صحابيات - [16] فاطمة بنت محمد 1

منذ 2015-10-21

كانت فاطمة طفلةً صغيرةً ترقدُ في أرجاءِ مكّة تتبع ظلّ أبيها بخوفٍ وحذرٍ وقلق، لم تستمع فاطمة بطفولتها منذ أن تخطّت الخامسة من عمرها، بل آثرت أن تهجر ملاعب طفولتها وصباها وأن تنبذ صحبة أترابها لتكون ظلًّا ملازمًا لأبيها أينما ذهب وحيث ما ارتحل.

حديثنا اليوم سيكون عن صحابيةٍ مميّزة بكل مافي كلمة مميزةمن معانٍ، صحابية لقّبت بالزهراء واستحقّت أن تسمى بأمّ أبيها، صحابية ربّت سيّدَي شباب أهل الجنة الحسن والحسين رضي الله عنهما وعن أمّهما وأبيهما وصلى الله على جدّهما إلى يوم الدين.

طبعًا عرفتم من هي هذه السيّدة العظيمة إنها فاطمة بنت محمّدٍ، صلى الله على محمّدٍ وسلّم تسليمًا كثيرًا، سوف نبدأ حديثنا هذه الحلقة من هناك من حيث كانت فاطمة طفلةً صغيرةً ترقدُ في أرجاءِ مكّة تتبع ظلّ أبيها بخوفٍ وحذرٍ وقلق، لم تستمع فاطمة بطفولتها منذ أن تخطّت الخامسة من عمرها، بل آثرت أن تهجر ملاعب طفولتها وصباها وأن تنبذ صحبة أترابها لتكون ظلًّا ملازمًا لأبيها أينما ذهب وحيثما ارتحل.

لماذا فعلت فاطمة الصغيرة هذا مع أن كل من هو في مثل سنّها يحبّ اللعب والاندماج مع أولاد الجيران والأقارب المقاربين في الأعمار، هل لأنها كانت تحب أباها؟ هذا سبب لكنه ليس سببًا وحيدًا فكل الآبناء يحبون آباءهم، السبب الهام هو أنها بحكم صغر سنها كانت تستطيع دخول جميع الميادين التي يدخلها أبوها فكانت تدخلها بجرأةٍ قلَّ نظيرها عند غيرها ممن هم في نفس عمرها لتدافع عن أبيها وتحرسه بقدر ما تستطيع، نعم فطواغيت مكة كانوا له بالمرصاد يريدون أن يلحقوا به الأذى والألم بسبب الإسلام الذي كان يدعو إليه، لقد سمعتهم وهم يتهمونه بأنه كذاب وشاعر ومجنون وساحر، رأت عقبة بن أبي معيض أشقى المشركين يتقدم من أبيها وهو يصلي أمام الكعبة فيضع ثوبه في عنقه فيخنقه خنقًا شديدًا خنقًا كاد يؤذيه لولا أن هرول أبو بكر الصديق فدفع عقبة وأبعده عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتي من قوة وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربيَ الله.

كاد قلبها ينفطر ألمًا وحزنًا عندما رأت عقبة هذا يقترب من أبيها مرةً أخرى وهو ساجدٌ أمام الكعبة وقد أمسك بيديه سلى جذور والسلى هو ما ينزل مع ولد الناقة من أقذارٍ ودماء فوضعه على رأس النبي وهو ساجد بينما وقف المشركون يتفرجون على ذلك مسرورين ضاحكين، لم يكن حول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت وتلك اللحظة من يجرؤ على الدفاع عنه فهرعت فاطمة الصغيرة إليه لتزيل عنه الأذى وهي تدعو على المشركين ودموعها تنحدر على وجهها ثم وقفت ترقب أباها وتحرسه ريثما ينتهي من صلاته سمعته عندما رفع رأسه من السجود وهو يدعو على هؤلاء الملأ من قريش قائلًا: «اللهم عليك الملأ من قريش أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيض وأمية بن خلف وأُبَي بن خلف» (صحيح مسلم[1794])، وَجِفت قلوب المشركين لدعائه غضّوا أبصارهم خوفًا وشفقةً من تحققه وانصرف النبي من صلاته واتجه إلى بيته تصحبه ابنته الحبيبة فاطمة.

بعد بضع سنوات استجاب الله دعوة نيبه وشهدتهم فاطمة كما شهدهم بقية المسلمين وهم صرعى مضرّجون بدمائهم أمام ماء بدر، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أحد ولو كان من رؤوس الكفر بل اعتاد أن يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (صحيح البخاري[3477])، لما سأله ملَك الجبال أن يطبق على المشركين الجبلين عندما آذاه أهل الطائف وطردوه قال: «لا إني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» (التوحيد[1/111])، لكنه في هذه الحادثة دعا عليهم ربما يكون السبب ضعف الحيلة وقلة الوسيلة والهوان الذي ظنه الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام، لقلة الناصرين وتمادي قريش في الاعتداء عليه والإساءة إليه وثقة النبي صلى الله عليه وسلم بأن له ربًّا يحميه وينصره ويدفع عنه الظلم والكيد والعدوان كل هذا أنطق لسانه آنذاك بالدعاء لربه ليكفيه هؤلاء المشركين بما شاء حيث شاء وكيفما شاء، شاء الله تعالى أن تكون نهاية أولئك الفَجَرَة في معركة بدر.

إذن هكذا كان حال فاطمة الزهراء رضي الله عنها تشهد مع أبيها ما شهده تحمل في قلبها الصغير آلامًا كبيرة يزيدها ما يعانيه أبوها محبةً له والتصاقًا به، من أجل هذا سمّيت بأمّ أبيها، لنا أن نتساءل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مع ابنته فاطمة وكيف كان يعاملها كيف كانت مكانتها في قلبه؟، تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: مارأيت أحدًا كان أشبه كلامًا وحديثًا برسول الله أكثر من فاطمة كانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحّب بها وكذلك كانت هي تصنع به صلى الله عليه وسلم، كان صلى الله عليه وسلم يقول عنها فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وكان يقول أيضًا فاطمة بضعةٌ مني فمن أغضبها أغضبني، كان إذا قدم من غزوٍ أو سفرٍ بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثمّ أتى بيت فاطمة يسلم عليها وذلك قبل أن يدخل على نسائه.

كثيرون هم الذين يستغربون أن احتلت فاطمة من أبيها مكانة لم تحتلها بقية بنات النبي صلى الله عليه وسلم ويتسألون عن السبب، الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب بناته جميعهنّ، نستطيع أن نستشفّ هذا الحب الأبوي العظيم من خلال بعض المواقف التي ذكرتها كتب السيرة والسنة عن هذه العلاقة في الوقت التي أفاضت فيه هذه الكتب في الحديث عن فاطمة الزهراء أكثر من أخواتها، وما ذلك في رأيي إلا بسبب أن فاطمة كانت أكثر ملازمةً لأبيها في دعوته للإسلام خارج حدود البيت، الأمر الذي أتاح للصحابة أن يروا حبه لها بأعينهم ويلمسوه بمشاعرهم ومن ثم يتناقلوه فيما بينهم، هناك سببٌ هامٌّ أيضًا في إفصاح النبي صلى الله عليه وسلم عن حبّه لفاطمة فقد كانت فاطمة رابع بناته والبيئة التي ولدت فيها كانت تكره الأنثى وتعتبرها مجلبة للعار والنقص والمذمّة فكان صلى الله عليه وسلم يظهر محبته لها أمام أصحابه ليجلوَ عنها بعض قد ما يعتليها من أفكار ذلك المفهوم الجاهلي عن الإناث وليعلم صحابته كيف يكون الاحتفاء بالأنثى كيف يجب أن تعامل الأنثى حتى ولو كانت الرابعة أو الخامسة أو حتى العاشرة.

شهدت فاطمة الزهراء أحداثًا مفصلية هامة في بيت النبوة فقد تزوجت أختها زينب ورقية وتوفيت أمها السيدة العظيمة خديجة بنت خويلد فشعرت فاطمة أن عليها مسؤوليات مضاعفة، من أهمها رعاية أبيها وإزالة الهموم التي اعترته إثر وفاة زوجته المخلصة ومستشارته الذكية الواعية خصوصًا أن وفاة أمها تزامنت مع وفاة أبي طالب عمّ النبي وداعمه ومؤيدّه ضد قوى الشر والطغيان.

عندما عرضت الصحابية خولة بنت حكيم على النبي صلى الله عليه وسلم أن تخطب له سودة بنت زمعة وتمّ الزواج المبارك وانضمت سودة إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم رحّبت فاطمة بها، فقد كانت تأمل أن يجد والدها الرسول لدى سودة ما يؤنسه ويخفف عنه ما يكابده من شجون فراق الزوجة الحبيبة خديجة ويزيل عنه بعض مايلاقيه من أذى قريش وتكذيبهم.

بعد سنتين ونصف من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بسودة أذن الله تعالى للمسلمين بالهجرة إلى يثرب وبدأ الصحابة يشدون الرحال إلى تلك الأرض الطيبة، وعندما أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة فهاجر يصحبه أبو بكر رضي الله عنه، بقيت فاطمة وأم كلثوم وخالتهما أم المؤمنين سودة في مكّة حتى ما استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وبنى المسجد وبجانبه بيته، أرسل زيدًا بن حارثة إلى مكة ليأته بابنتيه وزوجته وهناك على مشارف مكة كانت فاطمة تحثّ الخطى للقاء الأب الحبيب والرسول الكريم وشوقها يسبقها إلى طيبة الطيبة، عندما نظرت خلفها لتمتع عينيها برؤية مكّة لآخر مرة وجف قلبها فقد كان نفرٌ من الكفار يجدّون السير خلفهم حتى إذا ما اقتربوا منهم أحاطوا بهم من كل جانب وتقدم أحدهم وأسمه الحويرث ابن نُقيذ من راحلة فاطمة وأختها أم كلثوم فنخسها، فرمت بهما على أديم الصحراء، قامت الأختان متحملتان على نفسيهما لتكملا المسير الشاق إلى المدينة وقد أعياهما الألم والتّعب والنّصَب، في المدينة علم النبي صلى الله عليه وسلم مافعله الحويرث بابنتيه الحبيبتين فآلمه أن يستوطن الحقد في نفوس القوم لدرجة أن يفشّوا غيظهم ويعملوا كيدهم في نساء لم يتعرضن له بالسوء.

تصرف الحويرث هذا على خلاف ما اشتهر به العرب من النخوة والشهامة والمروءة بقي هذا التصرف الوضيع الذي وفعله الحويرث محفورًا في ذاكرة النبي صلى الله عليه وسلم فلما فتح مكة عفى عن أهلها الذين آذوه وآذوا أصحابه وحاربوهم وجهًا لوجه وقال للجميع اذهبوا فأنتم الطلقاء، لكنّه لم يعفُ عن الحويرث بن نُقيذ، لماذا؟ لأنّه فاقد النخوة والكرامة وعديم المروءة والشهامة الجبان المتهجم على النساء المسالمات لا يستحق العفوَ والصفح فأمر بقتله ولو كان متعلّقًا بأستار الكعبة، وقتل الحويرث على يد علي بن أبي طالب زوج الزهراء فاطمة صهر النبي صلى الله عليه وسلم.

نتساءل هنا على حال السيدة في المدينة وقد وفدت على بيت النبي صلى الله عليه وسلم زوجات أخريات منهنّ عائشة الفتاة الذكية الجميلة نتساءل كيف استقبلت فاطمة هذه المستجدات وفاطمة العاشقة لأبيها وتحبه حبًا جمًّا لا تألُ جهدًا في رعايته وتقديم كلّ ما يسرّه ويؤنسه هل غارت من زوجاته؟ هل أنكرت على أبيها أن يتزوج بعد أمها؟ هل قالت له من يستحق أن يأخذ مكان أمي خديجة يا أبي، أمي تلك التي كانت عضُدَ خيرٍ لك في السرّاء والضرّاء؟ كتب السّيرة والسنّة لا تذكر أنّ خلافًا جرى بين فاطمة الزّهراء وبين زوجات أبيها ولا تذكر أي موقفٍ معارض من فاطمة أو من أخواتها من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمهنّ خديجة، قد لانستبعد أن تجد الزهراء وأخواتها غصّةً في زواج أبيهنّ بعد رحيل أمّهنّ، فهذا يعني أمرٌ طبيعي تشعر به كل أنثى مهما بلغت رجاحة عقلها وصلاح حالها، ولكن العظمة أنها لم تبدي لأبيها شيئًا من الضيق أو الحزن أو الاعتراض في أن يجد أبوها من يسكن إليها فؤاده وترتاح إليها نفسه وهي التي تحبه أكثر من نفسها والناس أجمعين، محبّتها له ورغبتها في إسعاده جعلها تقول في لسان حالها هوايَ في هواكَ يا أبتاه.

يمكننا أن نقول إن دخول أم المؤمنين عائشة بيت النبي صلى الله عليه وسلم زوجة جعل فاطمة التي بلغت وقت ذاك ثمانبة عشر عامًا والتي لم تفكر في الزواج ولم تكن لتتقبله أصلًا بسبب انشغالها بهموم والدها النبي، جعلها مستعدة اليوم على الأقل نفسيًا لمناقشة موضوع كهذا، لا شكّ أن نفسها ارتاحت واطمأنّ بالها عندما وجدت أباها يأنس إلى عائشة ويجد عندها شيئًا من السلوى والعزاء، هذا ماحصل بالفعل فقد بدأ الخُطّاب يتقدمون إلى أبيها النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون يدها، كان ممن تقدم لطلب يدها أولًا أبو بكرٍ وعمر طمعًا منهم بمصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وقربه، لكنّ النبي صلى الله عليه وسلم ردّهما برفق، كان عليٌّ ابن أبي طالب يرقب ذلك من بعيد قلبه يهفو إلى خطبة ابنة العم فاطمة.

علي رضي الله عنه أدرك طفولة فاطمة حين كان يعيش في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتحت كفالته عندما كان صغيرًا فقد أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخفف عن عمه أبي طالب شيئًا من حمله الثقيل وأن يردّ له شيئًا من معروفه الجميل، فكفل ابنه عليًّ وضمه إلى آله وعياله، ولكن عليًّ اليوم شابًا فقير يتهيّب أن يتقدم إلى خطبة فاطمة وهو لا يملك مالًا يجهز به نفسه ويجهز به عروسه ولا يستطيع أن يؤمن لها السكن اللازم للزواج، لقد أمضى حياته في خدمة الإسلام والدعوة إليه فلم يملك بسبب ذلك صفراء ولا بيضاء، بعد فترةٍ من التفكر والتردد تقدم عليٌّ بن أبي طالب من خطبة ابنة العم كان عمره آن ذاك إحدى وعشرين عامًا وقيل ستةً وعشرين عامًا وعمر فاطمة ثمانية عشر عامًا.

عندما فاتح علي النبي صلى الله عليه وسلم برغبته بالزواج من فاطمة سأله النبي صلى الله عليه وسلم بلطف: «هل عندك شيءٌ تمهر به فاطمة يا علي؟ أجابه: لا يارسول الله، فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وذكره بدرعٍ حطمية غنمها يوم بدرٍ قائلًا: فأين درعك التي أعطيتك يوم كذا وكذا، أجاب علي وقد ارتدّت إليه روحه: هي عندي يارسول الله، فقال فأعطها درعك». هذه الدرع كان مهر سيدة نساء أهل الجنة، أسرع علي يحضر درعه الحطمية لتكون مهرًا لعروسه بنت النبي صلى الله عليه وسلم، بيعت الدرع بأربعمئة وسبعين درهمًا أعطاها النبي عليه الصلاة والسلام إلى أمّ سلمة لتشتري بها مايلزم العروس من طيبٍ ومتاعٍ ولباس، ومكثت فاطمة في بيت أبيها سبعة أشهرٍ أخرى استطاع عليٌّ خلالها أن يؤمن بيتًا مؤجّرًا وفرشًا بسيطًا، وعندها زُفّت إليه فاطمة الزهراء خير نساء زمانها وسيدة نساء أهل الجنة كان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.

أتدرون ماهو أثاث المنزل الذي زفّت إليه فاطمة الزهراء حبيبة أبيها وحبيبة المسلمين إلى يوم الدين، وسادةٌ من جلدٍ حشوها ليف ورحاءان وسقاءان وجرّتان وجلد كبش تنام عليه هي وزوجها رضي الله عنها وعن زوجها.

يروى أن البيت الذي استأجره علي كان بعيدًا عن بيت النبي صلى الله عليه وسلم فشقّ ذلك على النبي لأنه كان يزور فاطمة كل يوم فبلغ ذلك حارثة ابن النعمان وكان يقطن بجانب بيوت نساء النبي فرجى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبادلا مع علي وفاطمة فيسكن في بيتهما ويسكنان في بيته، فسُرّ النبي صلى الله عليه وسلم ودعى له قائلًا: «بارك الله فيك ياحارثة»، وبذلك انتقلت فاطمة رضي الله عنها لتسكن بجوار أبيها، كان بيتها كبيوت النبي صلى الله عليه وسلم له بابان يطلّ أحدهما على المسجد والآخر خارج المسجد فكانت رضي الله عنها تتمتع بسماع توجيهاته الحكيمة وتعاليمه السامية وهي في بيتها.

لنا هنا وقفةٌ لنتفكّر في الأسباب التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعليِّ عريسًا وعليٌّ لا يملك من الدنيا شرْوَى نقير وقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوج ابنته لأحد الصحابة الأغنياء وليس فيهم واحدٌ لا يطمح لخطبتها وهي من هي حسبًا ونسبًا ودينًا وخلقًا، من منهم لا يتشرف بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم له صهرًا ومن منهم لا يتشرف بأن يكون صهرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، أقول في هذا الزواج عبرةٌ عظيمةٌ ولفتةٌ كريمة ففي تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة الزهراء من عليٍّ ابن أبي طالب تجسيدٌ عملي لما كان يعلّمه لصحابته عن معايير الزواج حين يقول: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوّجوه إلّا تفعلة تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض» (المعجم الأوسط[7131]).

فالدين والأخلاق هي أول مايجب أن يبحث عنه الأهل في مواصفات من يتقدّم لخطبة ابنتهم تتساءلون لماذا؟ أقول عندما يملك الزوج في قلبه الإيمان والدين والخوف من الله تعالى ويفيض خلقه بالصلاح والتقوى، هل يمكن أن يظلم زوجته أو يسيء معاملتها أو يبخسها حقًا من حقوقها؟ طبعًا لا، لذلك كان أحد الصالحين ينصح أولياء الأمور قائلًا: زوّجوا بناتكم من الرجل المتديّن الملتزم لأنه إن أحبها أكرمها وإن كرهها لم يظلمها، طالما أن أول مقاييس الزواج في الإسلام هي الدين والأخلاق، فإن علي هو أولى الناس وأحقّ الناس بالزواج من الزهراء فهو أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان عمره آن ذاك عشر سنوات وهو الذي نذر حياته لنصرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مواقف يعجز عنها الأشداء من الرجال وهو الذي أحبه النبي صلى الله عليه وسلم وصرّح له قائلًا: «أنت مني وأنا منك» (صحيح البخاري[4251])، وقال لأصحابه بخصوصه «من كنت مولاه فعلي مولاه» (مسند أحمد[2/199])، وهو الذي قال له صلى الله عليه وسلم «لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» (منهاج السنة[5/50]).

إذن علي بن أبي طالب يملك من الدين والأخلاق والشجاعة والنسب إلى جانب رجاحة العقل والحكمة والبلاغة ما يغطي على نقص المال، والحقيقة أن حقيقة الرجال لا تقاس بالمال ولا بالجمال، تخطئ كل فتاة كما يخطئ أهلها حين يقيسون الخُطاب بهذه المقاييس التي يحق لنا أن نصفها بالمقاييس الوهمية والواهية والزائلة لأنها مقاييس شكلية لا تهب السعادة للفتاة ولا تمنحها السكينة والاستقرار، كثيرًا ما أفكر بهذه النماذج التي ملكت كل شيء لكنها لم تملك السعادة وأقارنها بنماذج على الطرف المقابل ربما لاتملك إلا قوت يومها لا سيارة ولا طيارة لا فيلات فاخرة لا رصيد بالبنوك لكنها تعيش حياةً هانئةً هادئةً يظللها الحب والأنس والتفاهم والقتاعة والرضى.

نعود إلى السيدة فاطمة وهي تزف إلى بيت زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، يدخل عليها أبوها النبي صلى الله عليه وسلم فتدلف إليه خجلى فينظر إليها مبتسمًا ويقول لها: يافاطمة أما إني ما آليت أي ما قصرت، يافاطمة أما إني ما آليتُ أن أنكحتك خير أهلي، ثم يدعو لها ولزوجها قائلًا: «اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما» (الإصابة[4/378]). 

عاشت السيدة فاطمة حياتها مجاهدةً مناضلة تجرّ الرحى وتطحن الحبوب تعجن العجين وتخبز الخبز وتستقي الماء من خارج المنزل، وكان ذلك بالنسبة لها عملًا شاقًا فقد أثرت الرحى في يديها أتعبتها أعمال المنزل وجلب السقاء لم يكن بمقدور زوجها علي رضي الله عنه أن يجلب لها خادمة،  نتساءل هنا ماذا فعلت السيدة فاطمة؟ هل اعترضت؟هل تذمّرت؟هل تأفّفت؟ هل عيّرت زوجها بفقره وحنّت لعيشتها في بيت أهلها؟ أبدًا فقد كانت فاطمة رضي الله عنها زوجة صابرة على فقر زوجها وضيق ذات يده، كان ذلك يقلقه ويؤلمه فهو تواق لتوفير الراحة لها ولكن ما باليد حيلة.

سمع علي رضي الله عنه ذات مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه سبيٌ فقال لفاطمة رضي الله عنها: لقد جاء أباكِ سبيٌ فهلّا ذهبتِ إليه وطلبت أن يهب لكِ خادمًا، فذهبت فاطمة إلى بيت أبيها فلم تجده، فذكرت ذلك إلى خالتها عائشة فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم برغبة عائشة لاشكّ أن النبي صلى الله عليه وسلم تألمّ لما تكابده ابنته من مشقّة كان في مقدوره كأب يحب ابنته ويرغب في راحتها وكرسول أوكل الله تعالى إليه التصرف بأموال الفيء وخمس الغنيمة كيفما يشاء كان بمقدوره أن يحقق رغبتها الوحيدة، حيث لم تذكر كتب السنة ولا السيرة أنها طلبت غيرها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشعر المسؤولية الملقاة على عاتقه وما بين يده من أموال هي وديعةٌ أوكل الله تعالى مهمة التصرف فيها فكان يأخذ منها مايكفيه ويكفي أهله لسنةٍ كاملة ثم ينفق المال على مصالح المسلمين.

أتدرون إخوتي المسلمين كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم مشكلة فاطمة ذهب إلى بيتها فوجدها مع زوجها وقد تغطيا بلحاف إذا أسبلاه على أقدامهما انكشف رأساهما وإذا غطّيا به رأسيهما بدت أقدامهما ليس لديهما غيره، حزن النبي صلى الله عليه وسلم لما رآهما على هذه الحالة فاقترب منهما وجلس بينهما وشرح لهما أنه لايضنّ عليهما بخادمٍ أو بغيره ولكن، ولكن ماذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم لفلذة كبده ولزوجها الغالي عليه: والله لاأعطيكم وأهل الصفّة تطوي بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم ولكن أبيعهم أي أبيع رقيق السبي وأنفق عليهم أثمانهم، ثم نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليهما وقال لهما بلهجةٍ مملوءةٍ عطفًا وحبًا وحنانًا: «ألا أعلمكما خيرًا مما سألتما إذا أخذتم مضجعكما أن تكبرا الله أربعًا وثلاثين وتسبحاه ثلاثًا وثلاثين وتحمداه ثلاثًا وثلاثين فهو خيرٌ لكما من الخادم» (صحيح مسلم[2727])، ثم ودعهما ومضى بعد أن زودهما بتلك الرياضة الروحية التي تغنيهما عن الخادم وتخفف عنهما ماقد يعترضهما من مصاعب وتمدهما بالصبر وبالقوة الجسدية والروحية.

ولقد سُمع عن الإمام علي فيما بعد يذكر كلمات النبي صلى الله عليه وسلم ويقول فوالله ماتركتهنّ منذ علمنيهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أحدهم ولا ليلة صفّين قال ولا ليلة صفّين، من المؤكد أن الزهراء لم تدعهنّ أيضاً حتى توفّيت.

وأنتم إخوتي: مارأيكم أن تواظبوا على هذه الأذكار المسائية كل يوم فتقولوا سبحان الله والحمدلله ولاإله إلا الله والله أكبر فهنّ الباقيات الصالحات ولقد قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف:46]، الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة التي تصاحب المرء فتبقى معه في برزخه وصحائف أعماله تدافع عنه يوم القيامة وتشفع له.

ماتزال رحلتنا مع السيدة فاطمة رضي الله عنها طويلة، لكن لايتسع الوقت لذكرها، على أن نكملها في لقاء آخر.


لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 26
  • 3
  • 72,900
المقال السابق
[15] رقية وأم كلثوم بنتا محمد صلى الله عليه وسلم
المقال التالي
[17] فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم 2

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً