صحابيات - [20] صفية بنت عبد المطلب

منذ 2015-10-29

صحابيةٍ عُرفت بجرأتها وشجاعتها وقوة شخصيتها، صحابية يربطها بالنبي صلى الله عليه وسلم نسبٌ قوي فهي عمته، وقد آمنت به منذ بدايات جهره بالدعوة الإسلامية، والدها عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، ووالدتها هالة بنت وهب أخت السيدة آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، أخوها أسد الإسلام حمزة وابنها الزُبير ابن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأول من سل سيفًا في الإسلام.

سنتحدث اليوم عن صحابيةٍ عُرفت بجرأتها وشجاعتها وقوة شخصيتها، صحابية يربطها بالنبي صلى الله عليه وسلم نسبٌ قوي فهي عمته، وقد آمنت به منذ بدايات جهره بالدعوة الإسلامية، والدها عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، ووالدتها هالة بنت وهب أخت السيدة آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، أخوها أسد الإسلام حمزة وابنها الزُبير ابن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأول من سل سيفًا في الإسلام.

لا تنسى صفية ذلك اليوم الذي جمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم أقربائه بعد أن نزل قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، وكانوا نحو أربعين شخصًا فدعاهم إلى الإسلام، ثم قال لهم: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس ابن عبد الله المطلب لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئًا» (صحيح البخاري [4771])، نعم يا صفية عمة رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئًا.

لا يمكن لصفية أن تصف الفرح الذي غمرها يوم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اسمها، ولكنها رُغم فرحها وافتخارها بذلك ظلت عمرها كله تأخذها رجفة كلما تذكرت قوله: «لا أغني عنك من الله شيئًا»، كلمات قليلة كان لها أثر جذري في تغيير حياة صفية، بدأ ذلك التغيير حين قررت صفية أن تترك دين آبائها وأجدادها وتتبع دين ابن أخيها محمد بن عبد الله، ظلت تلك الكلمات محفورة في ذاكرتها عمرها كله، فكونها عمة للنبي صلى الله عليه وسلم لن يفيدها بشيء إذا لم تتبع سنته وطريقته وتلتزم بتعاليم دينه، وقرابتها للنبي صلى الله عليه وسلم لن تغني عنها يوم القيامة شيئًا.

بعد هذا الموقف تغيب عنا صورة السيدة صفية طيلة العهد المكي، شأنها في ذلك شأن الكثير من الصحابيات المتميزات. قالت لي إحدى صديقاتي: هذا أمر طبيعي فالتاريخ يكتبه الأقوياء، وفي مجتمعاتنا الذكور هم الأقوياء، لذلك لا تتعرض كتب التاريخ للنساء إلا لما رحم ربي، قلت لها: أنا لا أوافق على هذا الرأي، فالتاريخ الإسلامي مكتوب بأيدي أمينة ونزيهة تتحرى الحق والحقيقة، ثم من قال لك إن الذكور هم الأوقياء، إن الأحضان التي رضع منها هؤلاء الأقوياء حليب الشجاعة والحكمة والبطولة هي العرين الذي يخرج دفعة تلو الأخرى من البطلة والأبطال.

إذن تغيب عنا تفاصيل حياة السيدة صفية طيلة العهد المكي، ولكننا نعلم أنها في تلك المرحلة بالتأكيد كانت تربي الزبير تربيةً تؤهله ليكون حواري النبي صلى الله عليه وسلم، وتربي أخاه الشائب ليكون مجاهدًا بطلًا، وقد كان كما أرادت، فشارك في قتل المسليمة الكذاب واستشهد في معركة اليمامة، كما تربي ابنها عبد الرحمن الذي شهد معركة اليرموك واستشهد في سبيل الله.

نعم هي أم هؤلاء الكرام وأم أختهم زينب، ويكفي الأم عظمةً أنها تصنع الأبطال، ذكرني هذا بقصة رمزية تحكي عن ملك؛ أراد أن يشجع هذا الملك الإبداع في مملكته، فرصد تاج مرصعًا بالجواهر لمن يقوم بأفضل عمل في مملكته، فاز في المسابقة رسام وشاعر ونحات، احتار الملك على رأس أي منهم يضع التاج؟ وإذ بامرأة عجوز تشق الصفوف وهي تبتسم، سألها الملك: من أنتِ أيتها العجوز؟ أجابته بثقة ووفخر: أنا والدة الرسام والشاعر والنحات، اقترب الملك منها ووضع التاج على رأسها وهو يقول: أنتِ التي تستحقين التاج أنت صانعة الأبطال.

في العهد المدني نجد لصفية رضي الله عنها بصمات وأي بصمات، في غزوة أحد تلك المعركة التي انتهت بخسارة المسلمين، استشهد أسد الله حمزة بن عبد المطلب أخو صفية وعم النبي صلى الله عليه وسلم ومثّل وحشي بجثته فبقر بطنه وجدع أنفه وأذنيه، فجاءت صفية إلى ميدان المعركة وحملت رمحًا وجعلت تقول للناس موبخة مؤنبة: "انهزمتم عن رسول الله"، ثم تقدمت باتجاه الشهداء تريد رؤية أخيها حمزة وقد سمعت ما صنعه المشركين به من المثلى، يُروى أنها وهي جاءت وهي تحمل في يدها ثوبين لتكفنه، وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدم صفية إلى أُحد، ساءه أن ترى أخاها حمزة بهذا المنظر المريع، لعله خشي عليها من الأثار النفسية التي قد يتركه هذا المظهر في نفسها، فطلب من ابنها الزبير أن يحول دون رؤية أمه لأخيها حمزة، عندها اعترض الزبير طريق أمه قائلًا: "يا أماه إن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي"، أجابته وهي تبتلع حسرتها وألمها مع دموعها: "ولم يا بني؟ قد بلغني أنه قد مُثل بأخي في سبيل الله وما أرضاني بذلك ولأحتسبن وأصبرن إن شاء الله"، الله الله ! يالها من كلماتٍ قوية وياله من إيمانٍ ثابت "وما أرضاني بذلك".

نعم فما دامت تلك مشيئة الله وإرادته كيف لصفية المؤمنة أن لا ترضى، الإيمان والاستسلام لقضاء الله راحةً لنفس المؤمن وعقله وروحه وماذلك إلا لمؤمن حق الإيمان، فترى المؤمن حق الإيمان راضٍ في البلاء والرخاء، قد يقول قائل من البديهي أن نرى المرء يرضى في الرخاء فكيف يرضى في حالة البلاء؟

الجواب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له وليس ذلك إلا لمؤمن» (صحيح مسلم [2999])، حين يتفكر العبد في المصيبة يرضى بقضاء الله ويحمده لأنها لم تكن أكبر من ذلك هذا من ناحية، ولأن النعم التي أعطاه الله تعالى إياها لا تعد ولا تحصى، كثير من الناس لا يطبقون هذا المفهوم بالرضا بالقضاء والقدر، فإذا ما أصيبوا بمصيبة جزعوا ويأسوا وربما قالوا ما لا يرضي الله تعالى.

رثت صفية أخاها بأبيات من الشعر سأورد بعضًا منها لأريكم كيف أنها لا تتنافى مع رضاها بقضاء الله بأخيها حمزة، ولكني قبل ذلك أحب أن أجيب عن تساؤل قد يخطر في بال البعض، هل يتعارض إيمان المسلم بقضاء الله مع حزنه على من يفقده في ذلك من الأحباب؟

كثيرون هم من تخفى عليهم حقيقة الرضا بقضاء الله فيظنون أن الحزن والبكاء والرثاء يتناقض مع مفهوم الصبر وحقيقة الرضا، فيحاولون كبت مشاعرهم وقمع أحزانهم على أحبابهم، رغم أن هذا مما أباحه الله تعالى بل هو مما جعله رحمة للإنسان، لذلك رأينا كيف بكى النبي صلى الله عليه وسلم عندما فقد ولده إبراهيم، فاستغرب الصحابي عبد الرحمن بن عوف وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله أتبكي؟" فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة، وإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»، فالرضا بقضاء الله إذن هو عدم الاعتراض على إرادة الله، والثقة بأن الله يكتب الخير للإنسان في دينه ودنياه وأُخراه أو فيهما معًا وأن لا يتمنى أن ما كان من قضاء الله لم يكن.

إذن رثت صفية أخاها حمزة ماذا قالت فيه، قالت:

أقول وقد أعلى النعي عشيرتي *** جزى الله خيرًا من أخٍ ونصير
دعاه إله الحق ذو العرش دعوةً *** إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نُرجِّي ونرتجي *** لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله لا أنساك ما هبت الصَبا *** بكاء وحزنًا محضري ومسيري
على أسد الله الذي كان مدرها *** يذود عن الإسلام كل كفور

بعد غزوة أحد كانت غزوة الخندق، في غزوة الخندق احتمت السيدة صفية مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبعض نساء الصحابة وأولادهم في حصن يملكه شاعر الإسلام حسان بن ثابت، يقال لهذا الحصن حصن فارع، وقد ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليحفروا الخندق في تلك الأثناء يحفروه حول المدينة، في هذه الفترة حدثت في حصن فارع قصةٌ عجيبة، كان أحد يهود بني قريظة يدور حول الحصن والنظرات الخبيثة تملأ عينيه، هرعت صفية إلى حسان بن ثابت تخبره بذلك وهي تقول: قم ياحسان، قم إلى ذلك اليهودي فوالله إني لا آمنه أنه يدل على عوراتنا، مالذي كانت صفية تخشى أن يعرفه ذلك اليهودي؟

صفية كانت تخشى أن يعرف اليهودي أن الحصن ليس فيه إلا النساء والأطفال فيذهب بتلك الأخبار إلى يهود بني قريظة، ويهود بني قريظة في غزوة الخندق نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وناصروا أعدائه عليه، خافت أن يهجموا على الحصن فيقتلوا النساء والأطفال أو يسبوهم إذا ماعلموا أن ليس هناك من يحمي النساء والأطفال في الحصن، قلنا، لم يكن مع النساء المختبئين في الحصن سوى حسان بن ثابت ولكن! لماذا لم يبقي النبي صلى الله عليه وسلم مع النساء من يحميهم من كيد المعتدين، هل كان حسان قادرًا على حمايتهم وحده؟

في الواقع كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى جهود جميع الرجال لرد كيد الأحزاب عن المدينة، فاصطحبهم معه جميعًا وترك النساء والذراري في أمان الله ورعايته، أما حسان بن ثابت صاحب الحصن الذي التجأ إليه بعض النساء والأطفال فله قصة أخرى، ندركها حين ندرك قصة صفية مع ذلك اليهودي الذي أراد التجسس على الحصن، أتعرفون ماذا أجاب حسان صفية عندما طلبت منه أن ينزل إلى اليهودي فيقتله؟ قال لها: "يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفتي ما أنا بالذي يقدر على هذا"، نظرت صفية في عينيه فأدركت صدق ما يقول، لنا هنا أن نتسائل ماذا فعلت صفية إذن؟ حملت عمودًا ثم نزلت متسللةً وأتت عدوها من خلفه وضربته على رأسه بالعمود عدة ضربات حتى قتلته، عندما رجعت إلى الحصن كان حسان بن ثابت ينتظر عودتها سالمةً بفارغ الصبر ولربما كان يرفع يديه داعيًا: "اللهم احمِ صفية واعدها إلينا سالمة غانمة"، بادرته صفية بقولها: "انزل يا حسان فخذ سلبه، السلب هو ما مع الشخص من سيف وأمتعة، فإنه والله لا يمنعني من ذلك إلا أنه رجل وأنا امرأة".

أجابها حسان: "يرحمك الله يا عمة رسول الله والله ما لي من سلبه من حاجة"، طبعًا ليس من المألوف أن يخاف الرجال ولكنه موقفٌ مشرفٌ وعظيم أن تكون المرأة أشجع من الرجال، لعلنا أدركنا الآن لماذا لم يصطحب معه النبي صلى الله عليه وسلم معه حسان إلى غزوة الأحزاب وأبقاه مع النساء راعيًا وحارسًا، صلى الله عليك يا معلم الناس الخير.

عندما نتأمل في هذه الحادثة ندرك كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يستثمر مواهب أصحابه وقدراتهم كلٌ في مجاله، كان يختار الرجل المناسب للمكان المناسب، كان يعرف الشجعان فيسند إليهم الأعمال التي تتطلب الشجاعة والإقدام كإعطائه السيف أبي دجانة يوم أحد، كان يعرف من يصلح للقيادة فيعطهم القيادة كالعبيدة ابن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وجعفر وعلي بن أبي طالب، كان يعرف من يصلح للإمارة كأبي عبيدة ومعاذ بن جبل، وكان أيضًا يعرف من لا يصلح للإمارة رغم تقواه ورغم ورعه، ولهذا لما طلب منه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه أن يوليه إمارةً. قال له: «يا أبا ذر إنها أمانة وإنك لرجلٌ ضعيف» (غاية المرام [174])، ضعف أبي ذر هنا لم يكن من ناحية الدين والتقوى، بل من ناحية ما تحتاجه الإمارة كمواصفات سياسية وقيادية خاصة، لذلك فإن رجلًا كأبي ذر يصلح كداعية إلى سبيل الله ولكنه لا يصلح للإمارة، هذا يدلنا على أهمية العمل كفريق لا كأفراد، أفراد الفريق يكمل يعضهم بعضًا واحدٌ بشجاعته والآخر بعلمه والثالث بأمواله والرابع برأيه والخامس بعقله وذكائه.

عندما ننظرإلى النحل نراهم يعملون بطاقات الفريق لا بطاقات الأفراد، طائفةٌ تبني البيوت، طائفةٌ تنظفها، طائفةٌ تحرسها وتحميها، طائفةً تدل على مواضع الأزهار، وطائفةٌ تمتص الرحيق وتؤتي به وتخرج العسل اللذيذ وللخلية ملكة واحدة، شعارهم المرفوع لا قيمة لحياة عندما تتعرض سلامة الجماعة للخطر، مشلكتنا اليوم أننا لا نعرف من أين تؤكل الكتف، لا يُحسن أغلب قادتنا ومربينا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وعلى الشكل المناسب، لا يعرفون كيف يستثمرون اختلاف العقول و القدرات والمواهب في صناعة الفريق الواحد الذي يكمل بعضه بعضًا، نعاني من مصطلح فلان لا يصلح لشيء، فلان عنده خللٌ في كذا، والحقيقة أن كل شخص لديه نقاط ضعف ونقاط قوة وعلينا أن نكتشف نقاط القوة ونستثمرها لصالحنا أي لصالح المسلمين وفائدتهم، كيف استثمر النبي صلى الله عليه وسلم نقاط القوة عند حسان ابن ثابت. 

أقول بصراحة أجمع رواة السيرة والمؤرخون على أن حسان لم يكن رجل حرب وقتال وهذه نقطة ضعف عنده، ولكنه في الوقت ذاته كان يملك نقاط قوة يمكن تنميتها واستثمارها، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فهو لم يشعر حسانًا أنه جبان أوضعيف، بل استفاد من نقاط قوته، فقد كان حسان شاعرًا بليغًا فصيح اللسان وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينصب له منبرًا في المسجد ليهجو الذين كانوا يهجونه ويهاجمون الإسلام، كثيرًا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن حسان: «إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله» (معجم الشيوخ [1/528])، أما الأمر الآخر الذي أحب أن أعقب عليه في حادثة صفية واليهودي، فهي الشجاعة التي كانت تمتلكها تلك المرأة والتي فاقت بها كثيرًا من الرجال، يحاول الكثير من الرجال تنقيص المرأة والإقلال من شأن المرأة، يدعون أنها أقل عقلًا من الرجال، وربما استند بعضهم إلى وصف النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بأنهن ناقصات عقل ودين ليدعم به قوله.

يؤكد العلم اليوم أن المرأة ليست أقل عقلًا من الرجل، ولكنها مختلفةٌ عنه في أسلوب إدراكها للأمور في طريقة تحليلها لها، أثبتت الدراسات الحديثة أن الاختلافات بين الجنسين ليست مقتصرة على الصفات الجسدية بل تمتد لتشمل كثيرًا من الخصائص الفكرية والسلوكية، يتضح ذلك في الاستعداد الفطري والبيولوجي لدى الذكور للعب بنوع خاص من الألعاب التركيبية وألعاب الطيارات والسيارات والمسدسات، في حين تهتم الأنثى بالدمى والعرائس وما يتعلق بها من ملابس مزركشة وأدوات تجميل، ألعاب مثلًا على شكل بيوت صغيرة تحوي غرفًا متنوعة جلوس ضيوف طعام نوم هذا ما تهتم به الأنثى وهذا ما يهتم به الذكر.

عند بلوغ السنة الثالثة من العمر تبرع الفتاة أكثر من الفتيان في فهم مشاعر الآخرين، أما في سن السابعة فتتكون لديهن البراعة في قراءة القصص وفهم القصص، وهناك اختلاف طفيف في تركيبة المخ بين الذكر والأنثى، بناءً على هذا يترتب عليه اختلاف في الوظيفة لدى كل منهما، الفص الأيمن من مخ الذكر أصغر من الفص الأيسر، بينما يتماثل الفصان عند المرأة، يعزو العلماء قدرة المرأة على الاستماع والكلام بآنٍ واحد على قدرة استخدام الفصين في وقت واحد، بينما يستخدم الرجل الفص الأيسر من المخ إذا كان يمينيًا والفص الأيمن من المخ إذا كان يسراويًا ، الأمر الذي لا يمكنه من الاستماع والكلام  بآنٍ واحد.

آخر ما وصلت إليه الأبحاث العلمية اليوم أنه لا يوجد فروقٌ في المستوى الكلي للذكاء عند قياسه بمعامل الذكاء بين الذكر والأنثى، ولكن توجد اختلافات في أنماط الذكاء أو ما يسمى بالقدرات الذهنية على معالجة المواضيع المختلفة، خلاصة القول إن الذكور يتفوقون في المهارات التي تتطلب ذهنًا تحليلًا، بينما تتفوق البنات في المهارات اللفظية واللغوية مما يمكن معه القول: إن هناك في كل منهما نقاط ضعفٍ ونقاط قوة، أما حديث ناقصات عقل ودين فهو حديثٌ صحيح ولكن يُساء تفسيره للأسف من قبل الكثيرين الذين يفهمونه فهمًا حرفيًا ويغفلون النظر إلى السياق الذي قيل فيه، كما يهملون أدلة أخرى من القرآن والسنة على المساواة الرجال النساء، دعونا نقول مساواة النساء للرجال.

يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المُصلى في يوم عيد فطر أو أضحى، فمر بالنساء فقال لهن: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» (صحيح ابن حبان [5744])، إذن الحديث قيل على سبيل الامتداح والملاطفة لا على سبيل الانتقاص والاستهزاء، وذلك تعجبًا من أن تكون المرأة قادرة على تطويع أعتى الرجال وأقساهم، تطوعهم بلينها الدافئ وعاطفتها الجياشة، عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نقصان عقل المرأة أجاب: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل» (صحيح البخاري [304])، ومرد ذلك طبعًا إلى قلة الضبط والتثبت لدى المرأة لا إلى قلة ذكائها، لأن العقل في اللغة له معانٍ كثيرة منها التثبت ومنه عقل الناقة أي ثبتها في مكانها، هذا ما توضحه آية الشهادة في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواشَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ} [البقرة:282]، "تضل" في الآية بمعنى تنسى، أي تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.

إذن الحكمة من جعل شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل هو قلة ضبط المرأة للأمور المالية ليس بسبب قلة ذكائها، بل بسبب انصراف اهتمامها عن هذا النوع من قضايا غالبًا، لذا نرى الشرع الحنيف يقبل بشهادة المرأة وحدها فيما لم يطلع عليه إلا النساء غالبًا كالولادة والبكارة والرضاعة، وهذا دليل على أن المرأة لا تقل ذكاءً وقدرةً عن التفكير عن الرجل، وإنما تختلف اهتماماتها عن اهتماماته وينبغي لهذا الاختلاف أن يؤخذ بعين الاعتبار في سن الأحكام والقوانين.

الحقيقة؛ القرآن الكريم يُسقط فوارق الأفضلية بين الذكر والأنثى ويحصر الأفضلية بالتقوى، فيقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، ولذلك يخطئ اليوم من يقول إن الدين يفضل الذكر على الأنثى، ويعلي راية الذكر ويسقط راية الأنثى وأن الأنثى محكومة لإرادة الذكر ليسيطر عليها ويستبد بها، لأنه أعلى شأنًا منها وأكثر ذكاءًا، لهؤلاء يقول النبي صلى الله عليه وسلم:  «النساء شقائق الرجال» (سنن الترمذي [113])، ولهذا نراه أيضًا في مسيرتنا مع عالم الصحابيات يعتز بالأنثى، يكرم الأنثى يفسح لها مجالًا في كل ميادين الحياة الاجتماعية والعليمة والاقتصادية والعسكرية والسياسية.

نعود إلى صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، فنرى النبي صلى الله عليه وسلم يسهم لها في غزوة الأحزاب من الغنائم كما يسهم للمقاتلين، فقد اعتبر دفاعها عن النساء في حصن فارع وقتلها لذلك اليهودي مشاركة عملية في الجهاد، يُروى أنه لما علم النبي صلى الله عليه وسلم لما كان من أمر صفية وحسان واليهودي ضحك حتى بانت نواجذه، نعم كيف لا يضحك وأنثى من صحابته تفوقت على الرجال شجاعةً وإقدامًا.

شهدت صفية بعد ذلك غزوة بني قريظة مع عدد من الصحابيات منهن أم عمارة وأم سعد بن معاذ وسُميراء بنت قيس، كما شهدت غزوة خيبر مع عشرين صحابية رافقن الجيش إلى خيبر منهن أم سلمى زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأم عمارة نسيبة بنت كعب وأم سليم بنت ملحان وأم عطية الأنصارية وسهلة بنت عاصم، سهلة هذه كانت حاملًا خرجت مع الجيش فوضعت وليدها في خيبر.

طبعًا شهود النساء للغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم كان من أجل رعاية أمور الجيش من سقاية وطعام وتمريض، ولكن هذا لا يعني أنهن لم يشاركن فعليًا في الجهاد، بل والحق يقال أنهن في كثير من الأحيان كن يقاتلن الأعداء إذا حمي الوطيس واشتد الجد واحتاج الأمر إلى سندهن ومعونتهن ودعمهن، هذا واضح من فعل الصحابية نسيبة بنت كعب في غزوة أحد والصحابية أم سليم بنت ملحان في غزوة حنين.

جرى خلاف بين العلماء هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسهم للنساء اللواتي يخرجن معه في الجهاد من أجل خدمة الجيش ولو لم يشاركن في قتال؟ أم أنه كان يكتفي بإكرامهن بما تيسر له من الغنائم؟ يرجح البعض أنه كان يُسهم للنساء تمامًا كما يُسهم للمقاتلين من الرجال، في هذا إشارة واضحة إلى أن المرأة تساوي الرجال وأنها لا تقل عنهم شأنًا.

قبل أن نُسدل الستار على سيرة السيدة صفية أحببت أن أنقل لكم أبياتًا بليغة رثت به النبي صلى الله عليه وسلم حين وفاته قالت فيها:

أفاطم صلى الله ربُّ محمد *** على جدث أمسى بيثرب ثاويًا
كأن على قلبي لذكر محمد *** وماخفت من بعد النبي مكاويًا
فدىً لرسول الله أمي وخالتي *** وعمي ونفسي والدُنى وعياليًا

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا *** وكنت بنا بَرًا ولم تك جافيًا
وكنت بنا برا رؤوفا نبينا *** ليبكِ عليك اليوم من كان باكيًا
صدقت وبلغت الرسالة صادقَا *** وخلفت أمر الدين أبلج صافيًا

فلو أن رب العرش أبقى بيننا *** سُعدنا ولكن أمره كان ماضيًا
عليك من الله السلام تحية *** وأُدخلت جنات من العدن راضيًا

الله الله يا صفية! يا لها من أبيات تنبع من قلبٍ محبٍ عاشق ولهان لنبي كريم رؤوف رحيم، لا يكمل إيمان المرء إلا إذا أحبه أكثر من النفس والمال والولد.

في خلافة عمر رضي الله عنه توفيت السيدة صفية عن عمر يناهز 73 عامًا، لك منا السلام! لك منا السلام أيتها الشجاعة الجريئة، لك منا التحية أيتها الشاعرة البليغة، ورضي الله عنك يا عمة الرسول المصطفى.

 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 18
  • 5
  • 45,944
المقال السابق
[19] أسماء بنت أبي بكر
المقال التالي
[21] أسماء بنت عميس

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً