صحابيات - [23] سمية بنت الخياط

منذ 2015-10-29

هذه العبدة الضعيفة تحدت بقوة إيمانها؛ أسيادها من بني مخزوم، تحدت أبا جهل أعتى رؤوس الكفر آنذاك، فطعنها بحربة أزهقت روحها فكانت أول شهيدة في الإسلام. شهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذه العبدة الضعيفة بأنها من أهل الجنة، فأية عظمة تحملها سيرتها، هل هناك أعظم من أن يتحول العبد الضعيف إلى مدرسة في الصمود والإباء والتحدي.

صحابيتنا اليوم لا تملك حسبًا ولا نسبًا ولا جمالًا، ليست لها في قريش مكانة أو جاه، هي باختصار أَمَة، عاشت أَمَة وماتت وهي أَمَة تحت العبودية الطاغية.

لسائل أن يسأل هنا، لماذا إذن نطوف في رحابها؟ ماذا سننهل من أمة ضعيفة عاشت عبدة وماتت عبدة؟
وهنا أقول: هذه العبدة الضعيفة تحدت بقوة إيمانها؛ أسيادها من بني مخزوم، تحدت أبا جهل أعتى رؤوس الكفر آنذاك، فطعنها بحربة أزهقت روحها فكانت أول شهيدة في الإسلام.

شهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذه العبدة الضعيفة بأنها من أهل الجنة، فأية عظمة تحملها سيرتها، هل هناك أعظم من أن يتحول العبد الضعيف إلى مدرسة في الصمود والإباء والتحدي، بعضكم في شوق لمعرفة هذه الصحابية، ولربما عرفها الكثيرون فقالوا إنها سمية بنت خياط.

عندما يذكر الكثيرون هذا الاسم يذكرونه بإكبار وشفقة، مصدر إكبارهم هو القوة والثبات التي بثها الإسلام في نفسها فحررها من الانقياد والخضوع إلا لله سبحانه وتعالى وللحق الذي أمر به، وسما بها إلى مرتبة تفوق مراتب الأغنياء والأسياد، مرتبة ليس فيها إلا التقوى معيارًا للتفاضل.

لم يكن العبيد والإيماء والمساكين والفقراء يشعرون بالكرامة قبل مجيء الإسلام، ولم يكونوا يعاملون بالعدالة والرحمة، بل كان يُنظر إليهم باشمئزاز واحتقار ويعاملون بظلم واضطهاد، وعندما حلت على جزيرة العرب رياح الخير مع مجيء محمد صلى الله عليه وسلم شم هؤلاء المستضعفون من دينه الجديد رائحة العدل والكرامة، وسارعوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، حملوا لواء الإسلام وفدوه بأرواحهم، لم يخب ظن هؤلاء المستضعفون في الدين الذي آمنوا به، فلقد طبق المسلمون تعاليم دينهم على الغني والفقير، على القوي والضعيف، حين سرقت المرأة المخزومية وتوسط أسامة بن زيد حب النبي صلى الله عليه وسلم ليشفع لها عنده، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، أغضبه أن يشفع أسامة في حد من حدود الله وقال له:«إنما أهلك من كان قبلكم إنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (صحيح مسلم [1688])، لم يتعامل الإسلام مع الناس بوجهين أو معيارين ومكيالين.

إذن عندما تذكر سمية يشعر كثيرون بالإكبار، يشوب هذا الإكبار شيء من الحزن والألم والشفقة، لماذا؟ لأن اسم سمية وياسر وبلال وصهيب وخباب وغير هؤلاء يعيد إلى أذهاننا ألوان الاضطهاد وصنوف العذاب التي صبتها قريش عليهم وعلى أمثالهم لأنهم آمنوا بالإسلام وبنبي الإسلام.

سنبقى اليوم مع سمية، سنقلب بعض صفحات تلك البطلة، البداية مع ياسر بن عامر، وهو رجل يمني قدم إلى مكة ليبحث له عن أخ فقده منذ سنوات فطاب له العيش في مكة فاستقر فيها، لم يكن من الممكن لشخص غريب عن مكة أن يعيش فيها دون أن يدخل في جوار أحد من سادتها ليحميه ويرعاه، فدخل ياسر في جوار رجل يسمى بأبي حذيفة بن المغيرة، وزوجة أبو حذيفة لها أمة تدعى سمية بنت خياط. ولدت له عمارًا وعبد الله والحريث الذي مات قبل البعثة، أخلص ياسر وعائلته لأبو حذيفة، فأحبه أبو حذيفة وأعتق ولدهم عمار بن ياسر، بعد موت أبي حذيفة انتقلت سمية وولدها عبد الله إلى ورثته من بني مخزوم.

في مكة سمع عمار بن ياسر عن محمد بن عبد الله وعن دينه الجديد فأعجبه ذلك الدين الذي يسوي بين كل الناس في الإنسانية والكرامة والعدالة، فتسلل خفية حتى دخل دار الأرقم، وهناك أعلن إسلامه وشهد أن لا إلا الله وأن محمد رسول الله، وعاد إلى بيته فرحًا مستبشرًا، سألته أمه سمية: ما لي أراك مسرورًا يا عمار، شرح عمار لأمه ما عرفه عن الإسلام وتلا عليها قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]، قفزت سمية من مجلسها واستبشرت بانبعاث العدالة والكرامة والخلاص من العبودية، دمعت عيناها وهي تتذكر صورة سيدها وهو يلقي إليها فتات الخبز وبقايا الطعام، ورنت في أذنها كلماته القاسية وأوامره الفظة، تذكرت الليالي التي قضتها وهي تبكي وتدعو بالفرج القريب لعله جاء، صاحت بلوعة خذني إليه يا عمار، خذني لرسول الله.

استقبل النبي صلى الله عليه وسلم سمية وابنها بالحفاوة والتكريم ولقنها كلمة التوحيد وسمعها وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، خرجت من مجلس رسول الله منشرحة الصدر، وسكن قلبها شعور بالقوة والأمل، شعور بالعزة لم تذق طعمه من قبل، استغرب سيدها للانقلاب المفاجئ الذي اعتراها، لم تعد سمية تلك العبدة الضعيفة التي تطأطئ رأسها خوفًا من جبروته، لم تعد تبكي بصمت عندما يشتمها، بات يقلقه ذلك البريق المضيء الذي يلمع في عينيها، شعر به كأنه أسهم من نار تطير نحوه، طبعًا لم يكن يعرف أنها أسلمت، مضت سنة تقريبًا على إسلام سمية وزوجها ياسر وولديها عمار وعبد الله، واستطاعوا خلال تلك السنة أن يخفوا إسلامهم، ولكن إلى متى؟ لا يمكن إلا أن يتنفس الصبح بعد العسعسة، وصدق الشاعر حين قال: "للحب رائحة وليس بوسعها إلا تفوح مزارع الدراق"،عندما قال الله تعالى لرسوله: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر:94]، أظهرت إسلامها لم تعبأ بقريش ولا بجبروت قريش.

دعونا نتصور هذا المشهد، نبي الله صلى الله عليه وسلم صدع بما يؤمر وجهر بدعوته أمام أهل مكة كلهم، تبعه في ذلك أشخاص معظمهم من الضعفاء، أي من العبيد ومن الفقراء ومن الموالي الغرباء عن مكة، أشخاص لم يكن لهم نسب أو حسب يشفع لهم أو قوة تحميهم، من هؤلاء سمية بنت خياط، زوجها ياسر، ابنهما عمار وابنهما عبد الله، صهيب الرومي، بلال بن رباح، خباب بن الأرت، فماذا كان حال هؤلاء أيها الأخوة؟ غضب زعماء الجهل والكفر من هذا الدين الذي يعيب آلهتهم ويحط شأن آلهتهم واشتد غضبهم حين وجدوا من كان فيهم مستضعفًا لا يملك من أمره شيئًا يشتد عوده بالإسلام؛ ليقف أمامهم وقفة القوي الصامد، عليهم إذن أن يتداركوا الأمر قبل أن يفسد عليهم محمد عبيدهم وضعفاؤهم.

كانت سمية من ضمن قافلة العبيد والضعفاء المتألبين على طغيان الأسياد، فأثار هذا شراسة بني مخزوم، سمية التي لا تملك حولًا ولا قوة تريد التحدي وتقوى على الصمود، سنرى وسترى، سنجعلها عبرة لمن يعتبر، هكذا قالوا، صاروا يخرجونها إلى رمال مكة التي تغلي كلهب النار، يخرجونها كل يوم، ويبدؤن في صب صنوف الأذى والاضطهاد عليها وعلى زوجها ياسر وابنها عمار، جلدًا بالسياط، تحريق بالنيران، تعرية وجر على الرمال، تجويع وتعطيش، تغريق بالماء، كانوا يتلذذون بالنظر إلى جروحهم ودماءهم، ويستعذبون أصواتهم وآهاتهم وآلامهم، كانوا يتناوبون على تعذيب هؤلاء الضعاف، كلما تعب جلاد تولى الضرب غيره، وغيره الكثير، فقد نصب بنو مخزوم خباء ليستريحوا فيه من أجساد المعذبين الذي تتلقى الضرب دون خوف ولا تراجع. 

تعالوا بنا أخوتي لنرى هذه الصورة من العذاب، ها هي سمية والأغلال في يديها وقدميها، وأحد رجال بني مخزوم يهوي بالسوط على جسدها النحيل الواهي فيأكل السوط بعض لحمها، ويشرب شيئًا من دمها، بعد أن ضربها وضربه رمى السوط من يده وهو يعض على شفته غيظًا وحنقًا والعرق يكسوه من رأسه إلى قدميه، نظر إليها بحقد واستغراب ما تزال على حالها، تنظر إلى السماء بطمأنينة وقد افتر ثغرها عن ابتسامة عجيبة ورغم الآلام والجراح والدماء المتساقطة، كان قلبه يخفق بشدة وقد هزه العطش وهده العطش وهزه التعب، لم يستطع عقله المصدوم أن يفسر ما يجري، كيف تملك هذه الأمة الحقيرة كل تلك القوة رغم ضعفها وهوانها، لماذا يشعر هو بالخوف من نظراتها إليه أليس هو السيد؟ أليس هو من يمسك بالسوط ويضرب ويعذب، لماذا يخاف إذن؟ عاد الهوينا إلى أصحابه وسلم السوط إلى رجل آخر ليكمل المهمة، لم يعد أولئك الجلادون يريدون من سمية سوى أن تكفر بدين محمد ودينه ولو بلسانها، وعندها سوف يطلقون سراحها ويتخلصوا من الآلام ومن العذاب الذي كان يضنيهم أكثر مما يضنيها، كانوا ينظرون إلى شفتيها المرتجفتين وينتظرون أن تنطق بكلمة تريحها وتريحهم، ولكن تمر الأيام والأيام وتبقى سمية واقفة تحت أسياطهم مطمئنة الجنان، ثابتة الفؤاد، تبقى الخيبة نصيب العتاة القساة غلاظ الأكباد، كانوا يشعرون بالهزيمة أمام تلك العبدة الضعيفة، وأمام زوجها ياسر وولديها عبد الله وعمار اليافعين الفتيين الذين يخضعان للعذاب مثل أبيهما وأمهما، يخضعان لجميع أنواع العذاب. 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يعذبون فيدعو لهم بالفرج القريب، وفي ذات يوم نداه عمار بن ياسر، والألم ينبع من لهجته المتضرعة، يا رسول الله قد بلغ منا الأذى كل مبلغ، دمعت عينا الرسول صلى الله عليه وسلم لما رآهم، وقال لهم بصوته الشفيق الرفيق: «صبرًا آل ياسر، صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (فقه السيرة [103])، صبرًاياأبا اليقضان -أبا اليقظان هو لقب عمار بن ياسر-، نسي الجميع آلامهم بتلك البشارة، شعروا بشلالات الأمن والطمأنينة والثبات تتدفق إلى قلوبهم وهم يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قائلًا «اللهم لا تعذب أحدًا من آل ياسر بالنار».

لكن ذات يوم بكت سمية تحت ضربات السياط على غير عادتها، لم يصدق من كان يضربها أنها تبكي، هذه أول مرة يرى فيها دموعها منهمرة، لاشك كان يغيظه أن يراها تبتلع تلك الدموع مع آلامها وهي تنظر إليه نظرة تحد ومقاومة، إذن استسلمت سمية، هكذا قال وهكذا تخيل، هل تصدقون ذلك -أخوتي-، هل استسلمت سمية حقًا؟ هل أنهكها العذاب فقررت النقوص؟ لماذا بكت إذن؟ 

بكت سمية تحت العذاب لأول مرة، وظن سيدها أنها تبكي ألمًا أو انهيارًا، فاقترب منها وصاح بها بغلظة، أيتها العبدة الحقيرة أسمعينا، سبي محمدًا ودين محمد، فلم تجبه سمية بشيء، لأنها لم تسمعه أصلًا، فقد كانت عيناها على ابنها عمار.

كان عمار يصرخ من شدة الألم بعد أن تفنن معذبوه في تعذيبه بالحرق، بالجلد، بالجر على الرمال الملتهبة وهو صامد، أخيرًا أحضروا دلوا كبيرا مملوءًا بالماء، وغمسوا رأسه ليخنقوه ثم رفعوه قبل الموت بقليل وقالوا له، سب محمدًا، قل في اللات والعزى خيرًا، أبى عمار فكرر الجلادون خنقه مرات ومرات، لم يعد يستطع الصمود، فقد كان كل ما يفعلونه به أقصى من الموت، لم تصدق سمية ما سمعته أذناها، عمار ابنها يسب النبي ويمتدح اللات والعزى، صاحت بلوعة عمار إياك والكفر يا عمار، إياك، فك المشركون قيود عمار، وأطلقوا سراحه، فأطلق عمار لساقيه العنان وهو يبكي بحرقة وألم، ركض إلى الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام واعترف بين يديه أن تلفظ بكلمات الكفر، نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم مبتسمًا وسأله: «كيف تجد قلبك يا عمار؟ فأجابه: مطمئنًا بالإيمان يا رسول الله، فسمح النبي صلى الله عليه وسلم عينيه بيديه الشريفتين، وقال: إن عادوا فعد لهم بما قلت يا عمار» (فقه السيرة [103])، شاع خبر عمار بين المسلمين، وتداول الناس أمره فقال بعضهم، ويح عمار لقد كفر، فنزل وحي السماء ليؤكد صدق إيمان عمار وذلك في قوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106]، وهو أن هذه الآية أباحت للمضطهدين أن يتلفظوا بالكفر اتقاء لشر الكفار إلا أن كثير منهم اختار الثواب الأكبر، فثبتوا ولو كان في ثباتهم تألم أجسادهم، أو إزهاق أرواحهم، إذن لابد من الصبر لبلوغ الفرج، خاصة وأن الله تعالى يقول: {الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3].

ويقول أيضًا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، كانت سمية من الذين اختاروا الثبات رغم العذاب، وكذلك زوجها ياسر، فقد كان يعذب وهو يقول: الله ربي، الله ربي، كان بلال بن رباح يعرى من ثيابه وتوضع على بطنه صخرة ويجر على الرمال فيتساقط لحمه وهو يصيح: أحد أحد، أحد أحد، كان خباب بن الأرت عبدًا لأم أنمار، كانت تأخذ الحديد المحمى بالنار فتضعه فوق رأسه فيتلوى من الألم ويصرخ، ولكنه يظل على إيمانه ثابتًا كالجبال، فيمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: «اللهم انصر خباب، اللهم انصر خباب».

وهناك ذي النيرة وهي عبدة رومية عميت من التعذيب في سبيل الله، قال لها سيدها يومًا مستهزءًا: "لقد أصابتك اللات والعزى بالعمى يا ذي النيرة"، فأجابته بقوة وصلابة: "وهل يدري اللات والعزى من يعبدهما، هذا من الله وإن يشأ يكشف الله عني".

كلما شعرت سمية بشيء من الضعف تذكرت خباب بن الأرت حين اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يفعله بهم المشركون، فقال له: "ألا تدعو الله لنا يا رسول الله؟"، أحس النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الضعف والهزيمة في كلام خباب، فقال له «قد كان من قبلك ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، يوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل» (صحيح البخاري [3852])، تتذكر  سمية هذا فتدمع عيناها وتردد في سرها، إذن علي أن أصبر واستسلم لأمر الله، وأن أدفع ثمن انتصار الحق، هذا حق، قد لا تشهد سمية النصر في حياتها، ولكن المسلمين سيشهدونه يومًا ما بإذن الله، فتكون هي واحدة ممن مهدوا الطريق لقدوم نصر الله والفتح.

في غمرة العذاب كان يداعبها شوق إلى الجنة، فمتى تنال المنى، وعلى يد من ستنال الشهادة، كتب الله لها ذلك على يدي أبي جهل الذي لم يصدق أن تجابهه أمة يراها ضعيفة حقيرة، فثارت ثائرته وقذفها بحربة أصابتها في أسفل بطنها فاستشهدت، وكانت أول من استشهد من المسلمين، من رجالهم ونساءهم، بعد مدة ليست بالطويلة لحق ياسر وولدها عبد الله بسمية إلى جنات عرضها السموات والأرض، كانت روحه تحشرج تحت ضربات السياط وابتسامة عريضة تجلل وجهه، فكانت ترن في أذنيه كلمات النبي صلى الله عليه وسلم: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، وباستشهاد ياسر تنتهي رحلة عذاب هذه العائلة المجاهدة الصابرة. 

قبل أن نسدل الستار على السيرة العظيمة لسمية وأسرتها أحب أن أعقد مقارنة بين ما كان عليه هؤلاء المستضعفون من قوة في الإيمان وصبر على العذاب في سبيل الله، وبين ما عليه أغلب المسلمين اليوم، معظم المسلمين اليوم يعيشون في أمان، ويتمكنون من أداء شعائر دينهم بحرية تامة، ومع ذلك لا يكلف أحدهم نفسه الصبر على معاناة أي شيء، فلا يصبر على فعل الطاعات، ولا يصبر على الابتعاد عن المعاصي والمنكرات، لا يستطيع ضبط عينيه، ولا ضبط لسانه، ولا يديه ولا رجليه ولا ضبط ذهنه وخياله، ثم بعد هذا كله يرجو الجنة وثوابها ويطمع أن يقول ممن قال فيهم الله تعالى في القرآن الكرم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22:23]، ولهؤلاء المقصرين المتكاسلين يقول الشاعر:

تضع الذنوب على الذنوب وترتجي *** طلب الجنان وطيب عيش العابد
ونسيت أن الله أخرج آدم *** منها إلى الدنيا بذنب واحد

أين نحن من سمية وعائلتها الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا للثبات على الإيمان، ولاقوا العذاب الرهيب، فصبروا، وصمدوا، وضحوا، فاستحقوا بذلك رضوان الله وجنته، أين صبرنا نحن؟

قد يسأل البعض أين وجه الشبه بين صبر المستضعفين على الأذى، وبين الصبر على فعل الطاعات وترك المنكرات؟ أقول وجه الشبه يتجلى في أن الصبر من حيث المبدأ هو حبس النفس على المكروه، وهذا ينطبق على عدة أمور، كالصبر عند المصيبة، الصبر على الأذى في سبيل الله، الصبر على الجهاد، وكذلك الصبر على فعل الطاعات وترك المنكرات؛ لأنه جهاد للنفس الأمارة والأهواء المسيطرة، وهذا في الحقيقة صبر وأي صبر،

عندما نتمعن في سورة العنكبوت وهي سورة مكية، أي أنها نزلت قبل أن يُفرض الجهاد، نرى كلمة الجهاد تتكرر في السورة عدة مرات، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، وقوله تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6].

الجهاد المقصود في تلك الآيات هو الجهاد النفسي والأهواء والشيطان، جهاد الصبر على الأذى والاضطهاد، جهاد الصبر على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، يؤكد هذا المراد قوله تعالى في مستهل السورة نفسها، {الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1:3].

هذا ما أكده يا أخوتي بقوله: «المجاهد من جاهد نفسه في الله» (صحيح الجامع [6679])، قد يقول البعض ولكن أين نحن من عصر الرسالة؟ الصحابة ثبتوا وصبروا علي الأذى، وأي دعم لا يبرر أن يضعف أحدنا أمام وساوس الشيطان، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي» (منزلة السنة [13])، مادام هدي الله ونبيه بين أظهرنا، فليس هناك مبرر للتهاون، ومع هذا أبث إلى الأخوة ما يثلج قلوبهم، فأقول: إن الذين أمنوا به وأتبعوا هديه ولم يروه بمكانة تسبق مكانة الصحابة الذين عايشوه وعاصروه وسمعوا منه الهدي والخير، فلقد قال صلى الله عليه وسلم: «وددت لو أني أرى أخواني، قال له أصحابه: أولسنا أخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي ، ولكن أخواني الذين أمنوا بي ولم يروني» (صحيح مسلم [249]).

بيد أن مرتبة الأخ أعلى من مرتبة الصاحب ، وهناك بشرى ثانية أيها الأخوة، يروي أنه صلى الله عليه وسلم سأل صحابته مرة «أي الخلق أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: كيف لا يؤمنون وهم عند ربهم وقد خلقوا على الطاعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، فقالوا: النبيون، قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون، فقالوا: الصحابة، قال: الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون، فقال: أعجب الخلق إيمانًا قومًا يجيئون من بعدكم فيجدون كتابًا من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الخلق إيمانًا» (السلسلة الصحيحة [3215]).

ألا تحبون أيها الأخوة أن تكونوا من أخوان النبي صلى الله عليه وسلم الذين ود أن يراهم، ومن أعجب الخلق إيمانًا، الطرق إلى هذا واضحة بينة ولكنها ليست سهلة فقد قال صلى الله عليه وسلم: «حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره» (صحيح مسلم [2822])، والطريق إلى الجنة صعب بربوه وطريق النار سهل بكبوه.

أعاذنا الله من النار وما يوصل إليها من قول وعمل، وسهل الله لنا طريق الجنة وما يوصل إليها من قول وعمل.

 

لينا الحمصي.

 

المصدر: موقع قناة الرسالة الفضائية
  • 11
  • 2
  • 33,265
المقال السابق
[22] الشفاء العدوية
المقال التالي
[24] نسيبة بنت كعب

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً