق، ولكن هواهم صدهم عن اتباع موجب العقل، فلا عقل لهم بهذا الاعتبار.

وقد وصفهم سبحانه وتعالى في موضع آخر بالعقل الذي يميزون به، ويعقلون به أمور الدنيا كلها في الجليل والدقيق، لكنهم للآخرة لا يعقلون، فقال عز وجل:   {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179].

فهم "بالدنيا أهل بصر وسمع وعقل. فلم يعن أنهم صم خرس مجانين، وإنما عذبهم لأنهم يعقلون. ولو تدبروا ما يرون ويسمعون من الدلائل عليه؛ من آيات الكتاب، وآثار الصنعة، واتصال التدبير، الذي يدل على أنه واحد لا شريك له"؛ أي لدلهم ذلك على أنه المعبود بحق وحده.

فالعاقل -كما قال سفيان بن عيينة (ت 198هـ)-: "ليس الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه".
لذلك لما وصف رجل -ممتنع عن الدخول في الإسلام- بالعقل أمام أحد العلماء، قال: "مه، إنما العاقل من وحد الله، وعمل بطاعته".
والله تعالى قد حكى عنهم قولهم -وهم في النار-:   {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10].
"وقد كانت لهم عقول وأسماع، لزمتهم بها الحجة لله عز وجل، وإنما عنى عز وجل أنها لم تعقل عن الله فهما لما قال؛ من عظيم قدره، وقدر عذابه، فندمت، وتأذت بالويل والندم، لا لأنها لم تكن تسمع ولا تعقل، ولا كانوا مجانين، ولكن يعقلون أمر الدنيا، ولا يعقلون عن الله ما أخبر عنه، وتوعد ووعد".

وليس عدم العقل في عدم الإيمان فحسب، بل عدم العقل في ارتكاب المعاصي، وتضييع الفرائض؛ فمن ضيع الفرائض، وارتكب المحرمات، لم يعقل عظيم قدر الله في جلاله وهيبته، وعظيم قدر ثوابه وعقابه في القيام بفرائضه، وارتكاب معاصيه؛ فالعاقل من يغلب إيمانه هواه، وحلمه جهله. لذلك قال عامر بن عبد قيس (ت 55 هـ): "إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي، فأنت عاقل".

وسئل أعرابي: "أي منافع العقل أعظم؟ قال: اجتناب الذنوب".

فالعمل ثمرة العقل وفائدته، ولا عقل لمن لم يعمل بموجب ما دله إليه عقله. إذا تبينت هذا، فاعلم أن العقل يطلق على كل هذه المعاني الأربعة مجتمعة: الغريزة، والعلوم الضرورية، والعلوم المكتسبة، والعمل بالعلم.

ويشهد لهذا قول ابن تيمية (ت 728هـ) عن العقل: "هو علم، أو عمل بالعلم، وغريزة تقتضي ذلك".

فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم؛ بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النار:   {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46].

المسألة الثانية: منزلة العقل في الإسلام:

لقد امتن الله عز وجل على الإنسان بأن منحه نعمة العقل الذي يميزه عن سائر الحيوانات؛ فقال: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك:23]؛ فبالسمع تسمعون، وبالأبصار تبصرون، وبالأفئدة تعقلون، ولكن قليلا ما تشكرون.

فالأفئدة هي محل العقول، كما قال سبحانه وتعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}؛ فجعل العقل في القلب، ثم أخبر أنه يتغطى على هذا العقل الذي في الصدور.

يقول الإمام الشوكاني (ت 1250 هـ): "وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل، كما أن الآذان محل السمع". ويستأنس لهذا بقول الفاروق عمر رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ابن عباس فتى الكهول، له لسان سئول، وقلب عقول".

وإضافة العرب الشيء إلى الشيء إما لكونه هو هو، أو مكانه. وليس القلب عقلا بإجماع. لم يبق إلا أنه محل العقل، بإضافة الشيء إلى محله. ومن خلق العقل أعلم بمحله: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]. فالعقل محله القلب، وهو نعمة، وهبة من الله، أعطاه عباده بلا عوض.

وهذه النعمة هي التي ترفع صاحبها إلى مستوى التكاليف الشرعية الإلهية، وتؤهله لإدراكها وفهمها؛ فالعقل مناط التكليف. يقول أبو الوفاء ابن عقيل (ت 513 هـ) موضحا معنى التكليف: "وهو المطالبة بالفعل أو الاجتناب له، وذلك لازم في الفرائض العامة؛ نحو التوحيد، والنبوة، والصلاة، وما جرى مجرى ذلك، لكل عاقل، بالغ..."، فالتكليف للعاقل.

ويقول الآمدي  (ت 631 هـ): "اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا، فاهما للتكليف؛ لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال؛ كالجماد، والبهيمة".

ويقول الطوفي (ت 716 هـ): "من شروط المكلف: العقل، وفهم الخطاب؛ أي: يكون عاقلا، يفهم الخطاب، ولا بد منهما جميعا".

فالمكلف لا بد أن يكون عاقلا يفهم الخطاب. ومن هنا لم يكلف المجنون؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال، ولا تمكن إلا بقصد الامتثال. وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف؛ إذ من لا يفهم، كيف يقال له: افهم، ومن لا يسمع، لا يقال له: تكلم. وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع... فالعقل هو الذي يرفع الإنسان إلى مستوى التكاليف الإلهية.

وليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني، وتكريمه، والاعتزاز به والاعتماد عليه في فهم النصوص، كالعقيدة الإسلامية.

بل إن العقيدة الإسلامية تدعو العقل إلى تشغيل طاقاته وتستثيره ليؤدي دوره الذي خلقه الله من أجله وتنبهه ليتدبر ويتفكر وينظر ويتأمل مدللة بذلك على أن الدعوة إلى الإيمان قامت على الإقناع العقلي.

ويبدو هذا واضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم تكررت عشرات المرات في السياق القرآني، مدح الله عز وجل من خلالها مسمى العقل ورفع من شأنه  من خلال توجيهه إلى النظر والتفكر والتدبر والتأمل؛ مثل قوله سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة من الأية:73]، وقوله عز وجل: {إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2]، وقوله جل جلاله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النورمن الأية:61]. وقوله عز وجل: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم من الأية:28]، وقوله سبحانه وتعالى:   {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:98]، وقوله عز وجل: {كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [ص:29]، وقوله سبحانه وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، وغير ذلك من الآيات إلى لا يمكن حصرها في مكان واحد.

وقد اعتنى الإسلام بالعقل؛ فأمر جل جلاله بالمحافظة عليه، ونهى عن كل ما يضر به، أو يعطل عمله. فحرم سبحانه وتعالى المسكرات والمخدرات لما لها من أثر سيئ على عمل الإنسان؛ فالخمر سميت خمرا بسبب تخمرها العقل؛ أي ستره وتغطيته. يقال: خمر إناءك، إذا طلب منك أن تغطيه. من أجل هذا حرمها المولى جل جلاله في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:90-91]. فالخمر في حال سترها للعقل تجعل متعاطيها أشبه بالسفيه الذي لا يحسن التصرف، أو المجنون الذي لا يشعر بما يرتكب من جرائم تخل بالدين والشرف. وأشد من الخمر في الفتك بالعقل: المخدرات، التي تزيل العقل، وتفسد القلب، وتجعل متعاطيها يعيش في غيبوبة دائمة، هارباً من واقعه.

من أجل ذا حرمها الإسلام -كما حرم الخمر- لجامع السكر في الاثنين؛ فرسولنا صلى الله عليه وسلم  نهى عن كل مسكر ومفتر. وأخبر أن «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (صحيح الجامع: [5530])، وأن «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (صحيح مسلم: [2003]). وقد قاس ابن تيمية (ت 728 هـ) حكم قليل "الحشيش" على قليل "المسكر"، بجامع مخامرة كل منهما للعقل، فقال: "وأما قليل الحشيشة المسكرة، فحرام عند جماهير العلماء، كسائر القليل من المسكرات".

والمخدرات كلها مسكرة، والوعيد المترتب على تعاطي الخمر، هو الوعيد المترتب على تعاطي أنواع المخدرات المختلفة، بجامع اشتراك الكل في إزالة العقل، ولعموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر.

فكل ما جاء في وعيد شارب الخمر، يأتي في مستعمل شيء من هذه المذكورات؛ (لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه؛ لأنه الآلة للفهم عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم والمتميز به الإنسان عن الحيوان، والوسيلة إلى إيثار الكمالات عن النقائص. فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر).

ولا ريب أن النهي عن هذه الأشياء المضرة بالعقل، من أقوى الأدلة على عناية الإسلام به، ومحافظته عليه. وعلينا أن لا ننسى أن العقل واحد من الضروريات الخمس التي عني الإسلام - كسائر الشرائع - بحفظها.

فالشريعة الإسلامية تدور أحكامها حول حماية خمسه أمور، هي أمهات لكل الأحكام الفرعية، ويسمونها الضروريات الخمس، وهى: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ العرض، حفظ المال).

وتتجلى حماية الإسلام للعقل في :
1 - تربيته على حسن المعرفة، والمنطق العلمي، والفكر الاستدلالي، والمنهج التجريبي.

2 - النهي عن كل ما يضر به، أو يعطل وظيفته؛ كالنهي عن المنكرات والمفترات، كما مر.

3 - الأمر بتغذيته بالعلوم النافعة، واستعماله في الخير.

4 - النهي عن الاعتداء عليه بأي نوع من أنوع الاعتداء؛، كالضرب ونحوه.

ولقد جعل الإسلام الدية كاملة في حق من ضرب آخر، فأذهب عقله.

يقول عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل، رحمهما الله: "سمعت أبي يقول: في العقل دية؛ يعني إذا ضرب، فذهب عقله". وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين ؛ لأن العقل (أكبر المعاني وأعظم الحواس نفعا؛ فإن به يتميز من البهيمة، ويعرف به حقائق المعلومات، ويهتدي إلى مصالحه، ويتقي ما يضره، ويدخل به في التكليف. وهو شرط في ثبوت الولايات، وصحة التصرفات، وأداء العبادات، فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس).

فأي تكريم أعظم من هذا التكريم!!

المسألة الثالثة: مجالات العقل ومداركه في الإسلام:
من سمات التكريم التي حظي بها العقل في الإسلام، تلك المجالات التي حددت له ليخوض فيها، حتى لا يضل، ولا يزيغ، ولا يتخبط في الظلمات إذا ما نأى عنها، وخاض في غيرها.

والله عز وجل قد (جعل للعقول في إدراكها حدا تنهى إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب).

وعقول البشر يعتريها ما يعتري البشر من ضعف، وعجز، ونقص. وهى متفاوتة، كما قال وهب بن منبه (ت 110 هـ): "كما تتفاضل الشجر بالأثمار، كذلك تتفاضل الناس بالعقل". ويشهد لتفاوتها: قوله صلى الله عليه وسلم للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقُلْ ودين، أذهب للب الرجلُ الحازم، من إحداكن» (صحيح البخاري: [1462])؛ فقد دل بمنطوقه على النقصان، وبمفهومه على الزيادة، وهو معنى التفاوت.

وكذا الإجماع دل على التفاوت؛ فـ "كل الناس يقولون: عقل فلان قليل، وعقل فلان أكثر من عقل فلان، وفلان غير عاقل. قيل: هذا كله يراد به أكثر استعمالا وتدبرا وتفكرا من الآخر. قيل: فذلك التدبر والتفكر علامة على كثرة العقل؛ إذ لو كان مثل الآخر، لما تفكر أكثر، ولا تدبر".

وهذا التفاوت يتطرق إلى معاني العقل كلها، عدا المعنى الثاني؛ وهو العلوم التي تلازم الإنسان العاقل؛ فتقع في نفسه ابتداء، ولا تنفك عن ذاته؛ (فإن من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد، عرف أيضا استحالة كون الجسم في مكانين، وكون الشيء الواحد قديما حادثا... إلخ)، وهذا كله يتساوى فيه بنو البشر.

وتفاوت العقول يدل على أن لكل واحد منها حدا وغاية -في إدراك الأشياء- ينتهي إليه، ولا يتعداه. فالعقل لا يدرك كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أخبر عنه؛ فمداركه ليست شاملة. من أجل هذا قال الإمام أحمد بن حنبل (ت 240 هـ): "ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول".

وقد عقب عليه ابن تيمية (ت 728 هـ) بقوله: "هذا قوله، وقول سائر أئمة المسلمين؛ فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول"، والله عز وجل يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء من الأية:15].

والعلوم من حيث إدراك العقل لها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - (قسم ضروري لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان، ...).
2 - (وقسم نظري يمكن العلم به، ويمكن أن لا يعلم به؛ وهي النظريات. وذلك الممكنات التي تعلم بواسطة، لا بأنفسها. إلا أن يعلم بها 
إخبارا).

3 - (وقسم لا يعلمه البتة، إلا أن يعلم به، أو يجعل له طريق إلى العلم به. وذلك كعلم المغيبات عنه، كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أولا؛ كعلمه بما تحت رجليه، إلا أن مغيبه عنه تحت الأرض بمقدار شبر؛ وعلمه بالبلد القاضي عنه، الذي لم يتقدم له به عهد. فضلا عن علمه بما في السماوات، وما في البحار، وما في الجنة أو النار على التفصيل. فعلمه بما لم يجعل له عليه دليل غير ممكن).

ويدخل في هذا القسم الأخير أغلب مسائل الاعتقاد؛ فلا تعلم إلا عن طريق الخبر؛ إذ لا يمكن للعقول أن تستقل بمعرفة هذه المسائل، لولا مجيء الوحي بها، وبأدلتها العقلية. وما على العقل إلا فهمها وتدبرها.

(وأيضا فإن كثيرا من مسائل الاعتقاد -بعد معرفتها، والعلم بها عند العقول- لا تدرك العقول حقيقتها وكيفياتها).
ومن الأمثلة على ذلك:
1 - الروح، التي ليست من مدارك العقل؛ لذلك لما سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، لم يبين لهم ماهيتها، بل قال: 
«هي من أمر ربي» فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما: "أن اليهود مروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على عسيب، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فسألوه. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، حتى نزل عليه الوحي: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} [الإسراء:85]" (صحيح مسلم: [2794]).

فهذه الروح التي توجد فينا، والتي توصف بصفات متعددة، منها: الوجود، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والصعود، والنزول، وغير ذلك. وهى مخلوقة، ومع ذلك فالعقول قاصرة عن معرفة كيفيتها، وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا، كما قال ابن تيمية: "والناس لما لم يشهدوا لها نظيرا، عسر عليهم التعبير عن حقيقتها".

2 - أما عن صفات الله عز وجل، فللعقل دور في تفهم معانيها؛ لأنا (بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فتبقى في أذهاننا قضايا عامه كلية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا، لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا).

وأما حقيقة الصفات وكيفياتها: فلا يدركها العقل، مع أنه لا يحيلها؛ إذ كيف يدرك ما يفتقر إلى تصوره. ونحن لا نعلم كيفية صفات ربنا عز وجل؛ (إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له. فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه، وبصره، وتكليمه، واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته! وإذا كنت تقر بأن له ذاتا حقيقية ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء؛ فسمعه، وبصره، وكلامه، ونزوله، واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم، وكلامهم، ونزولهم، واستواؤهم).

لذلك لما جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه؛ إمام دار الهجرة، فقال له: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، كيف استوى؟ أطرق الإمام مالك برأسه، وعلته الرحضاء، ثم رفع رأسه، وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كما وصف نفسه، فلا يقال: كيف؟ و"كيف" عنه مرفوع، وقال للسائل: أنت صاحب بدعة، وطلب من أصحابه أن يخرجوه من مجلسه.

فسبب إنكار الإمام مالك رحمه الله على السائل، كونه أراد أن يخوض بعقله، ما ليس في متناول عقله؛ وهو إدراك كيفية الصفة؛ لأن الرب جل جلاله لا يحيط به علما أحد من خلقه.

3 - وكذلك ما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه من أمور الآخرة؛ كالجنة ونعيمها، والنار وجحيمها، وغير ذلك من المغيبات، ليست من مدارك العقل، ولا في متناوله، مع أن العقل يقر بها، ولا يحيلها.

ولنأخذ على ذلك مثالا بنعيم الجنة؛ فالله سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات؛ "من أصناف المطاعم، والمشارب، والمناكح، والمساكن؛ فأخبرنا أن فيها لبنا، وعسلا، وخمرا، وماء، ولحما، وفاكهة، وحريرا، وذهبا، وفضة، وحورا، وقصورا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء". أما الكيفية فمختلفة، ولا طاقة للعقل في إدراك كيفية هذا النعيم المقيم، الذي أعده الله للمتقين، مع أن وجوده لا يتعارض معه بحال.

ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين؛ من ذكر صفات الله عز وجل، وما تعبد الناس باعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم، ونقلوه عن سلفهم، إلى أن أسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذكر عذاب القبر، وسؤال الملكين، والحوض، والميزان، والصراط، وصفات الجنة، وصفات النار، وتخليد الفريقين فيهما، أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها. فإذا سمعنا شيئا من أمور الدين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق. وما لم يمكنا إدراكه وفهمه، ولم تبلغه عقولنا، آمنا به وصدقنا. وهذا راجع إلى أن نصوص الكتاب والسنة لا تتعارض مع العقل الصريح.

يقول ابن تيمية (ت 728 هـ): "فيأخذ المسلمون جميع دينهم، من الاعتقادات، والعبادات، وغير ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. وليس ذلك مخالفا للعقل الصريح؛ فإن ما خالف العقل الصريح فهو باطل. وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل. ولكن فيه ألفاظا قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلا، فالآفة منهم، لا من الكتاب والسنة".

وإذا كان كذلك، فإن العقل مطالب بالتسليم للنص الشرعي الصريح، ولو لم يفهمه، أو يدرك الحكمة التي فيه؛ لأن الشارع نص على كل ما يعصم من المهالك نصا قاطعا للعذر، فلا حجة لأحد بعد بيانه، كما ذكر ابن تيمية (ت 728) مستدلا على ذلك بآيات كثيرة، منها: قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة:115]، وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة من الأية:3]، وقول أبى ذر الغفاري رضي الله عنه: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يتقلب في السماء طائر، إلا ذكرنا منه علما"، وقول سلمان الفارسي رضي الله عنه حين قيل له: "قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟: أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم". فهل يعقل أن يعلمهم صلى الله عليه وسلم هذه الأمور، ويهمل ما كان أعظم منها؟!

والجواب: لا. وفي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ترك أمته على مثل البيضاء، فوجب الامتثال لأمره، والانقياد لحكمه.

وعلينا أن لا ننسى أن أول ذنب عصي الله سبحانه وتعالى به، كان سببه عدم الامتثال لأمر الله عز وجل؛ وذلك حين أمر الله سبحانه وتعالى إبليس بالسجود لآدم عليه السلام: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ} [البقرة من الأية:34]، لم يمتثل الأمر؛ فكان أول من قاس، إذ ركن إلى عقله، فلم يهده إلى السبب الذي لأجله يسجد الفاضل للمفضول -على حسب ظنه- فعصى، فعوقب: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف من الأية:12]، وأيضا [ص:76].

وهذه أول شبهة وقعت في الخليقة؛ كما قال الشهرستاني (ت 548 هـ): "اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة: شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها؛ وهي النار، على مادة آدم عليه السلام؛ وهي الطين".

فما أخبرنا عنه الله عز وجل في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم آمنا به وصدقناه، وما سكت عنه من أمر الغيب، ويدخل في ذلك ذات الله سبحانه وتعالى، وأسماؤه، وصفاته، لم نشغل عقولنا في البحث عن كيفيته، أو تكلف ما لا يقدر عليه؛ لأن عقول البشر لا تستقل بمعرفة أصول الدين على سبيل التفصيل، لعجزها وقصورها، ولو كانت تستقل بمعرفة ذلك، لما أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب.

يقول السفاريني (ت 1188 هـ): "لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل، وإنزال الكتب. واللازم باطل بالنص: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا}، فكذا الملزوم". لكن ليس النفي على إطلاقه، بل نقول: لا تستقل العقول على سبيل التفصيل. أما على سبيل الإجمال؛ فإن الله سبحانه وتعالى فطر الخلق على ملة التوحيد:

يقول ابن تيمية (ت 728 هـ): ".. الله سبحانه فوق مخلوقاته، عال عليها؛ قد فطر الله على ذلك العجائز، والأعراب، والصبيان في الكتاب، كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها". والله سبحانه وتعالى قد وهب عباده عقولا يهتدون بها إلى الحق. والوصول إلى الحق يمكن من طريقين: طريق الوحي، وطريق التجربة التي تجمع بين الحس والعقل. وقد أشار القرآن الكريم في غير ما آية إلى الطريقة الثانية، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يوسف من الأية:109].

"فبالسير في الأرض تتكون الصور الحسية لآثار السابقين؛ من خراب الديار، ودروس العمار، بعد أن كانوا أكثر قوة وجمعا. وهذا هو عطاء الحس، ثم تأتي مهمة العقل، وذلك بالنظر في هذا العطاء الحسي؛ فيفحصه مرتبا له، ورابطا لأجزائه بعضها ببعض؛ يقيس الغائب على الشاهد، ويلحق الشيء بنظيره، والفرع بأصله، والملزوم بلازمه، إلى غير ذلك من الأعمال العقلية، ثم يخرج بالنتيجة؛ وهى صلاح الدار الآخرة، وتقديمها على الدار الفانية".

وهكذا تبدأ معطيات الحس ترد على العقل عبر رسله: السمع، والبصر، ونحوهما، ويبدأ العقل بأداء دوره في التفكر فيها، إلى أن ينتهي إلى نتيجة تهديه إلى الحق.

وبهذا يتضح أن الشريعة الإسلامية لم تهمل العقل، ولم تلغ دوره، ولم تأمر أتباعها بتعطيله وعدم تشغيله، كما فعلت باقي الديانات المحرفة، التي كانت تأمر أتباعها بالتسليم الأعمى.

فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين، وجعلنا من أمة محمد سيد الأنبياء والمرسلين.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

عبد القادر بن محمد بن عطا صوفي

المصدر: مجلة البحوث الإسلامية العدد التاسع والسبعون - الإصدار: من رجب إلى شوال لسنة 1427هـ
  • 7
  • 0
  • 19,672

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً