صحابيات - [26] الخنساء

منذ 2015-10-22

كانت الخنساء شاعرة منذ عصر الجاهلية وعندما قُتل أخواها صخر ومعاوية، حزنت حزنًا شديدًا وبكتهما في الجاهلية أعوامًا طويلة وندبتهما بشعرها الحزين، وأسرفت في ذلك حتى امتلأ ديوانها بهذا الشعر الذي فيه الرثاء.

سنتحدث اليوم عن صحابية شاعرة أجمع أهل الشعر والعلم على أنها لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، اسمها تماضر بنت عمرو ابن الشريد السلمية، هل سمعتم بها من قبل؟ قد يقول الكثير منكم: لا، نحن لا نعرف هذا الإسم، وأنا أقول: لا بلى، كلكم تعرفونها إنها الخنساء، ومن لا يعرف الخنساء! لا أظن بلدًا من البلدان الإسلامية  لم يسمي شارعًا أو مدرسةً أو ساحةً باسم الخنساء ولا أظن أحدًا منا لم يردد عبارتها الشهيرة التي قالتها حين استشهد أولادها الأربعة: الحمد الله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

كانت الخنساء تمتلك قدرة فائقة على قول الشعر وتكتنز ثراءً عريضًا من مفردات اللغة ومعانيها، سُئل جرير مرة: من أشعر الناس؟ فقال: أنا لولا الخنساء. فقيل له: فبم فضلتك؟ فقال: بقولها:

إن الزمان وما يفنى به عجبٌ *** أبقى لنا ذنبًا واستؤصل الراس
إن الجديدين في طول اختلافهما *** لا يفسدان ولكن يفسد الناس

هنا قد يسأل السائل ويقول قائل: أليس الشعر أمرًا مكروهًا مذمومًا في الإسلام؟ ألم يقل الله تعالى في كتابه الكريم: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224]، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا» (نخب الافكار[14/11]).

وأنا أقول لهذا السائل حتى ندرك معنى الآية الكريمة والحديث الشريف ونجد الجواب الشافي، لا بد أن نبحث في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الصحابية الشاعرة، وكيف كان يتعامل معها، هل نهاها عن قول الشعر؟ هل أعرض عن سماع شعرها؟ أم ماذا فعل؟

قد تدهشون عندما تعلمون أنه عليه الصلاة والسلام كان يستنشد الخنساء الشعر، أي يطلب إليها أن تقول الشعر أمامه، وأُحب أن أؤكد هنا عن معنى هام قد يسيء البعض فهمه، فإنشاد الشعر عند العرب يعني إلقاء الشعر لا يعني غناء الشعر كما هو مفهوم كلمة إنشاد اليوم في عرف الناس، كما يحاول بعض المتسللين والمتصيدين أن يزعموا، كان شعر الخنساء إذن يعجب النبي  صلى الله عليه وسلم، فكان يقول لها ممتدحًا مستحسنًا: «هيه يا خناس»، وكان في بعض الأحيان يومئ بيده تعبيرًا عن إعجابه بشعرها.

بهذه المناسبة ما رأيكم أن نطوف سوية على سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الشعر والشعراء؛ يُروى أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم بكلامٍ فصيح ٍ مبين، فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه ثم قال: «إن من البيان سحرًا وإن من الشعر حكمًا» (صحيح ابن حبان [5780])، يروي البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن من الشعر حكمةً» [6145]، كان أيضًا صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ينشدون الشعر أمامه فيستمع إليهم مبتسمًا، من هذا ما يرويه جابر ابن سمُرة رضي الله عنه فيقول: "جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر أمامه ويتذاكرون أشياء من الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم معهم".

عندما نتحدث عن الشعر والشعراء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكننا أن نُغفل الحديث عن شعر الصحابي الجليل حسان ابن ثابت ودوره في نصرة الإسلام ونبي الإسلام، فقد كان يُوضع له منبر في المسجد، فيقوم عليه منافحًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومدافعًا عنه فيرد عنه كل مقولة سوء كان الكفار يقولونها بشأنه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه ذلك فيمتدح حسان قائلًا: «إن الله تعالى يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» (سنن الترمذي[2846]).

يروي أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة في عمرة القضاء، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وهو ينشد بصوتٍ عالٍ:

خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله

فاستهجن ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يابن رواحة! أتقول الشعر بيد يدي رسول الله وفي حرم الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «خل عنه ياعمر، فلا هي أسرع فيهم من نطح النبل» (سنن الترمذي[2847])، والنبل هو: رمي السهام.

نعم، فإن كلمة الحق في موطن الحق وفي لهجة الحق لتجد طريقها في كثير من الأحيان إلى قلوب المستعمين لترهبهم وتأخذ على أيديهم أو تطربهم وتستل مافي قلوبهم من سقائم وأحقاد بسرعةٍ أكبر مما قد تجدهم أسهم المقاتلين في ميدان المعركة إذا حمي الوطيس، والأعجب من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل شيئًا من أشعار الآخرين في بعض الأحيان، ومعنى يتمثل أن ينشد الشعر رغم أن الله تعالى قد حال بينه وبين تأليف الشعر وبين ارتجاز الشعر حسب ما اخبرنا به تعالى في قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِين} [يس:69]، طبعًا ذلك من أجل ألا يختلط الأمر على الناس بين القرآن الكريم وبين الشعر.

يُروى في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في غزوة حُنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» (صحيح البخاري [2930])، من هذا أيضًا أنه أصاب أُصبعه يومًا حجرٌ فدميت، فقال: «هل أنتِ إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ» (صحيح مسلم [1796])، سُئلت عائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشعر ابن رواحة بقوله: «ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ» (صحيح الترمذي [2848]).

لا شك أنكم بعد هذا كله تتسائلون إذا كان للشعر هذا الدور العظيم في نصرة الحق وأهل الحق، فما معنى قوله تعالى : {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا» (نخب الافكار [14/11])، الآية الكريمة تتمتها توضح المراد منها، إذ يقول الله تعالى في سورة الشعراء:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُون} [الشعراء:224-226].

إذن الآية الكريمة تذم نوعًا معينًا من الشعراء وهم الذين يبيعون ضمائرهم وقناعاتهم ومعتقداتهم مقابل اللهاث وراء المال ووراء الشهرة، أما الشعراء المؤمنون الذين يخدمون العقيدة والفكر ويضعون شعرهم في خندق مواجهة الضلالة والاستكبار فقد استثناهم الله تعالى في نفس السورة بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء:227].

أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن يمتلئ جوف أحدكم ريحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا»، فلقد ذهب العلماء إلى تأويله بما يتوافق مع الأحاديث الأخرى الصحيحة التي تمتدح الشعر بل وتحث عليه، فقالوا: المذموم من الشعر هو ما ذمته الآيات في سورة الشعراء أوهو ما تغلب على عقل المرء ولب المرء بحيث بات يشغله عن تلاوة القرآن وذكر الله تعالى وعمل الصالحات، فللشعر وقته ولذكر الله تعالى وتلاوة القرآن وقته، والحقيقة أن الشعر موظف في خدمة دين الله تعالى لا يمكن له إلا أن يستقي مداده من معين كلام الله تعالى ويستمد نوره من شعاع ذكره.

لا يمكن لنا هنا أن نغفل الشعر المستخدم لنصرة الباطل أو إشعال فتيل الفتن والخصومات أو لإثارة الشهوات المحرمة، هذا كله من الشعر المذموم المنهي عنه، ما أسوأ قول الشاعر: فإنْ قالوا: حرامٌ؟ قلْ:حرامٌ! ولكِنّ اللّذائذة َ في الْحَرامِ. وما أروع قول الإمام الشافعي:

إذا شُئْتَ أن تحيا سليمًا مِنَ الأذى *** وحظُكَ موفورٌ وعِرْضُكَ صَيِّنُ
لِسانَكَ لا تَذْكرْ بهِ عورةَ امرىءٍ *** فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنُكَ إنْ أَبْدَت إِليْكَ مَعائِبًا *** فَصَنْها وَقُلْ يا عَينُ لِلناسِ أَعيُنُ
وعاشِرْبِمَعْروفٍ وَسامِحْ مَن اعتَدى ***وِفارِقْ ولكن بالتي هيَ أَحْسَنُ
 

إذن كانت الخنساء شاعرة فصيحة وأديبة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع لها وهي تنشد الشعر أي تقوله وكان يمتدحها قائلًا: «هيه يا خناس»، ألا يدعونا امتداح النبي صلى الله عليه وسلم للخنساء وتشجيعه لها على قول الشعر إلى إعادة بعض حساباتنا اليوم، ماهو المستند الشرعي من القرآن الكريم والسنة الشريفة الصحيحة للناس الذين يحرمون ظهور النساء المسلمات في المؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام ؟

في الحقيقة ليس هناك دليل شرعي صريح وواضح في هذا المجال، حجتهم الوحيدة تتلخص في مبدأ سد الذرائع أي الوسائل، وحسب رأيهم فإن إلقاء المرأة للخطب والشعار والدروس والمواعظ بحضور الرجال يؤدي إلى افتتان الرجال، وينبغي بناءً على مبدأ سد الذرائع أن يُحرم على المرأة القيام بأي نشاط أمام الرجال ولو كانت المرأة متسترة ومحتشمة باللباس الإسلامي ومنضبطة في مشيتها وكلامها بالأدب الإسلامي، إذ في رأيهم كل ما أوصل إلى حرام أو شُبهة حرام فهو حرام.

الحقيقة إن التوسع في الأخذ في مبدأ سد الذرائع قد يجور إلى تحريم ما أحله الله تعالى وهذا منهيٌ عنه شرعًا فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة:87]، ويقول أيضًا: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]، فتحريم الحلال لا يقل إثمًا عن تحليل الحرام بل ربما يزيد، انظروا كيف قال الله تعالى بعد النهي عن تحريم الطيبات : {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، الإعتداء على شرع الله تعالى أمر عظيم، توعد الله تعالى فاعله بالإثم الشديد حيث قال : {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229].

إذن سد الذرائع مبدأ معمول به ولكن بشرط أن لا يوصل إلى تحريم ما أحله الله تعالى، وبناءً على هذا فإن المشاركة النسوية في المحافل العامة جائزة إذا كانت منضبطة بالضوابط الإسلامية، لأن الحكم والفيصل في ذلك هو نصوص الشرع الواضحة والصريحة فالله تعالى هو المشرع وهو أعلم بما يصلح لعباده وما لا يصلح، وما أحله الله تعالى لنا في القرآن الكريم أو على لسان نبيه في السنة الشريفة الصحيحة عملنا بها وما نهانا عنه انتهينا.

نعود إلى الخنساء نقول، كانت الخنساء شاعرة منذ عصر الجاهلية وعندما قُتل أخواها صخر ومعاوية، حزنت حزنًا شديدًا وبكتهما في الجاهلية أعوامًا طويلة وندبتهما بشعرها الحزين، وأسرفت في ذلك حتى امتلأ ديوانها بهذا الشعر الذي فيه الرثاء، ومما قالته في رثاء أخيها صخر:

وَإِنَّ صَخرًا لَـوالِينا وَسَـيِّدُنا *** وَإِنَّ  صَخرًا إِذا نَشتو لـنَحّارُ
وَإِنَّ صَخرًا لَـتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ *** كَأَنّهُ عـلَمٌ فـي رَأسِهِ نارُ
مِثلَ  الـرُدَينِيِّ لَـم تَنفَذ شَبيبَتُهُ *** كَأَنَّهُ تَحتَ طَيِّ البُردِ أُسوارُ

وقال تنعى أخاها معاوية:

ألا لا أرى في الناس مثل معاويةْ *** إذا طرقتْ إحدى الليالي بداهيَهْ 
أَلا لاْ أرَىْ كفارس (الْجُونِ) فارسًا *** إذا ما دَعَتْهُ جُرأة وعلانيهْ 
فأقسَمْتُ لا يَنفكُّ دَمْعِي وعولَتِيْ *** عَليك بحزنٍ ما دَعا الله داعيَهْ

هذا هو حال الخنساء في مقتل أخويها في الجاهلية، بكاء وحزن ورثاء لسنوات طويلة لم يبق لها دمع ولم يهنئ لها جفن، فكيف كان حالها بعد الإسلام، يروي كُتاب التراجم أنها قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمةً مع قومها من بني سليمة وأنه كان يستنشدها الشعر كما رأينا، فتنشد أمامه فيعجبه شعرها ويقول لها مادحًا: «هيه يا خناس»، ولكن ماذا بعد ذلك؟؟ هل بقيت الخنساء بعد إسلامها ترثي بأشعارها الجميلة الحزينة أخويها صخرًا ومعاوية؟ هل ظل الحزن والبكاء رفيقيها في حلها وترحالها؟

يُروى أنها دخلت على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تلبس صِدارًا من شعر الحيوان يغطي عنقها إلى سرتها، كان الجاهليون يلبسون هذا الصدار حدادًا على الأموات، فقالت لها أم المؤمنين عائشة: ماهذا يا خنساء؟ أما علمتي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؟ أجابتها الخنساء: والله لم أعلم يا أم المؤمنين ولكن لهذا الصدار قصة دعتني إلى لبسه، فقالت: حدثيني بهذه القصة، قالت: زوجني أبي لسيد قومه وكان رجلًا مبذرًا أسرف في ماله حتى أنفذه، فأتيت أخي صخرًا استعينه، فقسم ماله شطرين وأعطاني أحسن الشطرين، ولكن زوجي عاد إلى إسرافه وتبذيره حتى أذهب المال، فقسم صخرٌ ماله مرةً ثانيةً وأعطاني أحسنه، فقالت له زوجته مغتاظة: أما ترضى أن تعطيها النصف حتى تعطيها الخيار! فأجابها:

والله لا أمنحها شِـرارها *** وهي التي أُرحض عني عارها
ولو هلكتُ خرقت خمارها *** واتخذت من شَعَرِ صـدارها

ومنذ ذلك الوقت آلت الخنساء ألا يفارق الصدار جسدها ما بقيت وفاءً منها من ذكرى أخيها الذي قاسمها ماله مرتين.

الحقيقة صورة الخنساء في الإسلام وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا تغيب عنا فترة من الزمن لتبرز بعد ذلك في أبهى حلة وأعظم صورة وأقوى موقف وذلك في معركة القادسية، تعالوا بنا سويًا لنراها في معركة القادسية وفي صحبتها أولادها الأربعة، كان ذلك سنة الرابعة عشر للهجرة عندما أرسل أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب سعدًا ابن أبي وقاص على رأس جيش لفتح العراق وتحريرها من الإمبراطورية الفارسية الغاشمة والتي استعبدت أهل العراق ففرضت عليهم الضرائب الجائرة وحرمتهم من العلم ومن الحرية الدينية ومن أبسط حقوق الحياة إلى جانب منعها دعاة الإسلام من الدعوة إلى الله تعالى في تلك البلاد.

سار جيش يعد للجهاد في سبيل الله تعالى حتى وصلوا إلى القادسية من أراضي العراق، وهناك التقى الجيشان جيش المسلمين وقائدهم سعد ابن أبي وقاص وجيش الفرس وقائدهم رستم، وقد اختلف المؤرخون في عدد جيش المسلمين والأرجح أنهم بلغوا الثلاثين ألف مسلم، كما اختلفوا في عدد جيش الفرس ما بين ستين ألفًا والمئة ألف، طبعًا عددًا غير متكافئ فضلًا عن أن مع جيش الفرس آلة قتال رهيبة لم يعهدها المسلمون من قبل ولم يألفوها، وعدد كبير من الفيلة يقال إنهم ثلاثون فيلًا ويقال سبعون فيلًا، كان اليوم الأول من المعركة يومًا شديدًا على المسلمين حيث جعلت الخيول تفر بسبب رؤيتها للفيلة وسماعها لصوتها.

شاركت الخنساء في معركة القادسية ضمن جمع النساوين، فكن يخدمن الجيش ويطعمن ويسقين ويرعين أمور الجند ويرددن الجرحى والقتلى إلى معسكر المسلمين، اغتم جميع من في الجيش رجالًا ونساءًا لما حدث في اليوم الأول من المعركة بسبب الفيلة، واجتمع سعد قائد جيش المسلمين بكبار قواده يسألهم عن حيلة تمكنهم من التغلب على الفيلة، تفتق ذهن البعض عن حيلتين بارعتين: أولهما أن يصوب بعض الرماة نبالهم إلى ركبان الفيلة الذين يركبون على الفيلة فينشغلون بصد النبال عن أنفسهم فيتسلل بعض الجنود إلى خلف الفيلة ليقطعوا الركائب المشدودة على ظهورها وبالتالي يسقط الذين على ظهور الفيلة، فقد أسفرت هذه الحيلة عن ارتفاع أصوات الفيلة وهيجانها يمينًا وشمالًا فضلًا عن إصابة بعضها بالسهام، أما الحيلة الثانية: فهي إلباس بعض الإبل لباسًا مبرقعًا تظهر فيه الإبل شبيهة بالفيلة، مما جعل الفيلة تتوقف عن التقدم بين صفوف المسلمين.

ثلاثة أيام مضت والحرب سجال بين المسلمين والفرس، لا غلبة لأحد الطرفين على الآخر، أحست الخنساء بالخطر الكبير الذي يحدق بالمسلمين وأدركت أن هزيمتهم أمام الفرس في هذه المعركة تعني اشتداد عود الفرس واستمرار طغيانهم واستبدادهم وربما يجرهم هذا إلى التفكير في غزو المسلمين في عقل دارهم، لذلك لا بد من التضحية لا بد من الاستبسال في سبيل نصرة دين الله، فإما النصر وإما الشهادة.

جمعت الخنساء أولادها الأربعة عشية الليلة الثالثة من ليالي المعركة وخطبت فيهم قائلة: "يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد كما إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وإنكم تعلمون ما أعده الله تعالى للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، سكتت الخنساء هُنيهة وهي تنظر إلى أولادها بعينين أغرورقتا بالدموع ثم تابعت تقول: اعلموا يا أبنائي أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [آل عمران:200]".

في اليوم الرابع من المعركة خرج أبناء الخنساء إلى لقاء العدو وهم يحملون معهم شحنات الحماس والإيمان والإخلاص التي زودتهم بها أمهم الخنساء، ما تزال كلماتها الأخيرة تجلجل في آذانهم: الدار الباقية خير من الدار الفانية، الدار الباقية خير من الدار الفانية، فارتجز أولهم منشدًا:

يا أخوتي إن العجوز الناصحة *** قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحة *** فباكروا الحرب الضروس الكالحة

و تقدم و قاتل حتى استشهد.

فأنشد ثانيهم قائلًا: 

إن العجوز ذات حزم وجلد *** والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد *** نصيحة منها وبرًا بالولد

فباكروا لحرب حماة في العدد *** أما الفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد *** في جنة الفردوس والعيش الرغد

 ثم شد على الأعداء فقاتلهم حتى استشهد.

فتقدم ثالث أولاد الخنساء يقاتل مستبسلًا وهو يرتجز:

والله لا نعصي العجوز حرفًا *** قد أمرتنا حدبًا وعطفًا
نصحًا وبرًا صادقًا ولطفًا *** فبادروا الحرب الضروس زحفًا
حتى تلفوا آل كسرى لفا *** أوتكشفوهم عن حماكم كشفًا

ثم قاتل حتى استشهد في سبيل الله.

فتقدم رابع الأبناء من الأعداء وهو ينشد:

لست للخنساء ولا للأخرم *** ولا لعمروا ذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم *** ماضٍ على الهول خضم خضرم
إما الفوز عاجل ومغنم *** أو لوفاة في سبيل الاكرم

ثم اخترق صفوف الأعداء يقاتل في سبيل الله حتى استشهد .

في ذلك اليوم الذي استشهد فيه أولاد الخنساء الأربعة تم النصر للمسلمين بعد قتال دام أربعة أيام، وقتل رستم قائد الفرس وفر جنود العدو لا يلوون على شيء.

بلغ الخنساء خبر استشهاد أولادها الأربعة مرفقًا بخبر النصر على الأعداء، فماذا كان موقفها يا ترى؟ هل بكت كما بكت أخوالهم قبل الإسلام؟ هل نعتهم ورثتهم أسفًا وحزنًا وألمًا كما رثت أخويها من قبل؟

إن من يمعن النظر في موقف الخنساء من استشهاد أولادها الأربعة في يوم واحد وموقفها قبل الإسلام في مقتل أخويها لا يصدق أنها نفس المرأة، نفسها الخنساء التي بقيت زمنًا طويلًا ترثي وتبكي أخويها، رفعت يديها إلى السماء عندما بلغها نبأ استشهاد أولادها الأربعة في القادسية لتقول بلسانٍ واثقٍ وقلبٍ مطمئن: الحمدلله الذي شرفني باستشهادهم وإني لأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

الله الله يا خنساء إنه الإيمان يا إخوتي يصنع المعجزات، الإيمان والرضا والاستسلام لقضاء الله كالكيمياء يغير طبائع الأشياء، رحم الله الخنساء، ورحم أولادها الأربعة، ورحم عمر أمير المؤمنين الذي بادر صبر العجوز واستبسالها بالدفاع عن دين الله بالشكر والامتنان، فأجرى لها أرزاق أولادها الأربعة حتى قُبض رحمه الله.

موقف الخنساء من استشهاد أولادها يذكرني بموقف امرأة فلسطينية تدعى أم نضال فرحات، رأيتها للمرة الأولى في التلفاز منذ سبع سنوات تقريبًا، ورأيتها للمرة الثانية شخصيًا أثناء زيارة لها إلى سوريا، في كلا المرتين كنت معجبةً بها ومدهوشةً، ولو كان الانحناء يجوز لغير الله لانحنيت لتلك المرأة إجلالًا واحترامًا وإكبارًا.

هي أم لا كالأمهات، أم تصنع الأبطال، أم تذكرنا بالخنساء وبصحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله على هاتيك الصحابيات وعلى من يقتدي بهن إلى يوم القيامة، لم تكتف أم نضال بإيوائها المجاهدين المناضلين في منزلها بل قدمت أولادها أيضًا للاستشهاد في سبيل الله  ليستردوا الأرض ويحموا العرض، في صورةٍ تشبه الخيال، كانت أم نضال تروي كيف تزاحم ولداها الأصغر والأكبر على الفوز بشرف البطولة والفداء، قد تدهشون كما دهشت أنا عندما تعلمون أن اختيار المتطوعين يتم بناءً على عملية قرعة لكثرة المتهافتين على طلب الشهادة في سبيل الله.

تقول أم نضال: رست القرعة على ابني الأصغر، عندما عاد هو وأخوه إلى المنزل ونظرت في وجه ابني الأكبر علمت من دموع عينيه أنه لم يحظ بالشرف العظيم، دخل غرفته وأغلقها بمفتاح، سمعت صوته وهو يبكي وأنا خارج الغرفة، رجوته أن يفتح لي فلم يفعل، في اليوم الثاني أصبح مريضًا من كثرة حزنه وبكاءه، عندما رأى ابني الأصغر ما ألم بأخيه آثره على نفسه، نعم آثره، أعطاه دوره في الشهادة، فعادت إليه ضحكته واسترد عافيته، عندما ودعته إلى الباب، قبل يدي وهو يقول: ادعيلي يما، موعدنا بالجنة يما، فتقول أم نضال: أنا أمك كأي أم أحب أولادي أكثر من نفسي ولكني أحب وطني وديني أكثر منهم، وأنا أرجو الله تعالى أن يجمعني بهم في مستقر رحمته في جنة عرضها كعرض السموات والأرض.

عندما سمعت أم نضال نعي ولدها، دمعت عيناها، فهي أم أولًا وبشرٌ ثانيًا، لكنها مع ذلك زغردت زغرودة الفرح بالجنة وزغرودة الأمل بالنصر وزغرودة البشرى باسترداد الأقصى الأسير وزغرودة رابعة وخامسة وسادسة، دموع وزغاريد كذا يُزف الشهداء في فلسطين وهكذا انزفت الخنساء وصحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم، أولادهن وأزواجهن وأحبابهن عندما استشهدوا في سبيل الله تعالى.

في كل زمان ومكان يجد الله تعالى على هذه الأمة الودود الولود بخنساوات يبذلن الغالي والرخيص في سبيل نصرة الحق والعدل والإيمان.

رحم الله الخنساء رحمة واسعة ونفعنا بذكراها وذكرى كل الصالحين والصالحات.

 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 25
  • 5
  • 104,500
المقال السابق
[25] أم سليم بنت ملحان
المقال التالي
[27] أم حرام بنت ملحان

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً