السفر في الإجازات

منذ 2015-01-18

إن السفر في هذه الأيام أصبحت ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى نقاش ودراسة من قبل متخصصين في عدد من المجالات، وكأن السفر في الإجازة الصيفية صار لازماً، وهذا ليس بصحيح، فالسفر في الإجازة ليس أمراًً واجباً، والذين لا يسافرون ليسوا على خطأ إذ الأصل هو الإقامة والاستقرار.

الخطبة الأولى: إن الحمد لله..

أما بعد: أيها المسلمون: إن السفر في هذه الأيام أصبحت ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى نقاش ودراسة من قبل متخصصين في عدد من المجالات، وكأن السفر في الإجازة الصيفية صار لازماً، وهذا ليس بصحيح، فالسفر في الإجازة ليس أمراًً واجباً، والذين لا يسافرون ليسوا على خطأ إذ الأصل هو الإقامة والاستقرار.

تذهبُ إلى المطارات فتجدُ أرسالاً من البشر وفئاماً من الناس يسابقون الريح، وينافسون الآلات سرعةً واشتغالاً، قد حملوا حقائبهم، ونقلوا أغراضهم، وأعدوا عدتهم لأسفارٍ كثيرة ورحلاتٍ طويلة.

اشرأبت أعناقهم، وتطلعت أنفسهم إلى سياحة أثيرة، وتنقلات مثيرة، مع تباين في حقيقة أسفارهم واختلافٍ في آرائهم وأفكارهم. ويتملّكك العجب وأنت تقرأ عن السفر والمسافرين الإحصاءات المذهلة والأرقام الهائلة، ولا ينتهي عجبك وأنت ترى تلك الوفود، وقد أُقفلت الحجوزات، وتزاحمت على البوابات، وتسارعت لامتطاء المركبات، وكل ما يستهويهم هو تحقيق الرغبات.

بل لعل بعضهم ينسى في سبيل ذلك عقيدته وقيمهُ وأخلاقه، فيجعلها في عداد المخلَّفين والمخلَّفات، ولا يمنحها تأشيرة سفرٍ معه، فينزع رداء التقوى وجلباب الحياء قبل أن يطاول الفضاء.

أيها المسلمون: إن الإسلام لا يحجّر على أتباعه أن يروّحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم، وأن يعملوا بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً، فالترفيه البريء، والترويح المباح لا غضاضة على الإنسان فيه، بل قد يكون مطلوباً أحياناً لأغراض شرعية، وأهداف مرعية، لكن يجب أن يكون كل ترفيه وترويح في حدود ما هو مباح شرعاً، أما أن يُستغلّ ذلك فيما يُضعف الإيمان، ويهزّ العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل فلا وكلا.

أيها المسلمون: السفر على قسمين: سفر هرب، وسفر طلب.

فسفر الهرب: كأن تسافر من شر تهرب منه حفاظاً على نفسك أو دينك أو أهلك أو مالك، ومن أمثلة ذلك: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، ومنها الخروج من دار الكفر والبدعة التي لا يقدر الإنسان على ردها وإنكارها، قال الله - تعالى -: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [(140) سورة النساء]، وقال - تعالى -: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [(68) سورة الأنعام]، وروي عن مالك - رحمه الله - أنه قال: "لا يحل لأحدٍ أن يقيم بأرض يسب فيها السلف".

وأما سفر الطلب: فهي كثيرة ومن أمثلته: سفر الهجرة، وذلك كسفر الأنبياء والصالحين، والسفر للجهاد، وكان ذلك أكثر سفر النبي والصحابة الكرام، ومنها السفر للحج والعمرة، ومنها السفر لطلب العلم، ومنها السفر للأماكن الفاضلة كالمساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال على سبيل القربة والتعبد والاعتكاف إلا إليها، ومنها السفر للتجارة والكسب الحلال وتحصيل الرزق عند انعدامه، ومنها السفر لزيارة ذوي القربى وصلة الرحم، ومنها السفر للتطبب والعلاج، ومنها السفر للنزهة وترويح النفوس، ومنها السفر للاعتبار كما في قول الله - تعالى -: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [(9) سورة الروم]، ومنها السفر من أجل الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح، والترغيب في دين الله - تعالى -، ولكن لهذا السفر ضوابطه، فإياك ثم إياك أن يكون السفر إلى الخارج لغرض الدعوة غطاءً للتمويه على الأهل وتخلصاً من تبعة المساءلة، فكم ذهب أناس بحجة الدعوة فعادوا وقد تغيّرت طباعهم ورقّ إيمانهم، وما خفي كان أعظم، فدخلوا في دهاليز الزواج بنية الطلاق. وما لم يكن لدى الداعية علم يتسلح به وينفع به، وتقىً يحول بينه وبين المحرّم فإن بقاءه في بلده أسلم لدينه وعرضه، ولن يعدم في بلاده وسائل يخدم من خلالها دينه وأمته ومجتمعه، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح: بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [(14-15) سورة القيامة)].

فهذه جملة من الأسفار الواجبة والمندوبة والمباحة، وأما غير ذلك من الأسفار فلا يليق بعاقل أن يضيع فيه وقته، أو يتعب فيه بدنه أو ينفق فيه ماله: وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(220) سورة البقرة] ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).

أيها المسلمون: إنّ السفر الذي احتُسب فيه الأجر والثواب وحُرِص فيه على الطاعة لهو بحقّ روضة للعقول، وبلوغ للأنس المأمول، وهو مَجْلاة للسّأم والكلال وبُعدٌ عن الرّتابة والنمطيّة والإملال، وفضاءٌ رحب للاعتبار والادّكار قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [(20) سورة العنكبوت].

إبّان السفر تتجلّى عظمة الخالق البارئ - سبحانه -، فتخشعُ له القلوب أمام بديع السموات والأرض، أمامَ بديع خلقِ الطبيعة الخلاّبة، وتسبّحه الروح لمفاتنها الأخّاذة الجذّابة، أراضٍ شاسعةٌ أنبتت أجملَ زهر بأطيب ريح، رياضٌ أُنُف وحدائق غُلب، نخيل باسقات وواحات مُونقات، رواسٍ شمّاء وأرض مَدحيّة وسماء وأنهار تجري بأعذب ماء أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ [ [(60)(61) سورة النمل] وسبحانَ الله، كم يغلب على كثير من الناس أن يمرّوا بهذه المناظر وكأنهم إزاءَها دونَ نواظر: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [(46) سورة الحـج].

يقول الإمام أبو الوفاء ابن عقيل - رحمه الله -: "فنعوذ بالله من عيونٍ شاخصة غير بصيرة، وقلوب ناظرةٍ غير خبيرة". ومن الحثّ اللّطيف على السفر النافع المفيد قولُ الثعالبي - رحمه الله -: "من فضائل السفر أنّ صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار ومحاسن الآثار ما يزيده علماً بقدرة الله - تعالى - ويدعوه شكراً على نعمه".

إن العُلا حدَّثتني وهي صادقة *** فيما تحدِّث أنّ العِزَّ في النُقَل

لا يُصلِح النفسَ وهي مدبرة *** إلا التنقلُ من حال إلى حال

وقال آخر:

إني رأيت وقوف الماء يفسده *** إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ

والأُسْد لولا فراق الغاب ما افترست *** والسهم لولا فراق القوس لم يصبِ

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة *** لملَّها الناس من عُجم ومن عربِ

وهل بلغ الصحابة الأجلاء والسلف النبلاء والأئمة الفقهاء ما بلغوا مِن ذُرى القمَم وقصَب السبق بين الأمم إلا بالرحلة في طلب الحديث وتحصيل العلوم والمعارف؟ ومن المعروف أن الكُحْل نوع من الأحجار كالثّرى يرمى على الطرق، فإذا تغرّب جُعِل بين الجفن والحدَق.

أيها المسلمون: يا مَن عزمتم على جَوْب الأمصار والأقطار وركوب الأجواء والبحار واقتحام الفيافي والقفار وتحدي الشدائد والأخطار، تلبّثوا مليًّا، وتريّثوا فيما أنتم بسبيله، وليكن في نواياكم أسوتكم بنبيكم، حيث ارتحل من مكّة إلى المدينة، حاملاً النورَ والضياء والهدى والإصلاح، وكذلك صحابته الكرامُ في أثره، حيث كانوا لنشر رسالتهم الربانية المشرقة أجلَّ السفراء، وسار في ركابهم كوكبة من العلماء، فشقّوا الأرضَ شقًّا، وذرعوها سفراً وتسياراً؛ طلباً للعلم والإفادة والصلاح والسعادة، وتصعّداً في مراقي الطّهر والنّبل، كلّ ذلك على كثرة المخاوف وشُحّ الموارد وخشونة المراكب وقلّة المؤانس، فهلاّ اعتبرنا بهم وشكرنا الباري جلّ في علاه على نعمِه السوابغ.

وفي زمننا هذا المتضخِّم بالدّعة والرفاه وجدب النفوس، أصبَح السفر والتنقّل ظاهرةً جديرة بالاهتمام والتذكير بالآداب الشرعيّة والضوابط المرعية، كيف وبعض الناس يمتطون هذه الأيام متونَ الطائرات وأمثلَ المركبات، أإلى صلة الأرحام والقرابات؟ كلا، أإلى طلب العلم والأخذ من العلماء؟ كلا، أإلى الأعمالِ الخيريّة والدعويّة؟ كلا، أإلى مواطنِ الطهرِ والفضيلة؟ بكل حُرقة: لا وكلاّ، بل إلى مستنقعاتِ الآثام والشرور ومباءات المعاصي والفجور، لمبارزة الملك الديَّان، بالذنوب والعصيان، حيث أملى لهم الشيطان أنّ هاتيك المنتجعات والشطآن هي أدواء علاجِ الملل من حرّ الصيف اللافح وأجواءُ الترفيه والسياحةِ والاصطياف. أيُّ دين وقيمٍ عند من يسافرون إلى مباءات الأوبئة الفتاّكة أجاركم الله؟! التي أسعرتها معطَيَات الحضارة السافرة، وألهبتها الشبكات الحديثة المذهلة وأذكاها الجفاف الروحي واليباب الفكري والتّرف الماديّ الساحق، فكان هذا الفهم الخاطئ لمعنى السّفر والسياحة التي آضت عند بعض المنهزمين صناعةً للتفلّت من القيم، والتنصّل من المبادئ والثوابت، مما كان سبباً في خَلط الأوراق لدى كثيرين بين السياحة البريئة والترويح المشروع وبين ضدّها، وبضدّها تتميز الأشياء. حتى صُرفت فئام من الأمّة عن تأريخها وأصالتها وتراثها ولغتها، فأضحَوا مُزَعاً تائهين أسرَى الليلية والتقليد والتبعيّة والتقاليد المستوردَة النشاز، حين هبّت أعاصير الشهوات والملذّات، وثارت لوثات الخلل الفكريّ والأخلاقي والانحرافات على جملةٍ من السلوكيات في كثير من المجتمعات فتركتها في دياجير الظلمات.

فيا سبحان الله! كيف تقضي المرأة سحابةَ عامِها كريمة معزّزةً ثمّ تسافر لتطّرح خمارها وحياءها، فاتنةً مفتَنة؟! أتقضي الفتاة ربيعَ عامها في جوٍّ مصون محافظ ثم تسافر لتبدّد حياءها وحشمتها؟! هل نحن رجالاً ونساءً في شك من ديننا؟! أو لسنا على ثقةٍ من قيَمنا وثوابتنا؟! إذًا لماذا هذا الانفصام في الشخصيّة، والتناقض والازدواجية في قضايانا الاجتماعية؟!.

وإنّكم لتأسفون أن يُعلّق كلّ هذا على مشجب الترويح والترفيه، زعموا وأنّى تندمل جروحنا النازفةُ وشروخُنا الراعِفة وفي الأمّة من لا يبالي بدينٍ ولا قيمٍ ولا أمنٍ ولا ذمم، فليت شعري! أبمثل هذا تبنى المجتمعات ويشاد صرح الحضارات؟! وليت شعري! أبمثلِ هذا تُعمَر الأوقات وتدوم الخيرات والبركات وتستجلَب البهجة والسعادة والمسرات؟!.

أيها المسلمون: إن السفر في الإسلام له حدود مرعية وضوابط شرعية، منها أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة وأماكن مشبوهة فلا، ما لم يكن ثمَّ ضرورة، مع المحافظة على شعائر الإسلام لاسيما الصلاة، وهل يُلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة والسباع الضارية؟!.

وقد ذكر أهل العلم شروطاً ثلاثة لجواز السفر إلى بلاد غير المسلمين:

أولها: أن يكون عند الإنسان دين يدفع به الشهوات.

ثانيها: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات.

ثالثها: الضرورة الشرعية كعلاج ونحوه.

إن السفر إلى بلاد الكفار له مفاسد كثيرة منها:

- الإعجاب بالكفار وبالتالي مدحهم والثناء عليهم بعد العودة.

- ومنها: أن كثيراً من المسافرين تعلقوا ببعض مقتنيات الكفار وملابسهم فجلبوها وافتخروا بلبسها، وإن شئت فانظر إلى انتشار لبس القبعات بين الشباب والسراويل القصيرة، وأنواع البنطلونات بين النساء والفانيلات التي تحمل العبارات الأجنبية وغيرها.

- ومنها: نزع النساء للحجاب بكشف الوجه أو جزء منه بلا حياء؛ لأن الزوج أو الأب أو الأخ رضي أو أمر مما نتج عنه تضايقهن من تغطية الوجه عند العودة مما أدى إلى ظهور موضة اللثام والنقاب بأنواعه ولا من شهم يغار، ولله در القائل:

ما كانت العذراء لتبدي سترها *** لو كان في هذي الجموع رجال!

- ومن مفاسد السفر إلى بلاد الكفار: رؤية الأبناء والبنات المناظر المحرمة والمنكرات الظاهرة ابتداءً من المطارات، وعدم تجنب الأب أولاده لتلك المناظر يعتبر من سوء التربية وتعريضهم للفتنة، فبئست والله التربية ويا لقبح هذا الصنيع الذي يعده بعض الآباء مكافأةً لأبنائه على نجاحهم.

- ومنها: الثناء على اعتدال الجو في تلك البلدان والتسخط من جو بلده إذا رجع مما قد يوقع في سب الدهر.

فنسأل الله جل وتعالى البصيرة في ديننا.

نفعني الله وإياكم بهدي...

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه...

أما بعد:

أيها المسلمون: إن للسفر المشروع سنناً وآداباً ينبغي معرفتها ومراعاتها:

أولاً: الإخلاصُ لله، وحسن المقصد وشرف الغاية ونبل الهدف.

ثانياً: طلب الصحبة في السفر لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب)) [إسناده حسن أخرجه مالك وأحمد وأهل السنن].

وروى البخاري في صحيحه: ((لو تعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)).

فالشيطان أحرص ما يكون على المسافر، ولهذا أمر الرسول بالرفقة في السفر، الذي يدلّك على الله مظهره، ويذكّرك إن غفلت مخبرُه، وما سمِّي السفر سفراً إلا لأنّه يسفر عن أخلاق الرجال ومعادنهم وطباعهم.

ثالثاً: الإتيان بدعاء الركوب ودعاء السفر.

رابعاً: التماسُ الوصيّة والدعاء من أهل الصلاح والفضل: جاء رجل إلى رسول الله فقال: "يا رسول الله إني أريد سفراً فأوصني، قال: ((عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف)) [رواه أهل السنن] وروى أبو داود والنسائي أن رسول الله  - صلى الله عليه وسلم- ودَّع عبد الله بن عمر عند سفره، فقال: ((أستودع اللهَ دينك وأمانتَك وخواتيم عملك)).

خامساً: التسبيح عند هبوط الأودية، والتكبير إذا علا مرتفعاً، كما ثبت ذلك في حديث جابر وابن عمر -رضي الله عنهما-.

سادساً: توديع الأهل والأقارب وغيرهم.

سابعاً: تعجيل العودة بعد الفراغ من الحاجة التي سافر لأجلها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهمته فليعجل رجوعه إلى أهله)) [متفق عليه]. والمراد بالعذاب الألم الناشئ عن المشقة، لما يحصل في الركوب والسير من ترك المألوف. ولقد سئل إمام الحرمين: "لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فرقة الأحباب".

ثامناً: متى ما كان السفر ملهياً عن طاعة الله أو مشغلاً عنها فلا خيرَ فيه، ولهذا نهي المسلم أن يسافر يوم الجمعة حتى لا تفوتَه الصلاة، وفي البخاري أن النبي قال لمالك بن الحويرث وصاحبٍ له: ((إذا كنتما في سفر فليؤذن أحدكما، وليؤمكما أقرؤكما لكتاب الله)).

تاسعاً: من نزل منـزلاً أثناء السفر فليقل: ((أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق، لم يضرّه شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل)) [رواه مسلم عن خولة بنت حكيم].

قال القرطبي - رحمه الله -: "هذا خبر صحيح علمنا صدقه دليلاً وتجربةً، منذ سمعته عملت به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلة فتفكرت فإذا بي نسيته".

عاشراً: الدعاء في السفر مستجاب، وفي الحديث ((لا ترد دعوتهم وذكر منهم المسافر)) [أخرجه أهل السنن].

الحادي عشر: السير بالليل مستحب إذا لم تكن هناك مخاطر واضحة، فعن أنس أنه قال: ((عليكم بالدّلجة، فإن الأرض تطوى بالليل)) [رواه ابن خزيمة].

أما إذا انطوى السير بالليل على خطورة بيّنة، من نعاس سائق أو ضعف أنوار، أو عدم وضوح الطريق، أو وجود ضباب ونحوه فلا يجوز السير بالليل.

الثاني عشر: حسن التعامل مع وسيلة السفر: فإن المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

الثالث عشر: حمل بعض الهدايا عند العودة بحسب القدرة.

أيها المسلمون: وأخيراً أذكرك يا عبد الله بسفرك إلى الآخرة: فالعبد من حين استقرت قدمه في هذه الدنيا، فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كُتب له إلى أجله.

فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل سفره، فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر.

ناصر بن محمد الأحمد

إمام وخطيب جامع النور بالخبر

  • 1
  • 0
  • 4,730

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً