صحابيات - [17] فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم 2

منذ 2015-10-18

حبك يا زهراء باق في فؤاد كل مسلم إلى يوم القيامة، فأنت بضعة النبي صلى الله عليه وسلم يؤذيه ما يؤذيكي ويريبه ما يريبك، سلام لك منا يا سيدة نساء هذه الأمة.

 تحدثنا في الحلقة الماضية عن بعض الصفحات من حياة "السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها" تحدثنا عن الزهراء وعرفنا لماذا لقبت بأم أبيها فقد كانت رضي الله عنها تحمل همومه وترعاه منذ طفولتها الباكرة، ثم عرجنا بعد ذلك على زواجها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان شابًا مؤمنًا تقيًا شجاعًا محبًا لله ورسوله لم يكن ينقصه سوى المال وهو أمر ثانوي في مواصفات الزواج الإسلامي الناجح والسعيد والموفق، ودخلنا إثر ذلك بيت هذين الزوجين وتوقفنا عند عيشة الكفاف التي كان يحيانها، كيف كانت السيدة فاطمة على هذا صابرة راضية شاكرة؟ سندخل اليوم إلى عمق الحياة الزوجية بينها وبين زوجها علي رضي الله عنهما.

يحلو للبعض أن يصور حياة علي وفاطمة بالحياة المثالية الرائعة؛ حب عظيم تفاهم أعظم حياة سعيدة ليس فيها عقبات ولا صعوبات لم يحصل بينهما ما يحصل بين بقية الأزواج من الأخذ والرد الذي نراه ونسمع عنه، كيف كانت حياتهما حقًا لا يشك أحد في المودة والرحمة التي كانت تملأ حياة هذين الزوجين، فهما مؤمنان حقًا وصدقًا وصفات المؤمنين تتجلى فيهما بأبهى صورها من هذه الصفات الألفة والحلم والصبر وحسن الخلق والمعاشرة، ولكن هذا لا يعني أن حياتهما اليومية سلمت دائمًا مما قد يشوبها ويغبر أجوائها.

تشير كتب السيرة والتاريخ إلى شيء من الاختلاف في بعض الطباع بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فلقد كان علي رضي الله عنه رجلًا جادًا فيه حدة وصرامة هذه الصفات لا تتناسب مع طبائع النساء في كثير من الأحيان، يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل فاطمة ذات مرة عن علي؟ فأخبرته بأن خلافًا بسيطًا نشب بينهم وأنه خرج مغضبًا لا تدري أين هو؟ كثير من الآباء اليوم يغضب إن غضبت ابنته وينزعج إن انزعجت فيقفهر وجهه في وجه صهره ومنهم من يسيء له في الكلام والمعاملة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل شيئًا من ذلك بل انظروا كيف عالج المشكلة أرسل من يبحث عن علي وأخبره بأنه في المسجد فذهب إليه فوجده مضجعًا وقد أصاب التراب طرف رداءه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عنه ويقول مازحًا: «قم يا أبا تراب، قم يا أبا تراب» (صحيح البخاري [6280]).

ويحكى أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم رؤي ذات مساء يسعى إلى بيت فاطمة وعلي وقد ظهر على وجهه القلق، ما هي إلا مدة وجيزة حتى خرج وقد ظهر الفرح والبشر في وجهه الشريف فسئل عن فرحه هذا فقال: «وما يمنعني أن أفرح وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي» بعض المتحدثين يؤثرون التغاضي عن سرد مثل هذه القصص في حياة علي وفاطمة رضي الله عنهما، زيادة منهما في حبهما وتقديرهما ولكنني أتساءل؟! هل وجود خلافات صغيرة بسيطة بين الزوجين يؤثر سلبًا في سيرتهما ويطعن في عمق محبتهما وتلاحمهما؟

أبدًا، بل إن حياة علي وفاطمة رضي الله عنهما دليل صادق على أن الحياة الزوجية فيها الحلو والمر فيها الصفو والكدر فيها ما يبهج وفيها ما يزعج قد يدهش البعض من هذا الكلام ويقولون: إذن كيف تكون حياة علي وفاطمة قدوة لكل زوجين ألا تعلمين أن العلماء في حفلات الزواج يدعون فيقولون اللهم وفق بين الزوجين كما وفقت بين علي وفاطمة، أقول: كثيرون هم الأزواج الذين يدخلون إلى عالم الحياة الزوجية بنظرة مثالية وصورة نمطية مرسومة في خيالهم  حتى إذا ما واجهتهم في الواقع مشاكل ومشاكل الحياة وصعوبات الحياة وعقبات الحياة ظنوا أنها بداية النهاية وأن استمرار الحياة الزوجية يستحيل بسبب هذه المشاكل ولذلك أنا أرى أن هذين الزوجين علي وفاطمة قدوة لكل زوجين في كيفية التغلب على المشاكل والعقبات ومحاولة التأقلم رغم اختلاف الطبائع والرغبات، فالحياة المثالية لا توجد إلا في أذهان الشعراء والحالمين أما الواقع فشيء آخر مختلف تمامًا والبطولة الحق تكمن في تطويع كل من الزوجين لنفسه ليقتربا من بعضهما ويجتازا العوائق التي تفصل بينهما.

نقف عند محطة ثالثة من محطات حياة فاطمة الزهراء وهي محطة قد تثير استغراب الكثيرين وتثير دهشتهم فمعلوم لديكم إخوتي وأخواتي أن الحياة الاجتماعية في تلك الأيام كانت تألف أن يعدد الرجال زوجاتهم ولم يكن أحد يرى في التعدد مشكلة أو لم يكن أحد يعزو لجوء الزوج إلى التعدد إلى قصور أو نشوز في حياة الزوجة أو فتور وعدم تفهم بينها وبين زوجها كما يفعل الناس اليوم.

إذن وضمن هذه البيئة ومفاهيم هذه البيئة أراد علي رضي الله عنه حسب ما تروي كتب السنة الصحيحة أن يتزوج العوراء بنت "أبي جهل" وكانت قد أسلمت وحسن إسلامها، فلما علمت فاطمة بهذا أحزنها أن يتزوج زوجها عليها فذهبت إلى أبيها النبي عليه الصلاة والسلام باكية وشكت إليه ما ينوي علي فعله، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل أيد ابنته في استيائها وأنكر على علي ما يعزم عليه أم أنه وافقه وأقره على ذلك؟

الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع هذا الأمر تعاملًا لافتًا للنظر تروي كتب السيرة الصحيحة في الحديث المتفق عليه أنه صعد المنبر وقال: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا بن أبي طالب فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» (صحيح ابن ماجه[1637])، وجاء في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا» (صحيح مسلم[2449])، إذن لم يرض النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج علي على فاطمة، لسائل أن يسأل لماذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على علي أن يعدد الزوجات مع أن الله تعالى أباح التعدد في القرآن الكريم؟ ومع أن تعدد الزوجات كان أمرًا سائدًا آنذاك وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله معظم الصحابة؟
أقول: هذا سؤال وجيه يطرح نفسه لكني أرد عليه بسؤال هام، هل أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بصفته نبيًا مشرعًا أم بصفته أبًا أشفق على ابنته من هذه التجربة المريرة؟

الجواب على هذا السؤال هو المفتاح لفهم موقف النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الحادثة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أب محب رحيم يدرك شدة غيرة ابنته ويعلم أن دخول ضرة إلى حياتها يحزنها ويغضبها ويقلب حياتها رأسًا على عقب وربما يؤدي بها إلى أن تفتن في دينها حين تنساق وراء غيرتها، ولذلك نراه يقول: «إني لا أحرم حلالاً ولا أحل حراماً» فالحلال بين والحرام بين ولكن الإسلام الذي سمح للرجل بتعدد الزوجات لم يمنع المرأة من أن تشترط على الرجل عند عقد الزواج أن لا يتزوج عليها زوجة أخرى ولم يمنعها من طلب الطلاق إن عدد الزوج سواء اشترطت الزوجة عليه ذلك في عقد الزواج أم لم تشترط، لم يعتبر الإسلام هذا التصرف اعتراضًا على شرع الله تعالى بل اعتبره قضية شخصية تتصرف فيها كل زوجة بحسب نفسيتها وعقليتها ومصلحتها ومصلحة أسرتها، ولذلك صنف الإمام البخاري هذا الحديث في صححيه تحت (باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف) في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من رغبة علي في الزواج على فاطمة حكم جليلة يمكن أن نفهم منها ما يلي:

أولا: تعدد الزوجات في الإسلام أمر مباح ليس أمرًا مندوبًا ولا واجبًا كما يدعي المهوسون بالحديث عن تعدد الزوجات، الذين يلوون أعناق النصوص لتتوافق مع أهوائهم وشهواتهم، فنرى أحدهم يحدث بالتعدد ويرغب فيه وعندما تستنكر زوجته أو أهلها ذلك يقول لهم متشدقًا لم تنكرون أمرًا فرضه الله علينا إلى هؤلاء أقول: تعدد الزوجات ليس فرضًا ولا واجبًا ولا مندوبًا بل هو أمر مباح فقط وسياق آية التعدد يدل على الإباحة على الرغم من أن اللفظ جاء في صيغة الأمر{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] لأن الأمربالتعدد جاء بعد النهي عن نكاح اليتيمة التي يخاف والدها أن لا يقسط فيها إن تزوجها، والقاعدة الشرعية تقول: الأمر بعد النهي للإباحة وليس للأمر حقيقة.

الدلالة الثانية: التي أحب أن أؤكد عليها هنا فهي أن للزوجة الأسبق التي تعترض على زواج زوجها أن تطلب الطلاق إن لم ترض بزواجه وليس عليه إثم أو حرج في ذلك، كما أن للأهل أن يدافعوا عن ابنتهم وأن يدفعوا عنها الأذى الذي قد يلحقها من زواج زوجها بأخرى أو من أي شيء آخر قد يهدد حياتها بالتعاسة، طبعًا عدل علي رضي الله عنه عن هذه الفكرة وفاطمة وأبوها أغلى عنده من كل شيء، لم يكن ليفعل ما لا ترضاه هي أو يرضاه أبوها وطابت نفس فاطمة بقرار علي وقرت عينها معه وازدادت يقينًا من محبته لها ومكانتها عنده كما سعدت لا شك بموقف أبيها وأدركت المزيد من اليقين والطمأنينة أن وراءها سندًا وعضدًا يدعمها وقت الأزمات والشدائد.

أنجبت فاطمة رضي الله عنها في غضون ثمانِ سنوات أنجبت أربعة أولاد "الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم" وربتهم فأحسنت تربيتهم، كانت رضي الله عنها تدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقها في عالم التربية فولداها من بيت النبوة وهما سيدا شباب أهل الجنة، ولكي يكونا كذلك بجدارة واستحقاق يجب أن تسهر على تربيتهما بما يليق بهما ورغم انشغالها رضي الله عنها بهذا الشأن الكبير وبهموم الحياة وأعبائها إلا أنها كانت تدرك أن عليها أن تساهم في نصرة ألإسلام وأنها لا يجوز أن تتقاعس عن أداء هذا الواجب طالما كانت تستطيع التوفيق بين مهامها الأسرية والزوجية وبين مهامها الدعوية والجهادية فنراها رضي الله عنها تشارك في غزوة أحد مع أخواتها من الصحابيات رغم أنها كانت حامل بالحسن رضي الله عنه آنذاك، يروي الإمام البخاري في صحيحه؛ يروي دور فاطمة الزهراء وزوجها علي في تضميد جراح النبي صلى الله عليه وسلم عندما أصيب في غزوة أحد فكان علي يسكب الماء في المجن والمجن هو الترس وفاطمة تغسل الدم عن وجه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها بالجراح فاستمسك الدم.

في السنة الثامنة للهجرة خرجت الزهراء لفتح مكة فكانت فيمن كانوا في جيش النبي صلى الله عليه وسلم وفيمن تمتعت أعينهم برؤية نصر الله والفتح ولو شاءت الأقدار الإلهية أن يكون هناك قتال لشاركت به فاطمة ولكن لم يكن في فتح مكة قتال فلقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته أن يخفوا نبأ سيرهم إلى مكة ودعا ربه فقال:«اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة» واستجاب الله تعالى دعوة نبيه وحالت حكمته وتكتيكاته صلى الله عليه وسلم دون حدوث قتال بين المسلمين والمشركين.

وعندما عادت فاطمة من مكة إلى المدينة بعد شهرين قضتهما بعيدًا عنها كان في انتظارها أحداث جسام عديدة؛ منها وفاة أختها أم كلثوم وكانت فاطمة قد شهدت وفاة أختها رقية في السنة الثانية للهجرة وكان ذلك قبل زواجها من علي رضي الله عنه ثم شهدت وفاة أختها زينب في السنة الثامنة للهجرة وها هي اليوم تشهد وفاة أختها الثالثة أم كلثوم في السنة التاسعة للهجرة، بعد ذلك توفى أخوها إبراهيم الذي ولدته مارية القبطية وذلك في السنة العاشرة للهجرة ولكن ما حدث في أوائل السنة الحادية للهجرة أفقد فاطمة ما بقي لها من قوة وجلد وصبر؛ فقد مرض النبي صلى الله عليه وسلم واشتد مرضه لم تكن فاطمة ترى في النبي صلى الله عليه وسلم أباها الحنون الذي يرعاها ويحنو عليها فقط لكنه كان كل شيء في حياتها أباها وأمها وأخوتها ونبيها ورسول ربها إليها لم تكن فاطمة تتصور حياتها بدونه، يروي البخاري ومسلم في هذا أنها زارته عندما كان يمرض في بيت خالتها عائشة وكانت نساؤه مجتمعات حوله فلما رآها رحب بها رغم آلامه قائلًا: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها بجانبه ثم سارها أي كلمها بصوت منخفض فبكت بكاءًا شديدًا فلما رأى جزعها سارها ثانية فضحكت، أتدرون إخوتي الكرام بماذا سارها النبي صلى الله عليه وسلم؟

الحقيقة أن هذا أثار فضول "أم المؤمنين عائشة" فسألت فاطمة عن ذلك؟ فقالت لها: "ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم" فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أخبرتها، فقالت:" في المرة الأولى أخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أي يقرأ القرآن على جبريل وجبريل يقرأه عليه وأنه عرضه الآن مرتين، وقال لي -تقول فاطمة-: وقال لي أي النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتق الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لكي»، قالت فاطمة: فبكيت بكائي الذي رأيتي فلما رأى جزعي قال لي: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة» فضحكت لذلك (صحيح مسلم [2450])، في رواية أنه قال لها في المسارة الثانية أنها أول من يتبعه من أهله ولما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وتغشاه الموت بسكراته لم تتمالك فاطمة نفسها أن قالت بصوت يفيض أسى ولوعة: "وآآكرب أبتاه"، فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها بلهجة مملوءة عطفًا وحنانًا: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» (صحيح ابن ماجه [1330]).

نعم ليس عليه كرب بعد اليوم؛ جنان الخلد في انتظاره ولقاء ربه أحلى أمنياته.

عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم بكت فاطمة أباها الحبيب وقالت بصوت متقطع يخرج من بين زفراتها وحسراتها: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، عندما دفن عليه الصلاة والسلام أحست فاطمة بروحها تسبقها إلى قبر الحبيب لترافقه في رحلته السماوية  فنظرت إلى أنس بن مالك فقالت والألم يعتصر فؤادها وصوتها: يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟ يروى أنها قالت ترثي أباها وهي تمسك تراب قبره بيديها وتشمه: 

ماذا على من شم تربة أحمد *** أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت عليا مصائب لو أنها *** صبت على الأيام صرن لياليا

يروى أيضا أنها رثته قائلة: 

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها *** وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب

فليت قبلك كان الموت صادفنا *** لما نعيت وحالت دونك الكثب

نعم صدقتي يا فاطمة، نعم يا بنت الرسول فكل مصيبة بعد أبيك لمن تهون، لم تعش فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم سوى أشهر قليلة من المؤرخين من قال إنها ثلاثة أشهر ومنهم من قال إنها ثمانية أشهر والأرجح أنها توفيت بعده بستة أشهر، كانت وفاتها ليلًا فدفنها زوجها عليا بن أبي طالب رضي الله عنه فور موتها ولم ينتظر الصباح فلم يعلم بموتها ودفنها سوى عدد قليل من الصحابة كالعباس وبعض آل البيت.

قبل أن نسدل الستار على حياة فاطمة الزهراء رضي الله عنها سنحاول أن نميط اللثام عن موضوعين شائكين:
أولهما: ما يفهمه البعض من أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين رضي الله عنهم هم فقط آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأن زوجاته لسن من آل بيته يستندون إلى قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]، كما يستندون لحديث أورده الإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية كان في بيت زوجته "أم سلمة" فدعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء .. وعليا خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجز عنهم وطهرهم تطهيراً» قالت أم سلمة: "وأنا معهم يا رسول الله؟" قال: «أنت على مكانك وأنت على خير» (سنن الترمذي [3787])، قد روى الإمام مسلم هذا الحديث من وجه آخر ليس فيه سؤال أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود -أي كساء موصوف فيه نقوش- فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فادخله ثم قال {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، والحقيقة أنه علينا لنناقش الموضوع بشكل عقلاني وبعيدًا عن العاطفة أن نأخذ بعين الاعتبار السياق الذي ورد فيه قوله تعالى في سورة الأحزاب {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} هذه الآية جاءت في معرض الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم عند قوله {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً  . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:32:33] وبناءًا على قواعد اللغة والأصول والتفسير فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يندرجن في الآية بشكل أولى ثم يمكن التعميم بعد ذلك وإدراج بنات النبي وأولادهم وأزواجهم وأحفادهم في مفهوم الآية، أما أن نستبعد من آل بيت النبي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم التي نزلت الآية الكريمة فيهن أصلً لنحصرها في عدد محدود من أهل النبي فإن هذا تأويل للآية بما لا تحتمله واجتزاء للمعنى لا تقره قواعد اللغة والتفسير، فآل بيت النبي هم زوجاته وبناته وأزواجهم وأولادهم غاية ما في حديث الكساء كما ذكرناه توسيع دلالة الآية التي نزلت في نساء النبي لتدخل فيها ابنة النبي فاطمة وصهره علي وأحفاده كما ذكر أهل العلم وأفاضلهم.

أما الأمر الثاني الذي أحب أن أتحدث فيه هو ما يقال عن خلاف جرى بين فاطمة الزهراء وبين خليفة المسلمين أبي بكر رضي الله عنه؛ حول ميراثها من أبيها عليه الصلاة والسلام من خيبر وفدك وأموال بني النضير.
"فدك" هي أرض تبعد عن المدينة مسيرة يومين وكان يقطنها اليهود وقد كانت بعض أراضي خيبر وفدك وبني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله فكان صلى الله عليه وسلم يقتطع من ريعها نفقة زوجاته لسنة كاملة وكان ينفق أيضًا منها على فقراء بني هاشم والمطلب الذين لا تحل لهم الصدقة ثم ينفق ما تبقى في مصالح المسلمين، لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام طالبت فاطمة الزهراء ميراثها من هذه الأراضي لكن أبا بكر رضي الله عنه رفض تقسيم ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، السؤال الذي يستحق منا الاهتمام لماذا امتنع أبو بكر من تقسيم ميراث النبي وإعطاء السيدة فاطمة حصتها من الميراث؟

كان لأبي بكر رأي آخر استند فيه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا نورث ما تركناه صدقة» (صحيح الترمذي [1610])، وهذا الحديث الشريف وارد في صحيح البخاري أيضًا استند إلى الحديث الشريف المتفق عليه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم «لا تقسموا ورثتي دينارًا -أي لا تقتسموا ورثتي ديناراً- ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي -أي أجرة عاملي- فهو صدقة» (صحيح البخاري [3906]).

إذن لم تكن فاطمة وحدها التي منعت من حصتها من الميراث بل لقد طال هذا الحكم جميع من يمكن له أن يرث من النبي صلى الله عليه وسلم بما فيهم زوجاته التسع ومنهن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين كان أبو بكر ومن بعده عمر وعثمان رضي الله عنهم ينفقون على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ريع مال الفيء ثم يصرفون ما تبقى منه في الصدقات على الفقراء والمساكين وينفقونه أيضًا على مصالح الأمة، نتساءل هنا هل استطاع أبو بكر أن يسترضي الزهراء رضي الله عنها؟

وعنه تتعدد روايات العلماء حول موقف السيدة فاطمة من رأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنها، فمن من يول أنها لم تقتنع وتمسكت بحقها في الحصول على الميراث، ومنهم من يقول غير ذلك غير أن ما يلتقي عليه الرواة هو أنها لزمت بيتها بعد انتقال أبيها إلى جوار ربه حتى لحقت به إلى جوار الرحمن الرحيم، يؤكد المؤرخون على حرص أبي بكر الصديق على استرضاء السيدة فاطمة فلقد قال لها: "يا بنت رسول الله ما خير عيش حياة أعيشها وأنت عليا ساخطة فإن كان عندك من رسول الله في ذلك عهد فأنتي مصدقة المأمونة على ما قلتي"، وقال لها أيضا: "والله ما تركت الدار والأهل والمال والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت".

يروي ابن ميثم البحراني وهو من علماء الشيعة أن أبا بكر قال لفاطمة مسترضيًا: "يا خيرة النساء وابنة خير الآباء والله ما عدوت رأي رسول الله ولا عملت إلا بأمره"، ويذكر ابن ميثم البحراني أن فاطمة رضيت عند ذلك وأنها نزلت على رأي الصديق رضي الله عنه وعنها، وأنا بدوري أرجح هذا وأهيب بكل مسلم أن يطوي صفحات الخلاف التي يحاول المغرضون اليوم نفشها لزرع التفرقة والبغضاء بين المسلمين.

في نهاية الحلقة أقول: حبك يا زهراء باق في فؤاد كل مسلم إلى يوم القيامة، فأنت بضعة النبي صلى الله عليه وسلم يؤذيه ما يؤذيكي ويريبه ما يريبك، سلام لك منا يا سيدة نساء هذه الأمة، ورحم الله فليسوف الإسلام وشاعره الكبير محمد إقبال حيث قال: 

المجد يشرق من ثــلاث مطالع *** في مهد فاطمة فما أعلاهــا

هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي أم من؟ *** من ذا يداني في الفخار أبـاها

هي أسوة للمؤمنـــات وقــــدوة *** يترسم الفجر المنير خطــاها

 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 20
  • 5
  • 120,985
المقال السابق
[16] فاطمة بنت محمد 1
المقال التالي
[18] أم كلثوم بنت علي

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً