صحابيات - [13] زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم 1

منذ 2015-10-08

ابنة النبي صلى الله عليه وسلم "زينب الكبرى" وقد لقبت بالكبرى؛ لأنها أكبر بناته عليه الصلاة والسلام، وتمييزًا لها عن زينب بنت فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين

حديثنا في رحلة اليوم عن ابنة خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، نستطيع من خلال سيرة هذه الصحابية الجليلة أن نرشف رحيقًا جديدًا يختلف بجوه وطعمه عما رشفناه يوم تحدثنا عن زوجات النبي رضي الله عنهم أجمعين، يومها استعرضنا حياة أمهات المؤمنين في بيت النبوة، ورأينا كيف كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع زوجاته، كيف كان يحبهن ويتلطف معهن ويتودد إليهن، كيف كان يعدل بينهن في المبيت والنفقة.

نعم رأينا وسمعنا كل هذا ورجونا أن يكون في هذه المسيرة الزوجية الناجحة والموفقة قدوة لكل خاطبين يخطوان على أعتاب الحياة الزوجية ويطمحان أن تكلل مسيرتهما بالنجاح والتوفيق والسعادة، وقدوة أيضًا لكل زوجين خاضا غمار هذه التجربة فتعثرت خطواتهما تارة واستقامت أخرى تمتعا بحلاوة العسل مرة وذاقا لسعات النحل مرات، عسى أن تكون حياة النبي صلى الله عليه وسلم الزوجية خير معين لهما في مسيرتهما؛ تعلمهما كيف يجتازان عقبات الطريق دون أن يكبوا أو يتراجعا، وكيف يجنيان العسل دون أن تؤذيهما الإبر واللسعات.

 سيكون حديثنا عن "الحياة الأبوية" للنبي صلى الله عليه وسلم، كيف كانت محبته صلى الله عليه وسلم لأولاده؟
كيف كان يوجههم ويتعامل معهم؟ وكيف نقتدي بهديه عليه الصلاة والسلام في تعاملنا مع أولادنا؟
لست أشك بأنكم في شغف وظمأ لمعرفة كل هذا، فأبناؤنا وبناتنا هم أكبادنا تمشي على الأرض، إن هبت الريح على بعض لم تشبع العين من الغمض. الحديث عن أولاد النبي عليه الصلاة والسلام شائق وجذاب وممتع، ولكننا سنكتفي بالحديث عن بناته "زينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة" رضوان الله عليهن وذلك لسببين:
الأول: أن برنامجنا مخصص للحديث عن النساء الصحابيات.
والثاني: أن أولاد النبي صلى الله عليه وسلم الذكور "القاسم وعبد الله وإبراهيم" توفوا جميعهم في سن صغيرة لحكمة أرادها الله تعالى.

إذن جلستنا لهذه الليلة عن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم "زينب الكبرى" وقد لقبت بالكبرى؛ لأنها أكبر بناته عليه الصلاة والسلام، وتمييزًا لها عن زينب بنت فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. نعود إلى الوراء إلى اليوم الذي ولدت فيه "أم المؤمنين خديجة بنت خويلد" ابنتها "زينب" وقد جرى خلاف بين العلماء حول البكر من أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو القاسم؟ أم زينب؟ ولكن ما لا اختلاف فيه أن القاسم على فرض ولادته قبل زينب لم يلبث إلا قليلًا حتى توفى وهو في المهد صبيًا.

إذن كانت ولادة زينب على الأرجح في وقت لم يكن لدى الزوجين الحبيبين ولد آخر، يحلو لنا هنا أن نتساءل كيف استقبل الزوجان هذه الأنثى؟ قد يستغرب البعض هذا التساؤل ويقولون طبعًا بالفرح والسرور والولائم والاحتفالات، أقول هذا ما حدث فعلًا فقد فرح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة بتلك المولودة أشد الفرح، ذبحت الذبائح احتفالًا بمولدها،ولكن هذا الفرح بولادة الأنثى تم على خلاف ما كان شائعًا في الجزيرة العربية آنذاك من كراهية الإناث وحب الذكور، فقد كان العرب يعتقدون أن المرأة المنجبة في عرفهم هي التي تلد ثلاثة بنين فأكثر، ولا يعتبرونها منجبة ولو ولدت خمسين بنتًا وأكثر من خمسين، كراهية العرب آنذاك للأنثى ذكرها القرآن الكريم على سبيل الذم والقدح فقال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل:58-59]، قد تكون كراهية العرب للأنثى ومحبتهم للذكور ناتجة عن ظروف الحياة الصعبة التي كانوا يقاسونها في جزيرة العرب، فالأنثى لا تحمل السلاح ولا تحارب لا ترد طمع الطامعين، بل هي مطمع للأعداء المغيرين يسبونها ويسترقونها فتورث قبيلتها ذل العمر وعار الأبد، كل هذا دفع بعض عرب الجاهلية إلى الشطط في هذه الكراهية لدرجة دفعتهم إلى وأد البنات وهن أحياء، والمدهش في هذا أن بعضهم كان يدعي أنه وئد ابنته رحمة بها وشفقة عليها مما قد يخبأه لها الدهر من مآسي ومخازي.
قال أحد الشعراء: 

أحب بنيتي وودت أني *** دفنت بنيتي في قاع لحدي
وما أن تهون علي لكن *** أخاف بأن تذوق الذل بعدي
فإن زوجتها رجلا فقيرا *** أراها عنده والهم عندي
وإن زوجتها رجلا غنيا *** فيلطم خدها ويسب جدي
سألت الله يأخذها قريبا *** ولو كانت أحب الناس عندي

وقال شاعر آخر: 

وزادني رغبة في العيش معرفتي *** ذل اليتيمة يجفوها ذووا الرحمي
أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ *** وكنت أبكي عليها من أذى الكلم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا *** والموت أكرم نزال على الحرم

ووصف شاعر ما وجد في موت ابنته من راحة البال فقال: 

فالآن نمت فلا هم يؤرقني *** بعد الهدوء ولا وجد ولا حلم

إذن في هذا الجو الجاهلي المفعم بكراهية الأنثى، ولدت زينب بنت محمد صلى الله على محمد ثم تلاها ثلاث بنات "رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة" وجميعهن ولدن قبل البعثة، كان استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لبناته الأربع بالفرح والسرور، وكان تعامله معهن بالرأفة والرحمة والحب دليلًا على إنكاره لعادات قومه في كراهية الأنثى، كان هذا قبل أن يبعث فلما بعث عليه الصلاة والسلام برسالة الإسلام أكد على أهمية محبة الأنثى والفرح بولادتها والإحسان إليها فقال: «من كانت له أنثى فلم يؤدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة» (سنن أبي داود [5146])، أي لم يؤثر ولده الذكور عليها، وقال أيضًا: «من عال جاريتين [أي بنتين] حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه» (صحيح مسلم [2631]).

تروى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته بأمرها فقال: «من يلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار» (صحيح البخاري [5995])، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "والله إن كنا في الجاهلية من نعد للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم أي قسم لهن من الميراث".

إذن نشأت زينب وأخواتها في بيت مفعم بحب الوالدين وعطفهم وحنانهم والترفق بهم والانتصاف لهن، وكان لتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع بناته أثر جذري في تغيير سلوكيات الصحابة رضوان الله عنهم، والذين كانوا يرون في كل حركة من حركات النبي في بيته وخارج بيته في سفره وإقامته في نومه وأكله وشربه في جميع أفعاله وأقواله كانوا يرون فيها هديًا نبويًا عليهم أن يتتبعوه ويقتفوا أثره ويقتدوا به.

بينما نرى اليوم من المسلمين من يزيغ بصره عن رؤية هذا الهدي النبوي فيضيق صدره لولادة الأنثى خصوصًا إذا كانت أولى أولاده أو تكررت ولادتها دون أن يرزقه الله تعالى بالذكور، قد ينعكس ضيقه وتبرمه بها على أرض الواقع من خلال استقبالها بجفاء ومعاملتها بغلظة، أحيانا تتعدى هذه المعاملة الأزدرائية تتعدى من البنت إلى أمها التي ولدتها وكأنها جاءت بهذه البنت من بيت أبيها وكأنه لا علاقة له بها من قريب ولا بعيد أليست هذه النظرة مستوردة من أيام الجاهلية التي جاء الإسلام لتغييرها واستبدالها؟!

يحكى أن رجلا يدعى "أبو حمزة" أنجبت له زوجته البنات دون البنين، فتزوج غيرها وهجرها أقام عند ضرتها فسمعها يوماً تنشد: 

ما لأبي حمزة لا يأتينا *** يظل في البيت الذي يلينا
غضبان أن لا نلد البنينا *** تالله ما ذاك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا

عند ذاك ثاب أبو حمزة إلى رشده وراجع نفسه وأقفل راجعًا إلى بيته، نعود إلى زينب كبرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم لنراها وقد بلغت مبلغ النضج وهي تزف إلى أبي "العاص بن الربيع" ابن خالتها "هالة بنت خويلد" كان أبو العاص شابًا وسيمًا ذكيًا نشيطًا يعمل في التجارة بين مكة والشام واليمن، كان كثير التردد على بيت خالته خديجة فأعجبته زينب بملاحتها وذكائها ولطف طباعها، فخاف أن يسبقه إليها أحد من بني عمومتها بني هاشم فسارع إلى طلب يديها وكان ذلك قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وما هي إلا فترة وجيزة من زواجهما حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام، فكانت زينب رضي الله عنها من أوائل من آمن به رسولًا ونبيًا، أما زوجها أبو العاص بن الربيع فقد بقي مصرًا على دين آبائه وأجداده كما هو حال الكثيرين من سادات قريش.

وعلينا أن ننتظر انقضاء العهد المكي ثم جزءًا كبيرًا من العهد المدني حتى يسلم أبو العاص يهمنا هنا أن نعرف كيف كانت العلاقة بين أبي العاص من جهة وبين زوجته زينب وأبيها من جهة أخرى؟ وأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كيف واجهت زينب كفر زوجها؟ وكيف كانت حياتهما الزوجية في تلك الفترة الطويلة؟ لم تتغير في الواقع محبة أبي العاص لزوجته "زينب" ولأبيها وعائلتها رغم إصراره على الكفر والشرك، يروى في هذا أن نفرًا من قريش جاءوا له يرغبونه في فراق زوجته زينب إمعانًا منهم في إيذاء أبيها "محمد بن عبد الله" إذ أن كفار قريش لم يتركوا وسيلة يمكن أن يضغطوا بها على النبي صلى الله عليه وسلم إلا واتبعوها، وكانوا قد ذهبوا قبل أبو العاص على "عتبة وعتيبة" ابني أبي لهب فاستجابا لهم وطلقا "أم كلثوم ورقية".

أما أبو العاص فكان عاقلًا حكيمًا محبًا لزوجته، وعندما عرضوا عليه الأمر قائلين فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة ترغب من قريش، أجابهم: "لا والله ما أفارق صاحبتي وما أحب لي أن لي بامرأتي امرأة أخرى من قريش". 

كثيرًا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على "أبي العاص" فيقول: ما ذممناه صهرًا، من المؤكد أن زينب كانت تتمنى أن يتبع زوجها الإسلام وأنها كانت تفعل ما بوسعها لإقناعه وتتضرع إلى ربه أن يهديه إلى الحق ولكن {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:28]، عاشت زينب المسلمة مع زوجها الكافر "أبي العاص" في مكة في بيت واحد إذ لم يكن الإسلام قد فرق بينهما بعد، لم يذكر أن خلافًا جرى بينهما آنذاك وفي تلك الفترة أنجبت زينب ولدين "عليا وأمامة"، لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب بقيت زينب مع زوجها في مكة، بينما هاجرت أخواتها الثلاث "رقية وأم كلثوم وفاطمة" لاشك أن حزنًا عميقا موحشا سكن قلب زينب حين هاجر أحبابها والدها وأخواتها.. لربما وجدت في قبر أمها خديجة الحبيبة الراحلة ما يواسي شعورها بالغربة المريرة ويخفف عنها شيئا من كربتها، فكانت تكثر من زيارتها مقبرة "الحجون" حيث تثوي أمها لكن حزنها وألمها زاد وتفاقم حين لاحت في الأفق بوادر عاصفة عاتية بين قومها وبين أبيها، حين حاول النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الاستيلاء على تجارة لقريش قافلة إلى الشام ليستعيضوا بها عن جزء من أموالهم التي استولت عليها قريش في مكة بعد هجرتهم إلى يثرب، أشد ما آلم زينب أن ترى قومها يعزمون على قتال أبيها وأصحابه رغم نجاة قافلتهم، فلقد شدوا رحال الحرب إلى بدر ومعهم زوجها "أبو العاص" لسنا ندري السبب الذي دفع أبو العاص لمرافقة قريش في حربها ضد النبي صلى الله عليه وسلم، رغم محبته للنبي ورغم الاحترام المتبادل والذي يكنه كل منهما للآخر، قد تكون العصبية الجاهلية، وربما الخوف من كلام الناس وشائعاتهم واتهاماتهم، الله أعلم ما يهمنا هنا هو الموقف الصعب الذي لاقته زينب في تلك الوقعة.

أبوها الحبيب، وزجها الحبيب، في خندقين متصارعين يا له من موقف لا تحسد عليه مشاعر الخوف والقلق والذعر كانت تتناوشها من كل مكان، ففقد أحد الحبيبين يعني إما يتمها أو ترملها ويتم ولديها "علي وأمامة" وحسبك من أمرين أحلاهما مر، انتهت موقعة بدر بانتصار المسلمين.

إذن فاز أبوها وانتصر والحمد لله، ولكن من المؤكد أن زينب كانت تريد أن تطمئن على حياة زوجها أبي العاص واطمأنت عليه إنه حي ولكنه أسير هناك في يثرب بين يدي المسلمين لم تكفها معرفتها بوصايا والدها الرسول صحابته بأن يحسنوا معاملة الأسرى لتنتزع من قلبها القلق والاضطراب، كانت تريد أن ترى زوجها حرًا طليقًا أتتها الأخبار تباعًا فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتدي أسرى بدر أنفسهم بالمال أو بتعليم المسلمين القراءة والكتابة، لكن زينب لم تقبل أن يرسل أهل زوجها أن يرسلوا المال لفك أسيرهم، فأبو العاص لم يكن بالنسبة لها كباقي الأسرة، إنه أبو العاص زوجها له عندها مكانة مميزة ويجب أن يكون فداؤه مميزًا مثله، فكرت زينب وفكرت اهتدت إلى فداء يرضيها فداء مبتكر ينم عن ذكائها ورهافة حسها وعمق معرفتها بأخلاق أبيها وطباعه، أرسلت لفداء زوجها ما هو أغلى من المال، أتعرفون ما هو؟

أرسلت قلادة أهدتها إياها أمها "خديجة" يوم زفافها قد لا تساوي تلك القلادة من المال شيئًا كثيرًا لكنها ثمينة جدًا ثمينة بما تحتويه من معاني الذكرى والحب والوفاء، لم يخب ظن زينب في وقع تلك القلادة على نفس أبيها، فلقد وصل "عمر بن الربيع" أخو "أبي العاص" إلى المدينة وقدم للنبي صلى الله عليه وسلم سرة صغيرة وقال له: بعثتني زينب بها فداءا لزوجها أبي العاص، فتح النبي صلى الله عليه وسلم السرة فوجد فيها القلادة فرق قلبه رقة شديدة، ابنته الحبيبة تستشفع عنده بقلادة الحبيبة لفداء الزوج الحبيب.

نعم هيّج ذلك العقد ذكرى "الحب والوفاء والإخلاص" التي ما برحت تسكن سويداء النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن فارقت خديجة الحياة وهو لا يفتأ يذكرها كل يوم ولا يكاد ينساها في صباح أو مساء، كان إذا ذبح شاة أرسل منها إلى صديقات خديجة وإذا ما جاءته يومًا صديقة لخديجة أحسن إليها وهو يقول: «حسن العهد من الإيمان» (السلسة الصحيحة [1/424])، فكيف به اليوم وهو يرى ابنته زينب تستشفع عنده بقلادة الحبيبة، لمح الصحابة الكرام في عيني النبي عليه الصلاة والسلام التأثر لمرأى القلادة ولمسوا في صوته نبرة الحزن وهو يقول لهم: «إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها وتردوا لها قلادتها فافعلوا» (الصحيح المسند [1651]).

لم يتردد الصحابة في تحقيق رغبة النبي عليه الصلاة والسلام فسارعوا إلى إطلاق سراح "أبي العاص" وردوا لزينب قلادتها، لم يخطر ببال أحدهم أن يعترض على تخصيص أبي العاص بتلك المكرمة، مع العلم أن لكثير منهم قرابة مع هذا الأسير أو ذاك، أرأيتم إخوتي ماذا يفعل الحب المخلص إنه يفعل الأعاجيب.

إذن أطلق النبي سراح صهره الأثير الأسير بعد أن طلب منه أن يرسل إليه "زينب" لأن الإسلام فرق بينه وبينها، ما أعظمك يا رسول الله لاحظوا  أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يطلب من أبي العاص في تلك اللحظات الحرجة أن يسلم، فهو لا يريد لأحد أن يسلم إلا عن قناعة تامة ولكنه طلب منه أن يرسل زوجته المسلمة إلى قومها المسلمين لأن الكفر والإسلام لا يجتمعان في بيت واحد.

فعاد أبو العاص إلى مكة وهو يحمل بين جنبيه الإكبار لمحمد بن عبد الله ويحمل نية صادقة بتنفيذ الوعد الذي أعطاه للنبي صلى الله عليه وسلم رغم كراهيته لذلك تجهزت زينب وولداها "علي وأمامة" للرحيل وودعت زوجها وداعًا عاطفيًا تلاحمت فيه الأرواح دون الأجساد لم يستطع أبو العاص أن يتحمل لوعة الفراق، فترك لأخيه كنانة مهمة إيصال زينب إلى المكان الذي اتفق فيه مع النبي حيث ينتظر "زيد بن حارثة" لاصطحاب زينب وعاد أدراجه حزينًا هائمًا على وجه، لكن أبا العاص وأخاه أخطأ خطأ ذريعًا إذ رحلا زينب وولديها جهرة أمام أعين قريش الذين مازالت آلام خسارتهم في معركة بدر تأكل قلوبهم، فخرج رجال منهم يريدون أن ينتقموا لقتلاهم بإيذاء زينب وولديها وقد ملأ الحقد على الإسلام ونبيه قلوبهم، كان أسبق الناس إلى زينب رجل يدعى "غبار بن الأسود" ومعه رجل آخر فنخسا البعير الذي كانت تركبه فوقعت على الأرض وكانت حاملًا فطرحت ولدها على رمال صحراء مكة لم تستطع زينب إكمال رحلتها فعادت إلى دارها في مكة وعكف أبو العاص على تمريضها حتى تحسنت صحتها فأرسلها مع أخيه مرة ثانية ولكن سرًا في هذه المرة حتى سلمها هي وولداها لزيد بن حارثة وسار بها زيد إلى أبيها صلى الله على أبيها وسلم تسليمًا كثيرًا.

يحكى في هذا أن "هند بنت عتبة" رغم حقدها على الإسلام والمسلمين ورغم رغبتها الجامحة للانتقام من المسلمين الذين قتلوا أباها وأخاها وأبناء عمومتها في معركة بدر، رغم هذا استهجنت ما فعله المشركون بابنة الرسول فأخذت تعيرهم وتسخر منهم قائلة: "أمعركة مع أنثى عزلاء هلا كانت هذه الشجاعة يوم بدر" ثم أنشدت تقول: 

أفي السلم أعيار جفاء وغلظة *** وفي الحرب أشباه النساء العوارك. 

العوارك: هن النساء الحياض.
إذا عيرتهم بهذا "هند بنت عتبة" لنا أن نتساءل هنا عما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما بلغه خبر ما صنعه "غبار بن الأسود" وزميله بابنته زينب، يروى أنه قال لصحابته: «إن ظفرتم بهما فحرقوهما، لكنه رجع عن ذلك فقال: إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما» ( صحيح البخاري[2954])، قد يحلو للبعض أن يسأل هنا أليس رد فعل انتقامي؟! أقول لقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم واستاء استياءًا شديدًا من الأذى الذي ألحقه هذا الوغدان بابنته العزلى المسالمة التي لم تشارك في الحرب برأي أو قتال، ومن حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرر على هؤلاء المجرمين عقوبة تتناسب مع ذنبهما المقترف؛ إنه منطق الجريمة والعقاب الذي أقرته شرائع السماء وأقرته قوانين البشرية،  لم يكن الانتقام لمجرد الانتقام يوما ما سلوكًا نبويًا، ولا أدل على هذا مما حدث عندما جاءه "غبار بن الأسود" بعد فتح مكة مسلمًا فعفى عنه وأحسن إليه رغم أن ابنته زينب كانت قد توفيت من أثر تلك السقطة التي ظلت تعاني من آثارها سنوات طويلة.

نعود إلى زينب رضي الله عنها عندما وصلت إلى المدينة المنورة حيث استقبل أهلها الحبيبة بنت الحبيب باحتفال مهيب واحتضن النبي صلى الله عليه وسلم ابنته بحب عظيم ثم قال عن زوجها أبو العاص مادحًا «حدثني فصدقني، ووعدني فوفني» (صحيح البخاري [3729])، ولكن كيف أمضت زينب حياتها في المدينة لمنورة؟

هل أسلم أبو العاص؟ أم أنه مات مشركًا كافرًا؟ هل كان فراقه بينهما أبدياً؟ أم أن المياه عادت إلى مجاريها؟
هذه الأسئلة وغيرها لا يمكننا أن نجيب عنها الآن، بسبب ضيق الوقت ففي سيرة زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم تفصيلات كثيرة تستحق الوقوف عندها والتمعن بها.

 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 12
  • 0
  • 41,347
المقال السابق
[12] زوجات النبى صلى الله عليه وسلم وحكمة تعدد زواجه
المقال التالي
[14] زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم 2

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً