صحابيات - [22] الشفاء العدوية

منذ 2015-10-07

الصحابية الجليلة الشفاء العدوية: اسمها ليلى، والشفاء هو لقبها، أسملت في مكة هي وزوجها أبو حفنة بن حذيفة ثم هاجرت إلى المدينة.

سنتحدث عن صحابية ذات شخصية نسائية مبدعة.

هل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نساء مبدعات -وربما تجرأ البعض- وتمادى في سؤاله متهكم هل يمكن للمرأة أن تكون مبدعة؟ لن أجيب عن هذه الأسئلة الآن، بل سأصطحبكم معي في رحلة تاريخية تأخذنا إلى رحاب سيرة تلك الصحابية الجليلة. سأترك لكم المجال بعد ذلك لتحكموا بأنفسكم على صحة ما أقول.

الفصل الأول من القصة:

يبدأ بفتح الستار عن صورة لصحابية شابة تجلس بين يدي صحابية أخرى، كما يجلس التلميذ بين يدي معلمه. تعالوا بنا نقترب أكثر؛ لتضح معالم الصورة؛ إنها (شفاء العدوية)، تعلم تلميذتها القراءة والكتابة، أتعلمون من هي تلميذتها؟ إنها أم المؤمنين حفصة بنت عمر الخطاب زوجة النبي صلى الله عليه وسلم تجلس بين يدي شفاء تتعلم منها القراءة والكتابة بأمر من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. الحقيقة أن حفصة تتلمذت على يد الشفاء قبل زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما تزوجها النبي طلب إلى شفاء أن تكمل تعليم حفصة.

إذن إبداع شفاء تجلى في إدارة الأمر في اتخاذها القرار بأن تتعلم، قد يحاول البعض الغض من شأن هذا الإبداع، فيقول: هل في تعلم المرأة للقراءة والكتابة، وقيامها بعد ذلك بمهنة التعليم إبداع؟ لمثل هذا السائل أقول: عليك أخي السائل ألا تزن ما حدث منذ خمسة عشر قرنًا بموازين عصرنا اليوم، حيث بات تعلم المرأة أمر بديهي تستطيع كل أنثى أن تفعله.

إن الموضوعية تقتضي الرجوع إلى الوراء إلى ذلك العصر حيث كانت الأمية سائدة بين العرب رجال ونساء كان لا يحسنها إلا القليل النادر منهم، وهذه حقيقة ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم حيث قال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة:2]، إذا للأميين رسولًا منهم لا نتجنى عن الحقيقة، إذا قلنا أن من شعراء العرب وفصحائهم وبلغاءهم كانوا أميين لا يحسنون القراءة والكتابة، عندما تبرز في هذا الجو الأمي أنثى تقرأ وتكتب، الأمر الذي يفتقده كثير من الرجال فضلًا عن النساء، ثم تقرر هذه الأنثى أن تقرر محو أمية مجتمعيه تبدأ بتعليم بعضها القراءة والكتابة. نستطيع بكل ثقة أن نسمي سلوكها هذا إبداع.

هل الإبداع سوى أن يقرر المرء تغيير المألوف ثم يسلك طريقه الفعلي إلى هذا التقرير، لا نعلم بالضبط متى تعلمت الشفاء القراءة والكتابة؟ هل كان هذا في الجاهلية أم بعد إيمانها بالإسلام، وسماعها بالقرآن الكريم؟
فالآيات الأولى التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم والتي قال الله تعالى فيها: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق:1-2] هذه آيات بينات توضح أهمية القراءة بكل أشكالها، خاصة عندما تلتها آيات أخرى في سور متفرقة تحث المسلمين على العلم والتعلم كسورة القلم مثلًا التي بدأها الله تعالى بقوله: {ن . وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } [القلم:1-2] فأقسم الله تعالى بالقلم، وبالكتابة، إذن هو إعلام بأهميته في المسيرة الحضارية والتقدمية للبشرية.

أقول: قد لا يهمنا كثيرًا أن نعلم متى تعلمت شفاء القراءة والكتابة، ولكن يهمنا أن نعرف موقف النبي صلى الله عليه وسلم منها ومن علمها؟ لم يقل النبي الكريم لها امكثي في بيتك يا امرأة -فذلك خير لك- لم ينكر عليها أن تخرج من بيتها؛ لتعلم غيرها بل على العكس تمامًا شجعها، ودفعها؛ لتقوم بدورها في مجتمعها، وعهد إليها بتعليم زوجته حفصة القراءة والكتابة، حقًا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (صحيح البخاري[3383])، أين هذا مما يفعله اليوم بعض المفترين على الإسلام؟ وباسم الإسلام؛ حين يمنعون المرأة من الخروج من منزلها من أجل أن تتعلم العلم أو من أجل أن تعلمه، بل والأدهش من ذلك هناك من يستند إلى حديث ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويزعم أنه يقول فيه: "لا تعلموا النساء القراءة والكتابة" طبعًا هذا ليس حديث نبوي بل هو حديث موضوع، ومكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، وحاش للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا، وهو يبلغ عن ربه قرآن ينبض من كل جوانبه لأهمية العلم والتعلم والتعليم، وهو الذي دائمًا كان يؤكد قائمًا «طلب العلم فرض على كل مسلم» (صحيح الجامع[3914])، طبعًا ليس المراد من قوله كل مسلم ذكور المسلمين فقط، بل إن استخدام لفظ المذكر شائع عند العرب من أجل خطاب جماعة الذكور والإناث معًا.

أضحك ألمًا؛ حين أسمع من يزعم أن منع الإناث من التعلم ضروريًا حتى لا يتخذ العلم وسيلة لكتابة الرسائل الغرامية -كأن العلم ليس له وظيفة إلا كتابة الرسائل الغرامية- طلب العلم يا إخوتي فريضة على المسلم وعلى المسلمة وأكثر من هذا، هناك علوم ينبغي أن تتخصص بها النساء، وهذا فرض كفاية إن قام به بعضهم سقط الإثم عن الجميع، وإن لم يقم به أحد منهن أثم جميع النسوة.

سمعت عن فئة متشددة العجب العجاب، سمعت أنها تحرم على المرأة الذهاب إلى طبيبة نسائية، وتبيح لها الذهاب إلى طبيب لا إلى طبيبة؛ لأن الطبيبة حسب قولهم آثمة بسبب تعلمها، وعندما تذهب إليها المرأة فإنها تشجعها بذلك، وعلى العلم وعلى التعلم وبذلك تشجعها على الإثم، لا أدري كيف يفكر هؤلاء في حين اعتبر الإسلام شهادة المرأة وحدها كافية في الأمور التي تخص النساء في الولادة والبكارة وعيوب النساء.

عندما نعود إلى عصر الصحابة الكرام نجد أول فقيهة ومفتية في الإسلام السيدة عائشة رضي الله عنها، يقول المؤرخون عنها: حمل ربع الشريعة عن السيدة عائشة، كانت التابعية أم الدرداء مفتية وفقيهة كان لها مجلس علم في الجامع الأموي بدمشق يحضره الخليفة عبد الملك بن مروان، كما كان يحضر رجاء بن حيلة معلم الخليفة عمر ابن عبد العزيز كان من ضمن شيوخ الحافظ المنذر عشرون شيخة من ضمن شيوخ ابن القيم الجوزية اثنتا عشرة شيخة، لم يكن هؤلاء العلماء وغيرهم يرون بأسًا في أن يقولوا حدثتنا الشيخة فلانة وسمعت الشيخة فلانة، كانت المرأة مفتية، ومحدثة،لم يجد أحد من العلماء غضاضة في ذلك.

إذن الإسلام يشجع النساء على الإبداع والعطاء، يفسح لهن دور في أن يكن رموز يقتدي بها النساء وربما الرجل أيضًا، أليست الشفاء العدوية رمزًا! أليست السيدات عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وحفصة، وفاطمة، وأسماء، وأم سليم وغيرهن رضي الله عنهن رموز ومنارات هداية؟! كلمة رمز تعني هنا القدوة الصالحة لا يشترط أن يحيط الرمز علمًا بكل شيء، لا يشترط أن يكون قدوة في كل المجالات، هناك رموز في مجال العلم، وأخرى في مجال الدعوة، وثالثة في مجال الجهاد، ورابعة في مجال القضاء وخامسة في مجال السياسة، وغير ذلك.

قد يستغرب البعض هذا الطرح ويتساءل إذا كان الإسلام يشجع المرأة على أن تكون مبدعة ورمزًا، فلماذا لا نجد في التاريخ الإسلامي سوى أقل من القليل؟ من هذه الرموز في رأيي يعود ذلك إلى أسباب عديدة متضافرة، في قمة هذه الأسباب سوء فهم الدين وإلباس العادات والتقاليد لباس الدين، ألا توافقوني إخواني وأخواتي على هذا؟
نرى اليوم مع الأسف من يستبدل بالآيات، والأحاديث التي تحث المسلمين رجالًا ونساءً على العلم والتعليم يستبدلونها بحديث موضوع على لسان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعلمونهن القراءة والكتابة" نرى من يعرض عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية مع الصحابيات؛ تلك السنة المليئة بكل ما من شأنه أن يفسح لهن المجال لاكتشاف مواهبهن الطاهرة، وتنمية هذه المواهب وإظهارها على حيز الواقع.

نسمع من يقول للنساء بدل من ذلك لا يجوز لكُن الخروج من المنزل لأي سبب مهما كان شريفًا ونبيلًا وهامًا فإن قلن له: لماذا؟ استدل بالآية الكريمة التي تقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب:33]، هذه الآية من سورة الأحزاب نزلت كما نعلم بخصوص نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي خصهن الله تعالى بكثير من الأحكام، ولكن البعض يأبون إلا أن يلبسوها معاني لا تحتملها يعمموها على جميع النساء المسلمات رغم أن خصوصية ذلك الحكم بنساء النبي صلى الله عليه وسلم واضحة في الآية التي تسبقها، والتي يقول فيها الله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب:32] أليس هذا افتراءات على القرآن الكريم وتحور مراميه ومعانيه؟ هذا من جهة، من جهة أخرى من ضمن الأسباب التي تعيق المرأة عن أن تكون رمز للثقافة المجتمعية؛ الذكورية المتهضة للنساء التي ترى أن المرأة أقل شأن من الرجال، وأن مهمتها الأولى والأخيرة تنحصر في إنجاب الأطفال ورعاية الأسرة وأنها لا طاقة لها. وبما هو فوق هذا ويزيد الطين بلة؛ خضوع المرأة لهذه المفاهيم المشوهة واستسلامها لها وعدم استعدادها؛ لأن تبذل أي مجهود لتصحيحها وتغيرها إما كسلًا واستسلامًا وإما جهلًا بالحقيقة.

الله أعلم يمكن لنا أن نشبه مسيرات النبي صلى الله عليه وسلم التعليمة مع الصحابيات بخط بياني واضح المعالم بدأت فيه المرأة بالصعود التدريجي، كان من المفروض والذي يفترض به أن يستمر هذا الصعود بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تصل المرأة إلى أعلى مستوى في الخط البياني، ولكن ما حدث هو أن السير التصاعدي على هذا الخط تباطأ قليلًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وازدادا التباطؤ إلى أن توقف، بدأً من القرن الهجري بعد هذا التوقف كان التراجع، والتقهقر المريع في القرن السادس الهجري، وما بعده حيث وصل إلى أدنى مستوياته حين غيبت المرأة عن المجتمع فظلت قرابة خمسة أو ستة قرون رهينة المحبسين؛ الجهل والفقر، ويحاول علماء المسلمين اليوم في أعتاب القرن الواحد والعشرين الذي تراكم على الخط البياني وأن يبدءوا من جديد صعود تدريجيًا نحو القمة بدل الانحدار أو الجمود والتكاسل والتقاعس.

نعود إلى الصحابية الجليلة الشفاء العدوية لنرى صور أخرى من حياتها، وسيرتها، ولكن بعد أن نذكر لمحة موجزة عن حياتها؛ هي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية العدوية.

يقال: إن اسمها ليلى، والشفاء هو لقبها، أسلمت في مكة هي وزوجها أبو حفنة بن حذيفة ثم هاجرت إلى المدينة حين أذن الله تعالى بالهجرة -تبخل علينا كتب التراجم بالكثير من تفاصيل حياة الرموز الذين تترجم لهم، وتكتفي بالخطوط العريضة- من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور زوجها، وينام نومة القيلولة في بيتهما، وكانوا قد خصصوا له فراشًا، وإزارًا لهذا الغرض، وقد احتفظت الشفاء بذلك الإزار والفراش، فلم يزل عند ولدها سليمان بن أبي حفنة حتى استوهباه مروان بن الحكم -لعل بعضكم سمع اسم سليمان بن أبي حفنة من قبل- أذكركم بهذا الاسم: سليمان بن أبي حفنة الصحابي الحافظ لكتاب الله تعالى عينه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إمامًا للنساء في صلاة الترويح في رمضان يصلي بهن في المسجد النبوي، أما الرجال فكان يتناوب على إمامتهم الصحابيان أبي بن كعب والتميم الداري رضي الله عنهما لما كان عهد عثمان ابن عفان جمع النساء، والرجل على قارئ واحد هو سليمان بن أبي حفنة إذن سليمان هو ابن الشفاء العدوية هذا الشبل من ذلك الأسد أو لنقل من تلك اللبوءة المؤمنة.

في حياة الشفاء العدوية صورة أحب أن أسلط عليها الضوء؛ هي قضية الرقية.

يروى في هذا أن الشفاء العدوية كانت ترقي في الجاهلية من داء يسمى النملة؛ والنملة هو مرض يصيب الإنسان في جنبه بقروح يشعر معها، وكأن نملة تدب على جسده وتعضه. لما جاء الإسلام ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقية، وقال في أوصاف الذي يدخلون الجنة بغير حساب «أنهم لا يرقون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون» (صحيح الجامع [3999])، توقفت الشفاء عن الرقية.

أصيب أحد الصحابة يوما بهذا الداء داء النملة فأتى للشفاء يسألها أن ترقيه فتمنعت الشفاء، وقالت: "والله ما رقيت منذ أسلمت"، فذهب الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بتمنع الشفاء، ويستفتيه في جواز الرقية، دعا النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء وقال لها: «اعرضي علي -أي اذكري أمامي- اعرضي علي الرقية التي ترقين بها»، فعرضتها الشفاء على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «ارقيه، وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة»، ماذا كان محتوى رقية الشفاء العدوية؟ لماذا أقرها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما هي الرقية أصلًا؟ ما هي الحدود الفاصلة بين الرقية المحرمة، والرقية الشرعية؟

 الرقية الشرعية هي تعوذ من يرقي بالله العظيم أي يستعين بالله تعالى، ويلتجأ إليه لحماية من يرقيه من الشر والمكر، هذه الرقية تكون بأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه، ولا يجوز أن تكون فيها استعانة بمن سواه حتى ولو كان بأسماء الملائكة أو صفات الملائكة، لا يجوز أن تكون في الرقية.

أما الرقية المحرمة هي التي تكون على أسماء الشياطين وألفاظ الشرك بالله تعالى وهي التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم الرقية الشرعية لا تتنافى مع ما يقدره الله تعالى؛ بل هي من قدر الله تعالى، والمؤمن متفقه، والذي يدفع الأقدر بالأقدر، يدفع قدر الجوع بتناول الطعام، قدر العطش بشرب الماء، قدر المرض بالدواء والرقية.

روى الإمام أحمد والترمذي في الحديث الحسن الصحيح أن ابن خزامة سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيت يا رسول الله رقا نسترقيها، وداواء نتداوى به، وتقاة نتقيها؟ هل ترد من قدر الله شيء؟" فقال: «هي من قدر الله» (سنن الترمذي [2065]).

كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى يوما فجاءه جبريل عليه السلام يرقيه قائلًا: «يا محمد اشتكيت، فقال: نعم، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك وشر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك» (صحيح ابن ماجه [2856]).

يظن البعض أن من شروط الرقية؛ أن تكون الرقية مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنه يجوز أن تكون بغير المأثور، ويمكن أن تكو باللغة العامية أو باللغة الفصحى، الشرط أن تكون بأسماء الله أو بصفاته أو بكلامه -أي بكلامه الذي هو القرآن الكريم- يفضل للمرء أن ينتقي المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا من الأفضل، هذه الرقية التي علمها لصحابته ليسترقوا بها من الأمراض والعين والسحر، أو كان يرقي بها هو نفسه عليه الصلاة والسلام مما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى نفث على نفسه -أي نفخ على نفسه- إذا اشتكى نفس على نفسه بالمعوذات {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق:1]، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1]، ومسح عنه بيديه، ومنه أنه كان صلى الله عليه وسلم يمسح بيمينه على من يشتكي من أصحباه ثم يقول: «أذهب البأس رب الناس اشفي أنت الشافي شفاء لا يغادر سقمًا» (صحيح مسلم [2191])، أما رقية النملة التي عرضتها الشفاء على النبي صلى الله عليه وسلم فأقرها عليها لم يرد نصها في حديث صحيح، ولكن أورد ابن القيم الجوزية في كتابه زاد المعاد لرواية لم يذكر ابن القيم مدى صحة هذه الرواية نص فيها على محتوى هذه الرقية، ونص هذه الرقية هي "بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها، ولا تضر أحد، اللهم اكشف البأس رب الناس". 

إذن الرقية الشرعية حال المرض جائزة، ولكن المشكلة هي أن هناك من يستعني بهذه الرقيةعن الذهاب للطبيب وتناول الدواء، والحقيقة أن هذا قصور في الفهم لا يؤيده النص الحنيف، فلطالما كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على صحابته قائل: «تداووا عباد الله إن الله ما جعل من داء إلا وجعل له دواء» (الإلزامات والتتبع [9])، كان ينصح صحابته بالذهاب إلى الحارث بن كلدة؛ الحارث بن كلدة كان طبيب يعالج الناس في ذلك الزمان. 

إذن الرقية الجائزة تكون على جانب التداوي وليست بديلة عنه، كما أراد أن يعم في بعض الأحيان، ونستغرب عندما نرى بعض ما يسمون أنفسهم بالعلماء يفتتحون الآن مراكز لمعالجة الأمراض، ويسمونها عيادات الطب الروحي أو غير ذلك، يكتفون فيها بقراءة القرآن والرقية الشرعية، ويدعون أن باستطاعتهم مساعدة أي مريض على الشفاء سواء كان مرضه عضويًا أو روحيًا عن طريق هذه الرقية وحدها دون تناول أي عقاقير دوائية، وهذا يخالف الشرع من جهة إهمال اتخاذ الأسباب، ومن جهة ثانية أنه لا يشترط كصحة الرقية، وليس شرطًا أن يقوم بالرقية أشخاص معينون، بل يمكن لأي شخص مؤمن أن يرقي نفسه أو يرقي غيره، وهذا ما كان صلى الله عليه وسلم يعلمه لأصحابه في الرقى التي ذكرناها، وقوله للشفاء علمي حفصة رقية النملة دليل على ذلك، لم نسمع عن أحد من أصحابه عليه الصلاة والسلام افتتح عيادات للاستشفاء بالرقية والقرآن الكريم، سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته.

بقي علينا أن نتحدث عن الشفاء العدوية من خلال الحديث عن حياتها في عهد الخليفة الراشدي عمر رضي الله عنه، لقد أدرك عمر رضي الله عنه ما في هذه الشخصية من مميزات عديدة تؤهلها؛ لأن تكون رمز قيادي مبدع فولاها حسبة السوق، ماذا تعني حسبة السوق؟ هل هناك صحابية غير الشفاء تولت هذا المنصب؟، وهل تصلح المرأة لتولي المناصب السياسية أصلًا؟

الحسبة هي منصب من مناصب الحكم يتولى فيه المحتسب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكافة الطرق المشروعة يمكن أن نسميها بلغة اليوم مؤسسات رقابية على الأنشطة التي تتعلق بمصالح الناس الدينية والدنيوية للتأكد من أنها تتم بموجب الشريعة، يذكر أيضًا أن الصحابية أسماء بنت مهيكل أسدية كانت أيضًا ممن وُكل حسبة السوق في مكة، وأنها كانت تمشي في السوق فتأدب الناس وتأمرهم بالمعروف وتناهم عن المنكر، عندما نتحدث عن تولية عمر رضي الله عنه للشفاء على حسبة السوق لتراقب التجار والعمال وتعاقب وتردع كل من لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر، فإن هذا لا يعني أولًا أنه كان بيد الشفاء نوعان من السلطة، كان بيدها سلطة رقابية وسلطة تنفيذية، وهذه السلطة هي نوع من أنواع الولاية العامة، وهذا يعني -ثانيًا- أن المرأة تصلح لأن تتولى مناصب الولاية العامة إذا كانت تمتلك المؤهلات المناسبة لذلك المنصب.

بعض العلماء ينكرون جواز تولي المرأة المناصب السياسية بجميع أنوعها من رئاسة ووزارة، وعضوية في المجالس التشريعية أو المحلية، حجتهم في هذا أنها ولاية عامة وأن المرأة لا تصلح لهذه الولاية شرعًا، ويستدلون بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء:34]،وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة» (صحيح البخاري [4425])،المتمعن في السياق الذي وردت فيه الآية الكريمة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} يجد أنها تتحدث عن نوع خاص من الولاية ينحصر في مجال الأسرة ورعايتها والإنفاق عليها وترتيب الإدارة فيها وأنها ليست آية عامة في كل الأحوال والمجالات، أما قول النبي صلى الله عليه وسلم «لم يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» فهو حديث صحيح، ولكنه أيضًا ورد في سياق خاص يذم فيه النبي صلى الله عليه وسلم تنصيب موران بنت كسرى على العرش بعد وفاة أبيها رغم أنها لا تمتلك المؤهلات الكافية لذلك وفي ظل وجود من هو أكفأ منها.

لذلك فإن الحديث الشريف يتحدث عن حالة معينة، ولا يراد منه النهي عن تولية المرأة بشكل عام، وإلا لعارض القرآن الكريم الذي يمتدح بلقيس ملكة سبأ في قيادتها الحكيمة لقومها، وكانت سبب لنجاتهم في الدنيا والآخرة، وبناء على هذا ذهب أكثر المعاصرين، ومجتهدي العلماء المعاصرين من مجتهدي هذه الأمة كالشيخ شلتوت، والشيخ المراغي -شيخي الأزهر سابقا- رحمهم الله والشيخ محمد رشيد رضا، والدكتور محمد السباعي، والدكتور القرضاي، وشيخ الغزالي.

ذهب هؤلاء العلماء إلى جواز تولي المرأة للمناصب السياسية بجميع أنواعها طبعًا على خلاف بينهم بخصوص رئاسة الدولة، لكن ما عدا ذلك اتفقوا على أنه يجوز، وأول أراء الفقهاء الذين يمنعون المرأة من الخلافة والوزارة بأن هذه المناصب كانت مناصب سياسية ودينية، وذلك في زمن الفقهاء كانت المرأة إمامة الصلاة وخطبة الجمعة من مهام الخليفة أو وزير الخليفة وبما أن المرأة لا تصلح لإمامة الناس في الصلوات عمومًا، وخطبة الجمعة وصلاة الجمعة خصوصًا لسبب ما يعتريها من أحوال معروفة لم يكون من الممكن أن تكون خليفة أو وزيرة، ولكن قد تم اليوم الفصل بين هذه السلطات الدينية والسياسية.

إذن ليس هناك مانع شرعي يمنع المرأة من تولي المناصب السياسية، استدل هؤلاء المجتهدون لكلامهم بالقاعدة الشرعية المعروفة لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان والبيئات، الحقيقة أن هناك نساء وصلن إلى سدة الحكم يحدثنا عنهم التاريخ القديم والمعاصر، وأنهن فقن الكثير من الرجال في الحكمة والحنكة والقدرة على اتخاذ المواقف الجريئة والصائبة في الأوقات الصعبة، عندنا من هؤلاء شجرة الدر، والسيدة شغب أم الخليفة المقتدر بالله، ومنجاواتي سيتام في أندونيسيا، بينازيبوتا في باكستان خالد الضياء، أيضًا في الباكستان. إذن هذه هي أدلة ذهب إلى جواز تولي المرأة المناصب السياسية بجميع أنواعها الوزاية والتشريعية باستثناء رئاسة الدولة التي جري فيها خلاف بين هؤلاء العلماء.

نعود إلى السيدة حفصة لنراهم في يوم من الأيام هي تمشي في أزقة المدينة يروي عنها أنها رأت قوما يمشون الهوينة ويتكلمون رويدًا بصوت منخفض فقالت: "من هؤلاء؟" فقالوا: "نساك أي عباد"، فقالت: "كان والله عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان هو الناسك حقًا".

في ختام حديثنا عن الشفاء أقول رضي الله عن الشفاء وأرضاها فقد كانت حقًا علمًا ورمزًا فيه من العلم والحنكة والذكاء والجرأة الشيء الكثير.

 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 14
  • 2
  • 40,849
المقال السابق
[21] أسماء بنت عميس
المقال التالي
[23] سمية بنت الخياط

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً