صحابيات - [10] رملة بنت أبي سفيان

منذ 2015-10-20

إنه الإيمان؛ عندما يتذوق القلب حلاوته يستهين بكل شيء في سبيله، عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على الهجرة إلى الحبشة فرارًا بدينهم وبإيمانهم، هاجرت هذه الصحابية الكريمة مع زوجها وتركت ديارها وأهلها في سبيل الله.

حديثنا اليوم سيكون عن صحابية من صحابيات الرسول؛ تنتمي إلى عائلة كان لها قبل الإسلام دور كبير في إيذاء المسلمين وشن الحروب الضروس عليهم وعلى دينهم وعلى نبيهم، وكان لها بعد الإسلام دور كبير يذكره التاريخ ولا يستطيع أحد تجاهله أو إهماله، -عجب هذا التاريخ من أعجب وساء من ساء- آمنت صحابيتنا الجليلة بالله تعالى وبرسوله العظيم لم تبالي في سبيل ذلك بما ستلاقيه من استنكار عائلتها المشركة ولم تأبه لأذى قومها الذين كانوا يصبون جام غضبهم على رأس كل من يؤمن بالإسلام ورسوله.

إنه الإيمان؛ عندما يتذوق القلب حلاوته يستهين بكل شيء في سبيله، عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على الهجرة إلى الحبشة فرارًا بدينهم وبإيمانهم، هاجرت هذه الصحابية الكريمة مع زوجها وتركت ديارها وأهلها في سبيل الله، هل عرفتم من هي هذه الصحابية؟

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب؛ أبوها أبو سفيان الذي كان رأس الشرك في مكة وعدو الإسلام والمسلمين، نبدأ قصتنا مع أم حبيبة من رؤيا مزعجة رأتها ذات ليلة في الحبشة فاستيقظت منومها مذعورة واستعاذت بالله تعالى من الشيطان الرجيم ثم قامت تصلي في جوف الليل تلجأ إلى ربها ضارعة أن يجيرها من شر تلك الرؤية، كانت ترجو من كل قلبها أن يكون ما رأته أضغاث أحلام لا أكثر، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، أصبح الصباح فجلست رملة مع زوجها "عبيد الله بن جحش" وهو ابن عم نبي الله صلى الله عليه وسلم وأخو زوجته زينب بنت جحش وحدثته عن حلمها قائلة: "يا أبا حبيبة لقد رأيتك في الحلم بأقبح صورة وقمت منزعجة منقبضة القلب، فقل لي أرجوك أن تصدقني القول أن كان في حياتك شيء مريب"، ضحك عبيد الله في البداية ضحكة صفراوية باهتة وراوغ في الكلام ثم صرح تصريحًا أذهل أم حبيبة، تركها حيرى لا تدري ما تفعل ودموعها تتساقط على وجنتيها بحرقة وألم ربما كانت تتصور كل شيء أن يتزوج زوجها عليها أن يخونها أن يطلقها لكن لم تصدق أن يرتد عن الإسلام ويتنصر، لم يستطع عقلها أن يستوعب هذا، كيف يترك الإسلام بعد أن ذاق حلاوته؟! وكيف يكفر به بعد أن خُبر سمو تعاليمه، أسئلة كثيرة كانت تنهال على عقلها المصدوم، لم تكن تدري وهي في بلاد الغربة ماذا تفعل؟ كيف تتصرف؟ كل ما كانت تملكه هو أن تحاول أن تقنع زوجها عله يعود إلى الإسلام.

صور كثيرة متشابكة كانت تتراءى لها، صورة زوجها "عبيد الله" وهو يؤمن بدين الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله  ويشهد أن محمد رسول الله كانت رملة يومها ما تزال مشركة، لن تنسى رملة أبدًا ذلك اليوم الذي شرح لها فيه زوجها عن الإسلام ومبادئ الإسلام السمحة وتعاليمه الراقية فتركت دين آبائها وأجدادها وتابعت زوجها على الإسلام بعد أن اقتنعت بما فيه حتى الصميم.

لا تنسى رملة أيضًا الإيذاءات التي لحقت بها وبزوجها بعد إسلامهما سواء من قريش أو من أبيها زعيم قريش أبي سفيان بن حرب، لاحت لها صورة اليوم الذي قررت فيه هي وزوجها الفرار بدينهما إلى الحبشة منذ أكثر من 13 سنة يومها كانت حاملًا بابنتها "حبيبة" تذكرت أيام الغربة التي عاشتها في الحبشة، تبقى الغربة كربة تبقى أيامها مريرة على نفس الإسلام ولا يستطيع أن يهضمها، بل أن أكثر ما كان يحزن أم حبيبة أن يسلم النجاشي ويؤمن بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، طبعًا على خفية من قومه وبطاركة مملكته الذين رفضوا أن ينصاعوا للحق ويقبلوا دين الإسلام ثم بعد هذا كله يأتي زوجها اليوم ليرتد عن دينه، أمور كثيرة كانت تؤلم أم حبيبة وتقلقها.

أولها: أنها تحب زوجها حبًا شديدًا، فكيف تتخلى عنه وتفارقه بعد سنوات من العشرة الطويلة المليئة بالمودة والمحبة والسكينة؟!

ثانيها: ابنتهما حبيبة ذات الثلاثة عشر ربيعًا، تلك الطفلة التي ولدتها في الغربة بعيدًا عن عائلتها وعائلة زوجها، فأصبح أبوها وأمها هما كل شيء في حياتها فكيف تخبرها بما فعله أبوها؟! وكيف لها أن تبعدها عنه.

ثالثها: إلى من ستلتجئ اليوم، أتعود إلى مكة؟ إلى أبيها المشرك أبو سفيان ليفتنها عن دينها؟ أم تبقى وابنتها في الغربة دون سند ومعين وكفيل، رنت في أذنيها كلمات زوجها قبل أن يخرج من البيت، ما رأيك يا أم حبيبة أن تتركي الإسلام وتتنصري فنحافظ على حبنا وزواجنا ولا نفترق أبدًا، كان الأمر بالنسبة إليها محسومًا فهي لن تترك دينًا اقتنعت به وأحبه قلبها وعقلها وجوارحها، سيتركها زوجها ويهدم عش الزوجية، ستعيش ابنتها كاليتيمة وأبوها على قيد الحياة، هذا لا يهم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إيمان أم حبيبة جعلها تقول لزوجها لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إني اخترت الله ورسوله، خرج عبيد الله من المنزل دون رجعة وبقيت أم حبيبة وابنتها وحيدتين تتجرعان مرارة الفراق وألم الغربة وحرقتها.

رأت ذات ليلة رؤية جميلة لكنها لم تجد أمامها من تروي له هذه الرؤية، رأت كأن صوتًا لا تعرف مصدره يناديها فيقول لها: "يا أم المؤمنين، يا أم المؤمنين" لم تقف أم حبيبة عند هذه الرؤية وقفة طويلة فلقد كانت غارقة في أشجانها وأحزانها، كان في وجود عدد من صحابة وصحابيات الرسول ورعايتهم لأم حبيبة وابنتها شيء من الأنس والسلوى ولكن بصراحة لا أحد من الأهل أو الأخوة أو المعارف و الأصدقاء لا أحد يستطيع أن يملأ فراغ الزوج الحبيب والأب الغائب، يحلو لنا هنا أن نتأمل قليلًا في موقف هذه السيدة المؤمنة الصامدة أم حبيبة.

لقد تركت مالها وأهلها وزوجها في سبيل الله ورسوله، واستعدت لمواجهة الحياة بكل ما فيها من متاعب ومنغصات، قد يقول قائل: صعب أن يواجه الإنسان الحياة بلا معيل ولا مؤنس ولا سند، ولكن من قال هذا؟ من قال أن أم حبيبة كانت بلا معيل ولا مؤنس؟ كانت ترى أم حبيبة أن معها خير معيل وخير أنيس وخير سند، معها ربها رب الناس أجمعين وكفى به حافظًا ومعينًا، يا له من إيمان ويا له من ثبات، ثمة فرق كبير بين ما رأيناه من مواقف أم حبيبة وبين ما نراه اليوم من مواقف، بعض الزوجات نرى منهن من تتنازل عن كثير من أمور دينها نزولًا عند رغبة زوجها!!، منهن من تخلع الحجاب لأن زوجها يكره الحجاب!!، منهن من تخالط الرجال وتدردش معهم ضاحكة مازحة لأن زوجها يعتبر ذلك تقدمًا ومدنية!!، منهن من تذهب إلى حفلات الكوكتيل لأن زوجها يحب ذلك!!، ويبدأ التنازل عن العبادات والطاعات، ثم يبدأ الانغماس أيضًا في سلك المعاصي والآثام، لا ترى إحداهن حرجًا في ذلك، ولا تقول إحداهن لزوجها: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا تقول له: أنت غالٍ جدًا ولكن ديني وطاعة ربي أغلى وأعلى، بل نجد من تبرر تقصيرها وانحرافها عن الصراط المستقيم بقولها: الضرورات تبيح المحظورات.

بعد انتهاء عدة السيدة رملة في فترة وجيزة زارتها جارية تدعى "أبرهة" من جواري قصر النجاشي ملك الحبشة وعرضت عليها الزواج، لم تدهش أم حبيبة لفكرة الزواج بمقدار ما دهشت من الخاطب -لنقل العريس- فلقد قالت لها "أبرهة" سيدي النجاشي يقرؤك السلام ويقول لك: أن نبي الإسلام قد كتب إليه ليزوجك منه فوكلي من ترغبين فيه ليزوجك، نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم يخطبها يا لروعة هذا الخبر! لم تسعها الدنيا من الفرحة في لحظة واحدة تذكرت الرؤيا المزعجة التي رأت فيها زوجها بأقبح صورة، وتذكرت الرؤيا الثانية ذات الصوت الذي يناديها "يا أم المؤمنين، يا أم المؤمنين".

الآن فهمت أم حبيبة لماذا كان ذلك الصوت يناديها يا "أم المؤمنين" نعم؛ ستصبح الآن أمًا للمؤمنين فزوجات النبي كلهن أمهات للمؤمنين، هذا ما قاله الله عز وجل {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6]، لم تجد أم حبيبة أمامها ما تكرم به هذه الجارية إلا سوارين في يدها نزعتهما وأهدتهما لها حلاوة البشرى، ثم أرسلت على "خالد بن سعيد بن العاص" كبير مهاجري قومها من بني أمية ووكلته في أمر زواجها، وفي المساء تم عقد الزواج المبارك، وكان (النجاشي وكيل الزوج محمد بن عبد الله رسول الله عليه الصلاة والسلام)، و(خالد بن العاص وكيل الزوجة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان)، وأصدق النجاشي أم حبيبة 400 دينار ذهبًا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكثر صداق تناله زوجة من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، واجتمع المسلمون مهاجروا الحبشة في قصر النجاشي ليتناولوا طعام الوليمة التي دعوا إليها على شرف ذلك الزواج المبارك.

ما الذي جرى حتى خطب النجاشي رملة للنبي عليه الصلاة والسلام؟ في الحقيقة لقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي "عمر بن أمية الضمري" إلى النجاشي، وهذا النجاشي في ذلك الوقت هو غير النجاشي "أصحمة" الذي أسلم منذ 13 والذي انتقل إلى جوار ربه قبل سنوات.

أرسل إذن إلى النجاشي الجديد رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام فأجاب ذلك النجاشي قائلا: "إني أعلم والله أن عيسى بشر -أي بالنبي المنتظر- ولكن أعواني بالحبشة قليل فانظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب" مع تلك الرسالة التي جاء بها "عمرو" إلى "النجاشي" كان هناك طلبان آخران:
أحدهما : أن يزوج النجاشي أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيهما: أن يرسل النجاشي إلى النبي عليه الصلاة والسلام كل من بقي في الحبشة من أصحابه المسلمين الذين لم يبلغهم بعد انتشار الإسلام واستقرار النبي وأصحابه في المدينة المنورة.

سار المسلمون المهاجرون عائدين إلى نبيهم في بداية السنة السابعة للهجرة، كان عددهم قرابة 16 رجلًا مع نساءهم وأطفالهم وسارت أم حبيبة مع الركب وهي تحمل في جعبتها ذكرى سنوات طويلة قضتها في الحبشة فيها المر والقبيح من الذكريات وفيها الحلو والجميل منها كما حملت معها أيضا صداقها 400 دينار ذهبًا والهدايا التي أهدتها إياها نساء النجاشي من الطيب والعنبر، كانت الفرحة تغمر قلبها واختلطت مشاعر فرحها بزواجها من النبي عليه الصلاة والسلام بمشاعر فرحتها بالعودة إلى ديار الإسلام، ولكن يبقى السؤال؟ كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم بطلاق أم حبيبة من زوجها وببقائها غريبة وحيدة رغم بعد المسافة بين الحبشة وبين المدينة؟! وفي ظل غياب المعلومات وصعوبة الاتصال، يبقى جواب هذا السؤال مبهمًا إذ لا تتطرق إليه كتب السيرة والتراجم وعلينا أن نسلم أن الله تعالى الذي يعلم السر وما أخفى لا يعجزه أن يبلغ نبيه بما جرى في الحبشة لأم حبيبة الصابرة المستسلمة لأمر الله تعالى.

لا شك أن أم حبيبة لم يخطر ببالها من قبل أن تكون زوجة للنبي عليه الصلاة و السلام لعدة أمور:
منها : أنها كبيرة في السن قد بلغت 37 عامًا.
ومنها : أنها لا تملك جمال السيدة خديجة ولا حكمتها ولا شخصيتها.
ومنها : وهو المهم أن أباها هو العدو اللدود للرسول صلى الله عليه وسلم، الذي لا يفتأ يؤلب قريشًا ضده إلى تلك الساعة حسب ما تعلم أم حبيبة، ولكن طالما أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها فلابد أن هناك حكمة من وراء ذلك، هكذا كانت السيدة رملة تفكرفيه وهي عائدة من الحبشة، كانت تدرك في قرارة نفسها أنه لم يتزوجها بسبب إعجابه بها بل ربما لأنه أراد أن يجبر خاطرها المكسور المطعون في الصميم.

طبعًا هذا خاطرها كسر بسبب تنصر زوجها وفراقها له.

أما الحكمة الثانية من هذا الزواج فقد أدركته بعد سنتين من زواجها، فقد أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يتألف قلب أبيها الذي سره أن يتزوج "محمد" ابنته فقال عنه لما بلغه أمر هذا الزواج، هو الفحل الذي لا يجدع أنفه، أقول بعد سنتين أدركت أم حبيبة هذه الحكمة، عندما رأت أباها أبا سفيان يعلن إسلامه بعد أن اجتث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من عداوته وحقده بهذا الزواج. 

وصل مهاجروا الحبشة إلى المدينة المنورة وكان بصحبتهم وفد من نصارى نجران، كان النبي عليه الصلاة والسلام راجعًا من غزوة خيبر عندما علم برجوع أصحابه المهاجرين فاستقبلهم بفرح وسرور وأنزل وفد النصارى في مكان ملحق بالمسجد، أعد لاستقبال الوفود واحتفى بهم وقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: «إنهم كانوا لأصحابي مكرمين فأحب أن أكرمهم».

من الهام جدًا أن نتوقف قليلًا عند هذه الحادثة وعند هذه المقولة «إنهم كانوا لأصحابي مكرمين فأحب أن أكرمهم» لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم أصحابه درسًا عمليًا في كيفية التعامل مع أهل الكتاب المسيحيين أبناء أخيه عيسى عليه السلام الذي حدثهم عنه فقال: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم والأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وشرائعهم شتى» (صحيح البخاري [3443]) -والإخوة لعلات هم الإخوة الذين يجمعهم أب واحد بينما تعدد أمهاتهم- نعم أراد أن يعلمهم بالقدوة لا بالمقال كيف يكون تعامل المسلمين مع غير المسلمين من أهل الكتاب، تعامل يفيض بالود و الرحمة والتسامح والمحبة، تلك الطريقة السمحة التي سطرها القرآن الكريم بقوله {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46] إضافة إلا أنه أراد أن يرد على النجاشي الذي أكرم المسلمين، الإحسان بالإحسان.

نعود إلى السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان لنراها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم زوجة مكرمة تجد من زوجها الرسول العطف والرعاية والمحبة، ونرى ابتنها حبيبة ربيبة النبي عليه الصلاة والسلام وتلاقي في ظله الحنان والمحبة اللذين افتقدتهما حين ارتد زوجها عن الإسلام، احتفلت المدينة كل المدينة بزواج "بنت أبي سفيان" بالنبي عليه الصلاة والسلام وبدخولها بيت النبي عليه الصلاة والسلام زوجة وأمًا للمؤمنين وأولهم ابن خالها "عثمان بن عفان" وليمة نحر فيها الذبائح وأطعم الناس اللحم، رغم الفرح العام الغامر الذي لف حياة السيدة رملة تلك الفترة من عمرها والذي محا ما ألمّ بها من حزن وألم وضياع إثر ارتداد زوجها السابق عن دينه وطلاقه لها.

أقول رغم ذلك الفرح الكبير كان هناك دائمًا ما يؤرقها ويعكر صفوها، أن والدها أبو سفيان والدها ما زال مشركًا بالله كافرًا بالإسلام، مازال يحمل ضد زوجها حقدًا وضغينة وفي كل يوم هناك احتمال لحرب قد تقضي على زوجها أو على أبيها، هذا أمر فظيع يجعل أم حبيبة تعاني شرخًا مؤلمًا في عواطفها ومشاعرها، فهي تحب الإسلام بكل جوارحها وتحب نبي الإسلام زوجها محمد صلى الله عليه وسلم وتتمنى لو تفديه بنفسها وروحها، ولكنها أيضًا تحب أباها حبًا جمًا وتحب أمها أيضًا ولا تستطيع أن تتنكر لعواطف الأبوة والأمومة التي أحاط بها عندما كانت صغيرة، كانت تدعوا لهما دائمًا في صلاتها: "اللهم أهد والديّ إلى دين الإسلام إنك على كل شيء قدير يا الله".

ها هو أبو سفيان يطرق باب ابنته "أم حبيبة" بدون سابق موعد أو إعلام، ما الذي حصل؟! لماذا أتى أبو سفيان لزيارة ابتنه؟! هل اشتاق إليها بعد عشرين سنة في سنة ثمان للهجرة أي بعد زواج أم حبيبة من النبي عليه الصلاة والسلام بعام واحد.

غدرت قريش بقبيلة خزاعة التي دخلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، كان هذا الغدر يتناقض مع بنود الصلح، نص الصلح باختصار على: (وقف القتال بين المسلمين وقريش لمدة 10 سنوات) على من أراد أن يدخل في عهد قريش من العرب دخله وحرم على المسلمين قتاله، ومن دخل في عهد المسلمين من العرب دخل وحرم على قريش قتاله، لذلك كان غدر قريش لخزاعة نقضًا لبنود الصلح، وأدركت قريش ما يمكن أن يجره غدرها من ويلات، فمحمد الذي كانت تحسبه ضعيفًا صار هو ومن معه من المسلمين قوة يحسب حسابها، لذلك ارتأت قريش أن ترسل إلى النبي عليه الصلاة والسلام من يجدد الهدنة وعهد الصلح ويمدده لعهد أبعد من 10 سنوات، لم تجد قريش في وجهها غير أبي سفيان لهذه المهمة، كان أبو سفيان يعرف أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم سيكون رفض طلب قريش، إذ لم يكن لمحمد بعقله وحنكته وذكائه أن يجرب المجرب ويمنح الغادر فرصة أخرى لكنه لم يجرؤ بمجابهة قريش بمخاوفه هذه وكان دائمًا رأس الحربة في عداوة محمد وعليه الآن أن يكون رجل المواقف الصعبة، تراءت له ابنته أم حبيبة واشتعلت فيه مشاعر الأبوة بعد أن قمعها سنوات طويلة، خطر في باله خاطر لماذا لا يذهب إليها قبل أن يدخل على محمد يروي عاطفته الأبوية من جهة ويرجوها أن تتوسط له ولقريش عند زوجها محمد من جهة أخرى.

لا شك أن لها عند زوجها حظوة وكلمة مسموعة، أعجب أبو سفيان بهذا الخاطر وغز السير وطرق باب ابنته رملة، لم تفاجأ رملة بهذه الزيارة فقد كانت تتوقعها منذ أن سمعت بفعلة قريش، ولسنا نشك في ترحيبها بأبيها وحسن استقبالها له رغم شركه وكفره، فالإسلام يأمرها ببر الوالدين ولو كانا مشركين.

حاول أبو سفيان أن يخفي عن ابنته سبب زيارته، إلا أن أم حبيبة أدركت بذكائها ما يريد، قطعت عليه الطريق وأفهمته أنها تحب الله ورسوله وأنها لا تساوم أحدًا عليهما ولو كان ذلك في سبيل أبيها وأمها والناس أجمعين.
جرت خلال زيارة أبي سفيان لابنته حادثة بسيطة كان لها مغزى كبير، فلقد توجه أبو سفيان ليجلس على فراش كان أمامه، ولكن أم حبيبة وثبت إلى الفراش وطوته وهي تقول:"عذرًا يا أبتاه" سألها مستغربا أطويته رغبة بي عن الفراش أم رغبة بالفراش عني؟! استجمعت قوتها وإيمانها وقالت بلباقة وأدب: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك فلم أحب أن تجلس عليه.

بهذا التصرف أفسدت أم حبيبة على أبيها ما كان يخطط له وخرج متأسفًا وهو يقول: لقد أصابك يا بنية بعدي شر، خرج أبو سفيان مغضبًا، وتوجهت أم حبيبة إلى الله بعينين باكيتين وقلب مكلوم تدعوه وترجوه أن يهدي قلب أبيها على الإسلام، طبعًا لم تجد مساعي "أبي سفيان" لدى النبي عليه الصلاة والسلام في تشديد الهدنة وتمديد المدة ورجع إلى مكة بخفي حنين، وأعد النبي صلى الله عليه وسلم عدته لفتح مكة وخرج معه عشرة آلاف مقاتل وها هو ذا يتوجه إلى الله تعالى قائلًا: «اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة» كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يفتح مكة دون أن يهرق دم أحد من الكفار أو من المسلمين، كان هدفه من فتح مكة أمرين:

أن يعود المسلمون الذين خرجوا منذ 8 سنوات مقهورين مذلولين ليدخلوا بلادهم مرة أخرى آمنين مطمئنين.
وأن ينشر دين الإسلام في بلده الحرام ليدخل فيه من يشاء {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} [البقرة:256]، لذلك أوصى جنوده أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وتم له صلى الله عليه وسلم ما أراد، دخل مكة دون أن تراق الدماء وهناك أسلم أبو سفيان ونادى منادٍ "من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن".

فرحت أم حبيبة بإسلام والدها فرحًا شديدًا، لا شك أنها حفظت لزوجها رسول الله معروفًا حيًا "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن" عاشت أم حبيبة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلام والدها مرتاحة البال بعد أن زالت عنها تلك المشاعر المضطربة والمتوزعة بين الولاء للدين والوفاء للوالدين.

أحب أن أؤكد هنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعيرها بكفر والدها يومًا ما ولم يذكره أمامها بسوء أبدًا، هذا منصح عظيم يجب على كل زوج أن يفهمه أحسن الفهم وأن يقتدي به أحسن الاقتداء.

أما عن علاقة السيدة "رملة" بضرائرها فلم تذكر كتب السيرة والتراجم قصصًا عن غيرتها منهن أو غيرتهن منها، كل ما وجدناه من ذلك أنه لما حضرتها الوفاة دعت عائشة فقالت لها: قد يكون بيني وبينك ما بين الضرائر، فهل تحلليني من ذلك -أي تسامحيني- فحللتها عائشة واستغفرت لها، فقالت أم حبيبة: سررتني سرك الله، وأرسلت بعد ذلك إلى "أم سلمة" فقالت لها ما قالت لعائشة، ثم فاضت روحها الطاهرة للقاء ربها في سنة 44 هجرية حسب أرجح الأقوال، بعد أن روت عن النبي صلى الله عليه وسلم قرابة 65 حديثًا، فرحمها الله وطيب ثراها ورزقنا الثبات على الإيمان والتقى كما رزقها وجمعنا بها وبنبينا في جنان خلده يوم القيامة.
 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 17
  • 1
  • 21,402
المقال السابق
[09] صفية بنت حيي
المقال التالي
[12] زوجات النبى صلى الله عليه وسلم وحكمة تعدد زواجه

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً