نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

الصِّرح الشامخ

منذ 2015-09-13

حين تكتب المرأة عن الرجل؛ فهي تقف عاجزة أمام هذا الصِّرح الشَّامِخ الذي يتَمِّم نصف شموخِها، ويمدُّ وَصْلَ شِرْيانها بالحياة في تكامُلٍ وتمازُجٍ بربطُ بينهما برباطِ الوَفاء، وعُهودِ الإِخلاص للرِّسالةِ النَّبيلة التي يحمِلانها، والتآلف الذي يوثِّق بينهما أواصِر المودَّة، والرَّحمة، والتَّعايُش المُنْسَجِم مع ممارستهما لمعاني العبودِيَّة في أسمى مراتبها، والارتقاء بوجودهِما المشترك لإِرْساء قواعِد البيتِ النَّاجِح وبناء الأسرة الطيِّبةِ الأعراق، وتَنْشِئَة الجيلِ الصَّالح والنَّافِع لمجتمعِه وأمَّتِه.

فالرجل والمرأة؛ يمثِّلان كيانًا مشتركًا.

ومهما أدركَت المرأة من فنونِ التَّعبير البديع، وامْتَلكَت فصاحَةً في اللِّسانِ، وبيانًا مُحْكمًا، ومنطِقًا رشيدًا، ورأيًا سديدًا، تظلُّ قاصرةً عن بلوغِ تلك القمَّة التي يقف الرجل عند حدِّها، لأنَّه كيانٌ مستقلٌّ بذاته كما أنَّ لها قمَّة ترتفع إليها وكيانًا ووجودًا مختلفًا عن وجودِه، وهذا الاختلاف والتنوُّع لا يحطُّ من قَدْرها  كما لا يُضْفِي على الرجل صفةَ الكمال والتمَّام الذي لا يعتريه نُقْصان، إنّما هي صفة تنوُّعٍ واخْتِلاف مرُتْبِط بالتَّكوين والتَّركيب النَّفسي والفيسيولوجي المُوافِق لمعطياتِ الفطرة والطَّبيعة التي جُبِل عليها كلٌّ منهما.

والرجل والمرأة في تكامُلهِما ارتقاء إلى القمَّة.

فالرجل يرتقي إلى  القمَّة؛ عند احتوائهِ للمرأة التي هي أمه، أو ابنته، أو زوجته، أو من أصلِ قرابتِه ورحمه، أو من فرعِه المُمْتَد عنه بامتدادِ أثَرِه الطَّيب، وهو بذاك الاحتواء يحقِّق لوجودِها قوةً وتمكينًا، ويحفَظُ لكيانِها أمانًا وإقرارًا بالسَّلام ويلبِّي حاجاتها الضروريَّة، ويوفِّر لها أسباب الحياة الكريمة، ويصونُ كرامتها من الإبتذال، ويذوذُ عن شرفِها وعرضِها  فلا يُداس.

والرجل يرتقي إلى  القمَّة؛ عندما ينعكس نور إيمانِه الباطني على ظاهرِه وعلى من حوله، وعندما يمارس التديُّن الحقيقي ويطبِّق أحكامه في كلِّ شؤونِ حياته، فيكون أهلاً لحَمْلِ الرِّسالة وتكريمِه بالرِّفعة والمكانة، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء:70]،  وهذا الاصْطِفاء يحتِّم عليه التقدُّم نحو صفوفِ القيادة، والالتزام بواجبِ التَّكليف والولاية، تطبيقًا وإقرارًا بعهودِ الالتزام بحفظ الأمانة، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ} [الأحزاب:72].

وهو بهذا الالتزام بالعقود، والوفاء بالعهود، يستحقَّ أن يكون في زمرة من اختارهم الله وفضَّلهم بشرف القِوامة، وذكرهم في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:34].

والرجل يرتقي إلى  القمَّة؛ عندما يختار لوجودِه هدفًا عظيمًا وغايةً أَسْمى تجعله يرتقي أعلى درجات الاستقامة، ويتحلَّى بمكارمِ الخِلال والسَّجايا، ويسمو بأخلاقِه عن خوارمِ المروءَة والجَهالة، ويحضُّ الخُطى على الجدِّ في العمل والسَّعيِ لبلوغِ مراتب الإِنْصافِ والعَدالة، والسَّخاء في الجودِ والعطايا، والإحسانِ والإيثار مع فضلِ الزِّيادة، وغَضِّ الطَّرف عن الإساءة.

والرجل يرتقي إلى  القمَّة؛ حين يدرك أن للمرأة التي تشاركه هذا الوجود مكانتها التي تليق بها كما له مكانته التي تليق به، فيحافظ عليها كحفظِه لنفسه، ولا يبخَسُ حقهَّا ولا  يقلِّل من شأنها أو ينقِصُ من قدرها، ولا يهين كرامتها  أو ينكر ما خصَّها الله به من حُظْوةٍ وعِناية، وأفضلية تزكِّي أفضَلِيَّتَه وتتَمِّمُها وترفع درجاتِه وتسمو بها، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} [البقرة:228].

ولا أفضَلِيَّة لرجلٍ قد فقَدَ تلك المعاني وصَدَّ عن تلك الغايات النبيلة، وسعى في الأرض عُتُوًّا وفسادًا، وطغيانًا وجَبروتًا، واستبدَّ به التعصُّب لتقاليد وأعراف ورثها عن أجداده وليس لها في حُكمِ الدِّين من عرفٍ أو انْتِساب.

كما أن المرأة ترتقي إلى القمَّة؛ باتِّصافها بالحياء، والعفَّة والطَّهارة،  وحفاظِها على طبيعتها المُرْهفَة وإحساسِها الدَّافئ، وعاطفتها الجيَّاشَة التي تحتوي زوجها فتسرُّه، وتحتوي بيتها وأسرتها وأبناءها ومن حولها.

وحين تعين الرَّجل على طاعة الله، فتحميه من الوقوع في مراتِع الفساد، أو السُّقوطِ في شرَكِ الظلَّال ومواطنِ الانحراف، وترُدُّه عن كلِّ غائلة تحطُّ من قدره ومكانته، وتجودُ عليه بما يقوِّي عضُدَه ويشُدُّ ساعِدَه لمواجهة المحن والتصدِّي للشدائد، والخُطوبِ والرَّزايا، والانتصار على النفس في ساحات النِّضال ومصارعِ الأهواء.

والمرأة ترتقي إلى القمَّة؛ حين يشعُّ نورُها في الأرض كالشمس أول انكِشافها تغمر الأرض بالدِّفء والحياة، وحين تُذيعُ الحقَّ بلسانِها وتقِرُّه بسلوكِها وقد انْصاعَت جوارحُها لأوامر الله ونواهيه، إيمانًا وتصديقًا، وإقبالاً على الله، وحبًّا يصِلُ قلبها وروحها وكل أعضائها بحبل الله المتين، ويبلِّغُها أعلى المراتب في الجنان، ويكفيها رفعةً وعزًّا أن تصون ميثاق الالتزام الذي من شروطه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زوجها دخلت جنة ربها» (صحيح الجامع).

والمرأة ترتقي إلى  القمَّة؛ حين تتملَّك الرجل بما آتاها الله من مكارم الأخلاق وبما ابيضَّ من حسن سريرتها، ولا يتملَّكُها بضعفٍ يجْرفُها إلى تيَّارِ أهوائِه، ولا إلى ما اسْوَدَّ من رغباتِه ونزواته، ولا يحظى بمفتاحها حتى يستحقَّ أن يكون بطلا فاتِحًا، وأهلاً للانتصار في معارك الحياة، كما تكون له أهلاً، وتكون قلبه النَّابض وعقله الرَّشيد الذي يصون كرامته ونخوته، ويحافظ على ذِرْوةِ شعورِه بكبريائه، وتكون وقودَه ومحرِّك طاقتِه وإرادتِه التي تحثُّ همَّته على المسير نحو القمة في الالتزام بالدين، والأخلاق، والقدرة على القيادة ونوالِ الرِّفعة عن جدارة.

وليست القمَّة هدفًا زائِلاً أو غايةً ساقِطَة.

بل هي كفاحٌ مقدَّس ليس قِوامُه الاستبداد، أو امتلاك بلا وجه حق، أو الاستعبادِ بالقهر وإثباتِ القوَّة بالقَسْر، أو الاعْتِدادِ بالنَّفس بالغُرور والخُيَلاء، أو التحَجُّرِ على مبدأ "البقاء للأقوى"، لأنَّ "البقاء للأَصْلَح وللأَقْوَى بالحقِّ والعدل"، أما ما يحمله الإنسان من طينَةِ الأرض وخبَثِها، فمصيرُه إلى زَوالٍ واضْمِحْلال، كالزَّبَد يطفو على السَّطح ثم ما يلبث أن يتحلَّل ويصير جُفاءً، وهذا مصير ما كان أصلُ ظهورِه ومصدرُ قوَّتِه بالباطل والغلبة والبطش،  فكما بدأ بقوة الجور ينتهي بسلطان الحق والعدل، ويتبدَّد ولا يرجى من وراء ظهورِه إشراقٌ أو انتشار، وليس بعد صعودِه إلى القمَّة إلا السُّقوط إلى الهاوية، مصداقا لقول الحق سبحانه من وضع الميزان بالقسط والعدل فقال: {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض} [الرعد:17].

وليست القمَّة ساحة حربٍ أو نِزال بين الرجل والمرأة.

إنما القمَّة مرتبةٌ عالية لا تُدرَك بأحَطِّ المَطامِح والمَطامِع، بل بما يتمَثَّلانِه من قِيَم وفضائل، وعلى قدر استيعابهِما لحقيقة وجودهما المشترك الذي يسمح لهما أن يتعاونا فيما بينهما على البرِّ والتَّقوى، مصداقا لقول الحق سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [ المائدة:2].

وأن يتقاسَما المهامَّ والوظائف والمسؤوليات بحسب ما ينسجِم مع طبيعة كلٍّ منهما، ويتوافَق مع ما اختارَهُما الله له وخصَّهُما به، ليعْمَلا سوِيًّا للنُّهوض برسالة التغيير والإصلاح، وسلوكِ الطَّريق الوارِيَة إلى بلوغِ مرتبة القمَّة قولاً وفعلاً، وسلوكًا ومعاملات.

وهذا من الإشراقات التي تسطع على النفوس والتي نستمدُّ نورَها من التأمًّل والتدبُّر في أسرار قوله تعالى: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء:32].

والتي تؤكِّد على تلك الحقيقة الخالدة التي جعلت كلاًّ من الرجل والمرأة في ميزان التكليف والتشريف والمسؤولية سواء، إلا أن لكلٍّ منهما أفضليته المرتبطة بخصائص طبيعته الفكرية، والنفسية، والاجتماعية، والجسدية، ولكلٍّ منهما درجته ومرتبته من الثواب والرِّفعة التي تناسِب المهمة التي أنيطت به.

  • 2
  • 0
  • 865
i