نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

[18] أم كلثوم بنت علي

منذ 2015-10-28

 نتحدث اليوم عن صحابية شابة، تزوجت كهلًا من الصحابة ولكن ليس أي كهل، ستسألون من هي تلك الصحابية ومن هو هذا الكهل، وسأقول رويدكم وصبركم علي، فسأبدأ الحديث عنهما بقصة واقعية حدثت في يوم من أيام حياتهما الزوجية ومن خلال القصة ستعرفون من هما هذان الزوجان.

بدأت القصة حين كان الزوج يجوب مشارف المدينة المنورة، فسمع صوت امرأتانّ، فتقدم من مصدر الصوت فإذا به يرى بيتًا من الشعر في خيمة، استغرب الصحابي أن يضرب أحد من الناس بيته في هذا المكان الموحش المقفر الخالي من الجوار، لم لا يشد رحاله إلى المدينة المنورة التي لا تبعد سوى بضعة أميال، رأى على باب البيت رجلًا  يرعى المكان جيئة و ذهابًا بخطوات مطربة وهو يفرك يديه ببعضهما، وقد علا وجهه الهم والحزن والغم، كان صوت أنين المرأة صادرًا من داخل الخيمة، وكان يعلو تارة ويخمد أخرى، اقترب الصحابي من الرجل وسأله: "من أنت؟"، فقال: "أنا رجل من البادية جئت أمير المؤمنين أسأله من فضله"، "وما هذا الصوت الذي أسمعه من داخل البيت يا أخا العرب؟"، امتعض الرجل من هذا السؤال الفضولي وقال للصحابي: "انطلق لحاجتك يرحمك الله"، ولكن ذلك الصحابي كرر السؤال ولم يبال بما قد يواجهه من غضب صاحب البيت وما قد يتهم به من الفضولية، أجاب الرجل على مضض: "هي زوجتي، قد دب فيها الطلق ولست أدري ما أفعل"، سأله الصحابي: "هل عندها أحد؟" أجابه: "لا، ليس عندها أحد".

استأذن الصحابي الرجل وهرول نحو بيته، ونادى زوجته على عجل وهو يقول لها: "هل لك في أجر ساقه الله إليك؟"، سألته: "وماهو؟" قال: "امرأة غريبة تضع وليدها وليس عندها أحد"، أجابته بلهفة: "نعم، نعم إن شئت"، لملمت الصبية الفتية بعض الأغراض التي تصلح لولادة المرأة، بينما حمل الرجل معه قدرًا وحبوبًا وقليلًا من الشحم، ثم أسرعا يحثان الخطا إلى ذلك البيت على مشارف المدينة، عندما اقتربا من البيت كان أنين المرأة يئن في الأفق، أسرعت الصحابية إلى الداخل بينما بقي زوجها مع الرجل صاحب البيت ينتظران في الخارج.

بدأ الصحابي يجمع بعض الأعواد المبثوثة حول البيت وهو يقول لصاحب البيت: "تعال يا رجل فأعني حتى نوقد النار"، وماهي إلا دقائق حتى أشعل الصحابي النار، ثم وضع فوقها القدر المملوءة بالحبوب والماء والشحم، لحظات صامتة حرجة مضت ومضى معها صوت المولود وهو يستهل صارخًا، أعقبه صوت الصحابية الشابة وهي تقول: "يا أميرالمؤمنين بشر صاحبك بغلام"، ذهل الرجل عندما سمع ما قالته المرأة، أمير المؤمنين؟ أيعقل أن يكون الكهل الذي أمامه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، بدأ العرق يتصبب من جبينه، فانتبه أمير المؤمنين عمر لذلك، وأحب أن يكسر قلقه وخجله، فقال: "مكانك كما أنت"، لم يفهم الرجل مراد أمير المؤمنين، حتى رآه يحمل القدر من فوق النار ويضعه أمام الباب وهو ينادي: "يا أم كلثوم"، هرعت أم كلثوم وهي تقول: "لبيك يا أمير المؤمنين"، فقال لها: "خذي فأشبعي المرأة من الطعام"، فعلت أم كلثوم ما طلبه منها زوجها، ولما شبعت المرأة أخرجت أم كلثوم القدر ووضعته أمام الباب، قام أمير المؤمنين، ووضعه بين يدي الرجل وهو يقول: "كل يا رجل كل، فقد سهرت من الليل حتى أنهكت"، اغرورقت عيناه بالدموع وهو يشكر أمير المؤمنين على معروفه، وعقله لا يصدق أن من أمامه هو أمير المؤمنين، وأن من بالداخل هي زوجته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ابنة فاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين، لم ينس أمير المؤمنين وهو يودع الرجل أن يقول له: "إذا كان الغد فأتنا نأمر لك بما يصلحك".

ما رأيكم بهذه القصة؟ ليس غريبًا أن تكون أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء أهلًا لكل خير وعونًا لزوجها على كل خير، ربما لا يعرف كثير من الناس أن أم كلثوم كانت زوجة لعمر بن الخطاب، ربما يندهش بعضهم ويقول متسائلًا، كيف يزوج علي بن أبي طالب ابنته لعمر بن الخطاب رغم الخلاف المعروف الذي بينهما، أقول أرجو أن يكون في حديثي اليوم عن هذا الزواج المبارك ما يميط اللثام ويكشف الغطاء عن كثير من القضايا الغامضة والملتبسة عند كثير من المسلمين.

بالمناسبة أريد أن أذكر أن ما سأذكره هو موجود وموثق في كتب السيرة والحديث والتاريخ، منذ البداية كيف تم هذا الزواج؟

دخل عمر بن الخطاب يومًا على علي بن أبي طالب وسأله أن يزوجه ابنته أم كلثوم، فقال له: "أنكحنيها يا علي، فو الله ما من الناس أحد يرصد من كرامتها ما أرصده وأنتظره"، لمس علي في عمر بن الخطاب رغبته الصادقة في الزواج من ابنته فقال له: "سوف أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوجتها لك"، هذا ما قاله علي لعمر رضي الله عنهما، فكيف بعثها؟ أعطاها بردًا أي قطعة من قماش وقال لها: "اذهبي إلى أمير المؤمنين عمر وقولي له هذا هو البرد الذي أرسله إليك والدي"، فلما قالت أم كلثوم ذلك لعمر قال: "قد رضيت به"، رجعت أم كلثوم إلى بيت والدها مندهشة، فقد رضي عمر بالبرد دون أن يمسه أوينشره، لم تدر أن البرد كان مجرد طرفة حكيمة ذكية، الغرض منها أن يراها أمير المؤمنين وتراه عن قرب قبل أن يتزوجا، إذن رضي عمر ورضي علي ورضيت أم كلثوم وتم الزواج المبارك.

لا تسل عن فرحة عمر بهذا الزواج فقد خرج على أصحابه وهو يقول هنئوني هنئوني زفوني، فتعجب أصحابه من فرحه، فقد عهدوا أن يروا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مهمومًا لأمر رعيته، زال ذلك التعجب عندما علموا السبب، فقد باح لهم به فقال: "لقد تزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا سببي وصهري»" (السلساة الصحيحة [5/59]).

فقد جمعت إلي السبب فأردت أن أجمع إليه الصهر، قد نتساءل هنا كيف أمضت أم كلثوم حياتها في بيت أمير المؤمنين عمر وكيف كانت العلاقة بينهما، تغفل كتب التاريخ والتراجم الصغير التفاصيل الصغيرة التي كعادتها دائمًا تقتصر على ذكر الحالات الكبيرة، لكننا نستطيع أن نعرف كثيرًا من التفاصيل الصغيرة من خلال معرفتنا للأحداث الكبيرة المذكورة، وعمر رضي الله عنه كان شديدًا قويًا وهو الذي كان يقال عنه: إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع.

وكان رضي الله عنه ميالًا للأخذ بعزائم الأمور، وعندما هداه الله سبحانه وتعالى للإسلام هذب صفاته هذه، وجعلها ميزة له ومفخرة لأي ذكر، فقد جند قوته وشدته لإحقاق الحق والعدل، أما مع الضعفاء والمساكين فقد كان لينًا حليمًا، والحقيقة أنه اجتمع في عمر من الصفات ما لا يجتمع في غيره، اللين والشدة، الحلم والثورة، الغضب والرحمة، كلها اجتمعت في شخصيته ولكن كان لكل منها دوره في الذي لا يحيد عنه ووقته الذي يظهر فيه، يروى عنه أنه كان شديد المحاسبة لنفسه وأهله وكان إذا نهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله وقال لهم: "إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا وإن هبتم هابوا وإني والله لا أوت بأحد منكم أتى بما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني فمن شاء منكم أن يتقدم ومن شاء منكم أن يتأخر".

وعندما قبلت أم كلثوم بعمر زوجًا بالتأكيد كانت تعلم فيه كل هذه الصفات، لكنها كانت تراها مزايا عظيمة، لا غرابة في هذا، فهي ابنة علي بن أبي طالب، تربت في كنفه على نفس الطبائع ونفس العقلية، لذا لم تضق يومًا باستشعاره العظيم والدقيق والمرهف للمسؤولية، لم تنكر عليه خروجه في كل يوم لأزقة المدينة يتفقد أحوال رعيته، بل كانت كما رأيناها في القصة التي سمعناها عونًا لعمر في كثير من الأحيان.

يخطر ببالي أن أتلمس مشاعر هذه السيدة العظيمة أم كلثوم حين حدثت المجاعة في جزيرة العرب، بسبب جدب وقحط أصاب الناس فاشتد الجوع على الناس وماتت المواشي، حتى سمي ذلك العام بعام الرمادة، لأن الريح كانت تسفي ترابًا كالرماد، في ذلك العام جيء لعمر بن الخطاب بخبز مفتوت بسمن، فكان عنده رجل بدوي فدعاه ليأكل معه، فجعل الرجل يتبع في اللقمة الدسم من وجه الصفحة فقال له عمر مداعبًا: "كأنك تحب السمن والدسم"، فأجاب الرجل: "نعم يا أمير المؤمنين فوالله ما أكلت سمنًا ولا زيتًا منذ كذا وكذا إلى اليوم"، أتدرون كيف كانت ردة فعل أمير المؤمنين عمر، لقد حلف ألا يذوق لحمًا ولا سمنًا حتى تنتهي المجاعة ويحيى الناس، وعندما عاتبه أحد المقربين في ذلك اليمين قال له: "كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم"، ووفى أمير المؤمنين بيمينه ذلك، واكتفى بالزيت وظل عامًا كاملًا حتى تغير لونه إلى السواد وقد كان أبيض اللون.

ترى كيف كان موقف الزوجة الفتية أم كلثوم من هذا كله؟، كتب التراجم لا تذكر لنا إلا القليل من مواقفها، ولكن لدي شعور قوي بأنها كانت تنظر إليه وهو يفعل هذا بإكبار وشفقة ومحبة وتعظيم.

عندما أسرد عليكم الحادثة التالية سوف تشاركونني نفس الشعور:
يروى أن ملك الروم كاتب أمير المؤمنين عمر وتقرب إليه ببعض الهدايا، فلما قدم البريد من ملك الروم إلى عمر أرادت الزوجة الصالحة أم كلثوم أن تشارك زوجها شيئًا من مسؤوليات الخلافة و مهماتها، فأرسلت مع البريد إلى زوجة الملك قوارير من طيب، فلما وصلت هديتها إلى زوجة ملك الروم أرسلت بدورها عقدًا فاخرًا، عندما وصل العقد إلى يد أم كلثوم نظرت إليه بدهشة، وأدركت من فورها أن ذلك سيسوء زوجها، الذي يأبى على نفسه أن ينتفع من صلاته بالخلافة وعوائدها بشيء، ومع ذلك لم تخف ذلك عن زوجها، متأولة أنه من حقها وأن تشدده على نفسه لا ينبغي أن يطال أسرته، بل كانت له نعم الزوجة الصالحة المعينة على الخير، صدق حدسها فما إن سردت على زوجها ما حدث حتى طلب منها أن تعطيه العقد، ففعلت عن طيب خاطر منها، فباعه وعوضها بمقدار ما أنفقت من ثمن الطيب ثم دفع الباقي إلى بيت مال المسلمين.

لعل أم كلثوم تذكرت آنذاك حادثة شبيهة بتلك، جرت مع ابن زوجها عبد الله بن عمر، حين اشترى عبد الله إبلًا هزيلة وأرسلها إلى الحمى حيث يرعى المسلمون أنعامهم، فما مضى وقت قليل إلا وسمنت هذه الإبل، فلما دخل عمر السوق لفت نظره تلك الإبل السمينة، فسأل لمن هي، فقالوا لعبد الله بن عمر، فتغير لونه واستدعى ابنه على الفور، فلما قدم سأله غاضبًا: "ما هذه الإبل يا عبد الله؟"، لم يدرك عبد الله سر غضب والده فأجابه متلطفًا: "إبل هزيلة يا والدي اشتريتها، وبعثت بها إلى الحمى ابتغي بها ما يبتغي المسلمون"، قطب عمر جبينه وقال بحدة، ويقول المسلمون: "ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله خذ رأس مالك واجعل الربح في بيت مال المسلمين"، عندما تذكرت أم كلثوم هذه الحادثة وربطتها بحادثة العقد جرت دمعة على وجهها وهي تتمتم في سرها، كان الله في عونك يا أمير المؤمنين وجعلني سندًا لك فيما حملته من أمانة الخلافة ومسؤولياتها.

قبل أن نكمل الحديث عن الحياة الزوجية لهذين الزوجين لا بد لنا أن نتوقف هنا لنقف عند هذا الاستفسار الذي ذكرناه في بداية حلقتنا على لسان البعض الذين يتساءلون، كيف يزوج علي بن أبي طالب ابنته من عمر رغم الخلاف الذي بينهما، أقول يحلو للكثيرين أن يشوهوا التاريخ الإسلامي بقصد أو بغير قصد، فيسلط الضوء على بعض الخلافات البسيطة، والجانبية التي كانت تحدث بين أكبر شخصيتين في صدر الإسلام عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ويحاولون تعميم هذا الخلاف وتوسيعه وتجذيره بحيث يبرز بصورة الخلاف العدائي والهجومي والاستبدادي.

أقول قد يكون بين عمر وأبي بكر وعلي رضي الله عنهم شيء من الخلاف السطحي والشكلي، مرد هذا الخلاف إلى أن عليًا كان يرى نفسه أحق بالخلافة منهما، ولكن هذا الخلاف ما لبث أن زال منذ أن بايع علي أبا بكر الصديق رضي  الله عنه ومن بعده عمر، لسببين:
الأول منهما: محاولة علي جمع كلمة المسلمين على رأي واحد، والثاني وهو الأهم أن عليًا كان يرى أبا بكر وعمر أهلًا للخلافة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

مجريات الأحداث التي يذكرها التاريخ بأدلة قاطعة تؤكد ما نذكره،  ولكن لسبب أو لآخر يحاول البعض إزالة الستار عن هذه الأحداث الناصعة، ذكر السيد محمد حسن طبطبائي في كتاب حل الاختلاف بين السنة والشيعة أن علي رضي الله عنه كان يذكر خليفتي المسلمين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بالثناء والمدح والتبجيل، من هذا قوله فيهما: "لعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، وإن المصاب فيهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما خير الجزاء"، ورد في نهج البلاغة أن عليًا رضي الله عنه صعد المنبر، ونهج البلاغة هو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، صعد المنبر فقال عن عمر بن الخطاب، "لله بلاء فلان فقد قوم الأود -والأود هو العوج- وداوى العمد -والعمد هو المرض- أقام السنة و خلف الفتنة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه".

ورد أيضًا في نهج البلاغة أن أمير المؤمنين عمر عزم على غزو الروم بنفسه، عزم على المسير إليهم فاستشار عليًا رضي الله عنه بذلك، فكان رأي علي ألا يسير إليهم بنفسه، لأن نكبة الأمة في استشهاده فيما لو استشهد ستكون عظيمة، ونصحه أن يسير إليهم رجلٌ مجربٌ من المسلمين، فإن أظهره الله كان ما يحبه المسلمون، وإن هزم المسلمون لم يفجعوا بخليفتهم الذي هو عون لهم ومثابة لهم، ماذا يعني هذا أيها الأخوة؟ أين الكراهية وأين الخلاف والنزاع والشقاق، أنا لا أرى بين هذين الرجلين العظيمين إلا الحب والتناصح والتفاني في النصيحة والإخلاص المتبادل.

إذن مخطئ كل من يزعم وجود عداوة بين هذين الرجلين الكبيرين، مغرض كل من يصر على هذا الزعم الذي تكذبه حقائق التاريخ، فقد كان عمر يحب عليًا وأولاده من كل قلبه، نرى هذا واضحًا في حرصه على مصاهرته بالزواج من أم كلثوم وفرحه بهذا الزواج وهو يقول: هنئوني هنئوني فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا سببي وصهري»".

أين نحن من قول عمر رضي الله عنه: "معضلة ولا أبو الحسن لها"، أتعلمون ماذا يعني هذا؟ فقد كان علي مستشار لعمر أثناء خلافته يستشيره في الأمور الصغيرة والكبيرة، وكان قاضيًا من القضاة الذين نصبهم عمر للقضاء، وإذا ما أعضلت على عمر مسألة فقهية يقول: "معضلة ولا أبو الحسن لها"، أي معضلة ولا غير أبو الحسن يحل هذه المعضلة ويوجد لها الحلول، كان عمر رضي الله عنه يحب الحسن والحسين رضي الله عنهما ويجلهما فهما من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم أحب الله من أحبهما.

يروى في هذا أن حللًا من اليمن أتته فوزعها على من حضر من الناس، فلما انتهى من التوزيع لمح الحسن والحسين قادمين فبدى الأسف على وجههه، أتعلمون لماذا؟ لأنهما لم يبق لهما من تلك الحلل شيء، فكتب إلى واليه على اليمن أن ابعث بحلتين للحسن والحسين وعجل بهما، فأرسل إليه حلتين جميلتين فكساهما، يروي الحسين رضي الله عنه القصة التالية فيقول: قال لي أمير المؤمنين عمر ذات يوم: "يا بني لو أنك تأتينا وتغشانا فإنا نرحب بك"، فجاء الحسين يومًا إلى عمر وعنده معاوية بن أبي سفيان لعمل يهم المسلمين، وعبد الله بن عمر واقف بالباب لم يؤذن له بالدخول، فرأى ذلك الحسين فعلم أن الوقت غير مناسب للزيارة فرجع، فلقيه عمر بعد أيام قليلة، فعاود دعوته لزيارته قائلًا: "يا بني لم أرك أتيتنا"، فقال له الحسين: "جئت إليك يا أمير المؤمنين لكنك كنت مشغولًا بأمور المسلمين، وكان عندك معاوية بن أبي سفيان، فرأيت ابنك عبد الله رجع فرجعت معه"، نظر إليه عمر بحب عظيم وقال وهو يضع يده على رأسه: "أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر، إنما أنت من رؤوسنا ما ترى، الله الله ثم أنتم آل البيت".

إخوتي، هل يمكن بعد كل هذا أن نصدق أن بين هذين الصحابيين الجليلين خصامًا حقيقيًا وخلافًا جذريًا، هل يمكن لنا بعد ذلك ألا نحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بما فيهم نساؤه وبناته وأصهاره وأولادهم، نعم فحب آل البيت المؤمنين الأطهار هو حب للنبي صلى الله عليه وسلم، وعمل بوصيته عليه الصلاة والسلام، فقد روي أنه قال: «أحبوا آل بيتي لحبي» (حلية الأولياء [3/245])، وأيضا قال لأصحابه مرة في إحدى خطبه: «أذكركم الله في اهل بيتي، أذكركم الله في اهل بيتي» (صحيح الجامع [1351]).

يحكى عن الشافعي أنه كان يحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم حتى اتهم بالتشيع، فأنشد يقول:

     يا آل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله 
    يكفيكم من عظيم الذكر أنكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له

نعود هنا إلى أم كلثوم رضي الله عنها لنراها في بيت أمير المؤمنين عمر، وكان يحبها ويجلها لأنها من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذين تجذرت فيهم وتجسدت أخلاق النبوة وصفاتها، وفي بيت عمر بن الخطاب عاشت أم كلثوم زمنًا أنجبت فيه ولدين، زيد بن عمر بن الخطاب ورقية بنت الخطاب، ولما استشهد أمير المؤمنين عمر إثر طعنة قاتلة من خنجر مسموم لأبي لؤلؤة المجوسي الحاقد على الإسلام وأهله، بكت الزوجة المخلصة زوجها وحزنت عليه، لم تكن هي وأسرته وحدهم من حزن عليه، فقد فجع المسلمون بموته وبكوا لفراق خليفتهم العادل التقي الورع، والزاهد الأواب والتواب، وتقدم منه قبل أن يدفن علي بن أبي طالب وقال بصوت تخنقه العبرة: "ما خلفت أحدًا أحب أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله وإن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، كثيرًا ما كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر".

نتساءل هنا ماذا حل بأم كلثوم بعد وفاة زوجها وهي ما تزال شابة في ريعان الصبا، تروي كتب التراجم أن أباها عليًا فاتحها في موضوع الزواج، فنصحها أخواها الحسن والحسين بأن لا يجعلا أمرها بيده، خشية عليها من أن تكون لرجل بعد عمر، ومن هو عمر؟ في العدل والصلاح والتقى.

بوفاة السيدة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها ينتهي حديثنا، أهم ما جاء في سيرتها أنها كانت جسرًا غاليًا ربط بين قطبين هامين من أقطاب الإسلام، فعبرها تجسدت محبة عمر بن الخطاب لعلي حين طلب ابنته ورغب في مصاهرته، وتجسدت محبة علي لعمر حين زوجه ابنته ورحب بهذه المصاهرة، فلو لم يكن في حياة أم كلثوم غير هذه الحادثة الهامة لكفتنا، فما بالكم بما في حياتها من الصلاح والفلاح والتقوى والخير العميم.

رحمة الله عليكم آل بيت النبوة، ذرية بعضها من بعض، رزقنا الله حسن الاقتداء بجدكم عليه الصلاة والسلام وجمعنا به وبكم في الدار الآخرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

لينا الحمصي.

  • 2
  • 0
  • 696
المقال التالي
[19] أسماء بنت أبي بكر
المقال السابق
[17] فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم 2
i