صحابيات - [21] أسماء بنت عميس

منذ 2015-10-29

كانت أسماء بنت عميس وزوجها جعفر بن أبي طالب من السابقين إلى الإسلام منذ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام سرًا، في الحبشة أنجبت أسماء لزوجها جعفر ثلاثة أولاد هم عبدالله بن جعفر وكان أول مولود للمسلمين في الحبشة ثمّ محمّد وعَون، محمد وعون ابنا جعفر بن أبي طالب.

 ضيفتنا اليوم صحابيةٌ جليلة كانت من السابقات إلى الإسلام هاجرت الهجرتين، وصلّت إلى القبلتين، كتب الله تعالى لها أن تتزوج ثلاثةً من المبشّرين بالجنة، لعلّكم تتساءلون من هي تلك الصحابية إنها أسماء بنت عُمَيْس الخثعمية.

سأبدأ الحديث عنها من هذه القصة كانت جالسةً ذات يومٍ مع أم المؤمنين حفصة تتسامران وتتذكران أيام الصبى الجميلة التي قضياها في مكة، ماهو إلا القليل حتى جاء عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فاستأذن ودخل إلى بيت ابنته حفصة وعندها أسماء بنت عميس، هلّل عمر لرؤية أسماء زوجة الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ورحّب بها في يثرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم بعد غياب ثلاثة عشر عامًا في الحبشة، ولكن دقائق الصفاء في تلك الجلسة قليلة جدًا، مالبث بعدها أن شاب الجو شيئًا من العكر والغضب، لقائلٍ أن يقول من غضب ممّن ولماذا؟

إنها أسماء غضبت من عمر لأنه قال لها: "لقد سبقناكم بالهجرة إلى المدينة يا أسماء، فنحن أحقّ برسول الله منكم" لربما أراد عمر من هذا أن يهزّ الورد ليشمّ رائحته، فهو يعرف أن أسماء ذات شخصية قوية لاتخاف في الله لومة لائم فهل غيرتها السنون ياترى؟ لا بل يبدو أن السنين زادتها قوةً وجرأةً وثباتًا وثقةً بالنفس، هذا ما اكتشفه عمر حين هبّت أسماء واقفةً وقالت بحماسة: "لا والله لستم أحقّ برسول الله منّا كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنّا بعيدين في الحبشة وذلك في سبيل الله ورسوله"، صمتت أسماء هنيهة وكأنها تبتلع ريقها وتبتلع معه آلام الغربة والكربة حين كانت في الحبشة ثمّ أردفت قائلة: "وأيْمُ الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ماقلت ياعمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه"، وقد أنصفته والله بقولها: "لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه".

يروي الإمامان البخاري ومسلم أنها شكت للنبي صلى الله عليه وسلم ما عيّرها به عمر فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ليس بأحقّ بي منكم له ولأصحابه هجرةٌ واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» (البخاري [4230])، لم تسعها الدنيا من الفرحة فلها ولأخوانها الذين هاجروا إلى الحبشة ثوابًا يفوق ثواب عمر وأصحابه المهاجرين إلى المدينة، لها ثواب الهجرة إلى الحبشة وثواب الهجرة إلى المدينة المنورة، هرعت أسماء وأخبرت زوجها جعفر وأخوتها في الله تعالى الذين صحبتهم في الحبشة بقول النبي صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.

لم يكن في الدنيا شيءٌ أعظم عندهم مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حقهم لأصحاب السفينة هجرتان، ولكن من هم أصحاب السفينة؟ علينا أن نعود إلى الوراء أربعة عشر عامًا تقريبًا أي السنة الخامسة من البعثة حين صبّت قريش جام غضبها على المسلمين، فنصح النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحدًا، فاستجاب لهذه النصيحة ثمانون صحابيًا وصحابية شدّوا الرحال من مكة المكرمة حتى وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر ليركبوا سفينة صغيرة هزيلة يخوضون بها غمار البحر وأمواجه العاتية ويواجهون المتاعب والأهوال إلى أن وصلوا إلى الحبشة، كم لقي هؤلاء المهاجرون من التعب والنصب وحتى أنهم انقطعت عنهم أخبار أحبابهم وأهاليهم في مكة ولم يعلموا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة، إلى أن أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسالة مع عمر الصحابي عمر بن أمية الضُّمري إلى ملك الحبشة يدعوه فيها إلى الإسلام ويطلب منه أن يرسل إليه من بقي من المسلمين في بلاده.

في هذا الوقت العصيب الذي كانت فيه أسماء وبقية المهاجرين والمهاجرات إلى الحبشة يعانون الأمرّين، كان عمر رضي الله عنه ينعم بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم مع بقية الصحابة الكرام ويستمعون إلى أحاديثه وتعاليمه فهل أولئك كهؤلاء؟ صحيحٌ أن المهاجرين إلى الحبشة وجدوا فيها الأمن والطّمأنينة والحريّة الدينيّة ولكنّ هذا كله لم يكن ليعوّضهم عن لقاء النبي صلى الله عليه وسلّم ولا يروي ظمأهم إلى العلم الذي افتقدوه منذ أن هاجروا، إذن هنيئًا لأسماء بنت عميس ولكل من هاجر إلى الحبشة أن يحظوا بهذا اللقب "أصحاب الهجرتين".

كانت أسماء بنت عميس وزوجها جعفر بن أبي طالب من السابقين إلى الإسلام منذ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام سرًا، في الحبشة أنجبت أسماء لزوجها جعفر ثلاثة أولاد هم عبدالله بن جعفر وكان أول مولود للمسلمين في الحبشة  ثمّ محمّد وعَون، محمد وعون ابنا جعفر بن أبي طالب لم يكن جعفر زوجًا عاديًا أبدًا، فقد كان من أولئك القلّة المميّزين الذين يشار إليهم بالبنان أينما ارتحلوا وحيثما حلّوا، كانت أسماء مسرورة بهذا وكثيرًا ما كانت تفتخر على صويحباتها بأنها زوجة لجعفر بن أبي طالب.

إنه جعفر المهاجر الذي تكلّم أمام النجاشي باسم المسلمين داعيًا إلى الإسلام ولمّا تلى بضع آياتٍ من سورة مريم بكى النجاشي وقال: "والله إنّ هذا والذي جاء به المسيح ليخرجُ من مشكاةٍ واحدة" أي من أصلٍ واحد هو إله السماء، أيضًا لا تنسى أسماء استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها جعفر حين عاد في السنة السابعة للهجرة مع مهاجري الحبشة إلى المدينة المنورة كان ذلك بعد غزوة خيبر فقد عانقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبّله وهو يقول لأصحابه لا أدري بأيّهما أفرح بفتح خيبر أو بقدوم جعفر، كان صلى الله عليه وسلم يحب زوجها جعفر وكثيرًا ماكان يقول لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلُقي» (صحيح البخاري [4251]) لاتنسى أسماء زيارات النبي صلى الله عليه وسلم المتكرّرة إلى بيتهما ومحبته لأولادهما عبد الله وعون ومحمد.

لم تستمتع أسماء وعائلاتها بهناءة الاستقرار في المدينة المنورة سوى سنةٍ ونصف تقريبًا، ففي السنة الثامنة للهجرة قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل ثلاثة آلاف مقاتلٍ من صحابته إلى بلاد الشام ليؤدّب بهم ملك بصرى شُرَحبيل بن عمر الغساني الذي قتل الحارث بن عمير الأسدي الصحابي الذي حمّله النبي صلى الله عليه وسلم رسالةً يدعوه فيها إلى الإسلام فقتله، مع أن الرسول لايُقتل حسب أعراف ذلك الزمان، وملك بصرى هذا كان مواليًا للرومان آنذاك.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم على الجيش ثلاثة أمراء على التوالي فقال: «أمير الناس زيد بن حارثة فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة» (دفاع عن الحديث [29])، وصلت أخبار تحرك هذا الجيش إلى هرقل عظيم الروم فجمع عددًا ضخمًا من المقاتلين وكذلك فعل شرحبيل بن عمر ملك بصرى والتحم القتال بين الجيشين في مؤتة من بلاد الشام فلما قتل زيد بن حارثة أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فأبلى بلاءً حسنًا، يروى أنه نزل عن فرسه فعقرها ثم قاتل الروم وهو يرتجز:

ياحبّذا الجنة واقترابها
طيّبةٌ وباردٌ شرابها
والروم روم قد دنى عذابها
كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها

ظلّ رضي الله عنه يقاتل حتى استشهد في سبيل الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأخذ الراية عبدالله بن رواحة فلما استشهد اتّفق المسلمون على تأمير خالد ابن الوليد فأخذ اللواء وقاتل المشركين حتى ولّوا مدبرين فاكتفى بهذا وانحاز بجيشه عائدًا إلى المدينة.

شاعَ خبر استشهاد الأمراء الثلاثة في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل الجيش المنتصر فكيف حدث هذا؟ لم يكن هناك موبايلات ولا فاكسات ولا انترنت، كيف وصل الخبر أسرع من البرق؟ لقد نقل رسول السماء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم خبر ماجرى في المعركة، يروي الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى صحابته يزفّ إليهم بشرى الانتصار وينعى إليهم زيدًا وجعفرًا وعبدالله بن رواحة قائلًا وعيناه تذرفان الدموع: «أخذ الراية زيدٌ فأصيب ثم أخذها جعفرٌ فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب حتى أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليه» [3757].

كيف تلقّت أسماء خبر استشهاد زوجها ومن الذي نقل إليها ذلك الخبر الأليم؟ إنه النبي صلى الله عليه وسلم الرسول العظيم والقائد الرحيم هو من ذهب بنفسه ينعى إلى أسماء زوجها جعفر، تقول أسماء حسب ماروت عنها حفيدتها: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي أصيب به جعفر وكنت قد عجنت عجيني وغسلت بَنيّ ودهنتهم أي عطّرتهم، فقال لي: يا أسماء أين بنو جعفر؟ فجئت بهم إليه فجعل يتشمّمهم ويضمّهم وعيناه تذرفان بالدمع، استغربت أسماء فهي لم ترَ النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا من قبل، لا بدّ أن أمرًا طارئًا ما عساه يكون هذا الأمر الطارئ؟ وَجَفَ قلبها عندما خطر في بالها أن مكروهًا ما حدث لزوجها الحبيب جعفر، سألته بصوتٍ مرتجف: "يارسول الله لعلّه بلغك عن جعفرٍ شيء؟" فقال بصوتٍ يغالب الدموع: "نعم، نعم ياأسماء لقد استُشهد جعفر في سبيل الله"، لم تعد قدماها قادرتين على حملها، إنه جعفر زوجها الحبيب والد أولادها الثلاثة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وبكت أسماء كأي زوجةٍ مُحبّةٍ لزوجها بكت أسماء وأمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ينهها النبي صلى الله عليه وسلم عن البكاء، فالبكاء على فراق الأحبّة أمرٌ طبيعي وهو رحمةٌ من الله وإنما نهى الإسلام أن يضرب المحزون صدرًا أو يقول هجرًا أي كلام فيه اعتراض على أمر الله وقدره، النبي ذاته بكى على ابن عمه جعفر وقال لما رأى ابنته فاطمة تبكي عليه: «على مثل جعفر فلتبكي البواكي».

رثت أسماء يوم ذاك زوجها قائلةً:

"فآليتُ لا تنفكُّ نفسي حزينةً عليكَ *** ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فاللّهِ عينا من رآى مثلهُ فتىً *** أكرّ وأحمى في الهياجِ وأصفرا"

يذكر عبدالله بن جعفر ماحدث في ذلك اليوم الذي نعى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم والده جعفر فيقول: كنت أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمسح على رأسي ورأس أخَوَيّ وعيناه تهرقان بالدموع تقطر على لحيته وهو يقول: «اللهم إن جعفرًا قد قدّم إليّ أحسن الثواب فأخلفه في ذرّيّته بأحسن ما أخلفت أحدًا من عبادك في ذرّيّته. ثمّ التفت إلى أمّي أسماء وقال: يا أسماء ألا ابشّركِ؟ قالت: بلى بأبي أنت وأمي يارسول الله، قال: فإن الله عزّ وجلّ جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة» (دلائل النبوة [4/371]). هدأت نفس أسماء لهذه البشرى جناحان يطير بهما في الجنة، ومن يومها لُقّب جعفر بذي الجناحين، هنيئًا لجعفر ولآل جعفر هكذا ردّدت أسماء في سرّها.

أخرج أبو داوود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيت جعفر بعد أن طيّب خاطر زوجته بهذه البشرى وقال لصحابته: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا» (فتاوى نور على الدرب لابن باز [14/347])، فقد شُغِلوا عن أنفسهم واصطحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته ولدَي الشهيد عبدالله وأخيه ليخفّف عنهما مايجدانه من مرارة اليُتم وحرقة فقد الأب الغالي، فمكث عبد الله وأخوه مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ثلاثة أيام.

المتتبّع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه ظلّ يرعى آل جعفر في كثيرٍ من المواقف، عندما عاد جيش مؤتة كان في استقباله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وكالعادة أسرع الصبيان يستقبلون آباءهم وأقرباءهم فلما لمح النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جعفر بين الصبيان قال لصحابته: خذوا الصبيان واحملوهم وأعطوني ابن جعفر فأُوتيَ بعبد الله فأخذه وحمله بين يديه، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعوّضه عمّا افتقده من حنان الأبوّة ورعياتها وكان لذلك أثرٌ كبيرٌ في ترميم ما ألمّ بنفس عبدالله من جراح خلّفها استشهاد والده.

يروي عبدالله أيضًا كيف قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفرٍ مرّةً فهرع صبيانٌ من أهل بيته وكان عبد الله معهم فتلقّاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالترحيب والحبّ والحنان وأركب الحسن بن علي وعبدالله بن جعفر على دابّته ودخل ثلاثتهم المدينة وهم على ظهر الدّابة، ألستُم معي إخوتي بأنّ حادثة استشهاد جعفر تحتوي على الكثير من العبر التي تستحقّ الوقوف والتّأمّل والاقتداء أيضًا.

سأتوقّف أولًا: عند الأسلوب الّلطيف والذكي الذي أعلم به النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس بوفاة زوجها فقد زارها بنفسه وطلب أن يرى أبناء جعفر فقبّلهم وتشمّمهم وهو يواري دموعه وكأنه يخبر أسماء بما حدث ولكن بشكلٍ غير مباشر، في هذا أيّها الأخوة تهيؤ نفسي يمكّن المرأة من تلقي الصدمة عبر دفعات لا دفعةٍ واحدة أليس هذا إرشادًا نبويًا، نرى اليوم من يلقي إلى أهل المصاب خبر المصيبة دفعة واحدة فيعجز الأهل عن استيعاب النبأ وتقبّله ربما يصاب أحدهم بمرضٍ عُضال جرّاء هذا الأسلوب الفظ في الإخبار عن المصيبة فيرتفع ضغطه أو سكّره أو كوليستروله وقد يصاب بما هو أكثر من ذلك.

أما الأمر الثاني: الذي أحبّ أن أنوّه إليه فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم، لستُ أشكّ في أن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم تسابقوا لتنفيذ أمره فأرسلوا لآل جعفر طعامًا، ولكنّي أعجب من قصور فهم بعض المسلمين لهذا الحديث وظنّهم أن هذا الأمر خاص لآل جعفر، بينما نرى في نص الحديث دلالةً واضحةً على أنه هديٌ نبويٌّ يستحبّذ فعله مع أهل الميت الذين ينشغلون بميّتهم وتغسيله ودفنه ويلهيهم الحزن على فراقه عن الطبخ وتجهيز الطعام، في هذا الوقت الحرج المؤلم يجب أن تبرز الأخوّة الإسلامية وتظهر بصمات التكاتف الاجتماعي الذي حثّ عليه الإسلام فيما بين المسلمين، لاتقتصر المشكلة على إهمال المسلمين لهذا التعاضد والتعاون اليوم بل تتعدّاها إلى إلزام أهل الميت ببدع ما أنزل الله بها من سلطان.

في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية اليوم تسود عادات ذميمة تكلّف أهل الميت بلاءً فوق بلائهم" تنزيلةُ الميّت" أتعرفون -إخوتي- مامعناها؟ هي طعام يصنع على روح الميت يتكلف فيه أهل الميت عناء الذهاب إلى السوق ويدفعون مبالغ طائلة لإطعام الناس الذين سيحضرون دفن الميت نرى بعضهم يتكلّف ما لا طاقة له به من أجل ماذا؟ إرضاء الناس وإرضاء الناس غايةٌ لا تدرك، بمناسبة الحديث عن التنزيلة أقول هناك أيضًا الخميس والأربعينية والسنوية ماذا يعني هذا؟ هي أيضًا ولائم يقدّم فيها الطعام على روح الميت في الخميس الأول بعد الوفاة وفي اليوم الأربعين وبعد مرور سنة، لايهمّني الحديث عن ما في هذه الولائم مما لذّ وطاب من الأطعمة التي ترهق أهل الميت ماديًّا وجسديًّا لكن ما يهمني هو أن هذه العادات الاجتماعية الذميمة لبست لباس الدين فصارت كأنها جزء منه لايجوز التقصير بها، في حين أنها لا تمتّ له بصلة وليس لها مستندٌ شرعي، المستند الشرعي والسلوك الإسلامي الصحيح هو «اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا»، فقد جاء مايُشغلهم.

قد يقول البعض لماذا تحاربين هذه العادات وتنعتينها بالبدعة مع أنها شيءٌ نافع يتصدّق فيه الأهل على روح ميّتهم؟ أقول: الصدقة على روح الميت طبعًا مستحبّة. «أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله إنّ أمي توفيّت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال نعم»، وهذا الحديث صحيح رواه البخاري. إذن الصدقة على روح الميت يصل ثوابها بإذن الله طعامًا كانت أم ثيابًا أم مالًا، لا يشترط في هذا أن تكون في يوم الوفاة في يوم وفاة الميت أو في يوم الأربعين أو في السنوية هذا من جهة، من جهةٍ أخرى فإن من يدعى إلى التنزيلة والأربعينية والسنوية هم غالباً من الأغنياء لا من الفقراء فأين الصدقة في الموضوع؟ الصدقة لوجه الله تعالى على روح الميت أمرٌ مختلفٌ عن التباهي والتكلّف والتكاتف والتعاون الاجتماعي بين الأقرباء والمعارف والجيران يتحقق عن طريق اصنعوا لآل الميّت طعامًا فإنه قد أتاهم ما يشغلهم.

أمر آخر لا بد لنا من ذكره هنا وهو رعاية اليتيم ومحاولة تعويضه عمّا فقده من حنانٍ وعطف، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد:11-16]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عن كافل اليتيم سواءٌ كان هذا اليتيم يخصّه أي بينه وبينه قرابة أو لا يخصّه: أنا وهو أي أنا وكافل اليتيم «أنا وهو كهاتينِ في الجنة. وأشار بالسبابة والوسطى هكذا أي متلازمان» (صحيح مسلم [2983]).

نعود إلى السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها لنراها بعد وفاة زوجها تعكف على تربية أولادها أحسن التربية، بعد أن انتهت عدتها عرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الزواج من أحد كرام الصحابة، قد يستغرب البعض اليوم و يستهجن أن تتزوج الأرملة ويظنّ أن عليها أن تقضي بقية عمرها رهينة تربية أولادها وتزويجهم لتقضي ما تبقى من حياتها بعد ذلك وحيدةً دون مؤنس أو حتى معين، لكنّي أقول هذه النظرة ليست نظرة الإسلام والدليل؛ لقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم على أسماء أن تتزوج مرّةً أخرى فقبلت وكانت السمة البارزة في ذلك العصر هي إقدام الرجال على خطبة النساء الأرامل والمطلّقات لإعالتهنّ ورعايتهنّ هنّ وأولادهنّ، قد يقول البعض ألا يستطيع المسلم أن يرعى الأرملة ويساعد الأرملة إلا بشرط أن يتزوجها؟ أقول طبعًا بلى، لا يشترط الزواج للمساعدة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثّ على العناية بالأرامل ويشبّه الساعي على الأرملة والمسكين حسب ماروى الإمام مسلم بالمجاهد في سبيل الله وبالقائم بصلاة الليل لا يفتُر وبالصائم لا يفطر. لكني لا أتحدث الآن عن هذا النوع من المعونة بل أتحدث عن حقّ الأرملة في أن تختار الطريق التي ستقضي بها بقية حياتها ما دام ذلك في الحلال دون أن يلاحقها المجتمع بنظرات العار وعبارات الاتّهام، ولكن من هو العريس اختاره النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس إنه رفيقه وصديقه وخليله أبوبكرٍ الصديق رضي الله عنه وهل هناك خيرٌ من أبي بكر زوجًا بعد جعفر، طبعًا قبلت أسماء رضي الله عنها وزفّت إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه والفرحة لا يسعنا إلا أن نتخيلها أنها فرحة بهذا الزواج وإن كان في قلبها غصّة لفراق جعفر ولكن إنّا لله وإنّا إليهِ راجعون.

لا نحتاج أيضًا كثيرًا إلى أن نتصور حياة أسماء مع أولادها في بيت أبي بكر فما يحمله أبوبكر بين جنبيه من رحمةٍ ورأفةٍ وعطفٍ وحب يجعلنا نؤكّد أنهم عاشوا لديه كأفضل ماتعيشه الزوجة في بيت زوجها وكأفضل مايعيشه الربائب في حجور أزواج أمّهاتهم، أنجبت أسماء لأبي بكر ولدًا أسماه محمّدًا، إذن محمد بن أبي بكر هو ولده من أسماء بنت عميس، أما محمد بن جعفر فهو ولد أسماء من زوجها الأول جعفر بن أبي طالب.

رافقت أسماء بنت عميس أبا بكرٍ بقية حياتها وشهدته وهو يُختار خليفةً للمسلمين وكانت له عونًا في السرّاء والضرّاء إلى أن توفّي بعد سنتين ونصف من خلافته، كان أبوبكرٍ الصديق يحبّ زوجته أسماء ويجلّها ويحترمها أيضًا، وقد أوصى أن تتولى غسله بعد وفاته فوفّت وصيته وغسّلته أعانها في ذلك ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر.

بالمناسبة أسماء هي التي نقلت فكرة صناعة نعش الميت إلى جزيرة العرب، كان الميت قبل ذلك يحمل على خشبة وقد طرح عليه ثوبٌ فوق كفنه، فلمّا حضرت الوفاة فاطمة الزهراء رضي الله عنها قالت لأسماء: يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء يُطرح على المرأة الثوب فيصفها ويصف حجم جسدها وتفاصيله فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريكِ شيئًا رأيته بأرض الحبشة، جاءت بأخشاب وجرائد رطبة فألصقتها ببعضها ثمّ غطّتها بثوبٍ من أعلاها فصارت كالهَودَج أو دعونا نسميها كالصندوق، فأعجبت الفكرة فاطمة الزهراء واستحسنتها، فكانت رضي الله عنها أول من صُنِع لها نعشٌ في الإسلام.

فعل أسماء هذا بصناعة النعش يذكّرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحكمةُ ضالة المؤمن أين ماوجدها فهو أحقّ بها» (سنن الترمذي [2687])، بعد أن انقضت عدّتها خطبها عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه أخو زوجها الأول جعفر بن أبي طالب فتزوجته وأنجبت منه يحيى وعون، وعلى هذا فلأسماء ولدان باسم عون أحدهما عون بن جعفر والآخر عون بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، رافقت السيدة الفاضلة زوجها عليٌّ في رحلة جهاده ومعاناته حتى استشهد رضي الله عنه ولم تتزوج بعده أحدًا، ودّعت السيّدة الفاضلة والصحابية الجليلة أسماء بنت عميس الحياة وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ستين حديثًا.

لايسعنا في ختام حديثنا عنها إلا أن نقول سلامٌ لكِ منّا يا صحابية رسول الله صلى الله عليه وسلم يا زوجة ذي الجناحين جعفر الطّيّار يا أمّ عبدالله بن جعفر الكريم الذي عُدّ من أجواد العرب سلامٌ لكِ منّا يا زوجة الخليفتين أبي بكرٍ وعليٍّ رضي الله عنهما وعنكِ وعن كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ مخلصةٍ إلى يوم الدين.

 

لينا الحمصي.

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 29
  • 1
  • 72,641
المقال السابق
[20] صفية بنت عبد المطلب
المقال التالي
[22] الشفاء العدوية

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً