صحابيات - [12] زوجات النبى صلى الله عليه وسلم وحكمة تعدد زواجه

منذ 2015-10-30

سنتوقف عند هذا الزوج الذي طبق هذه التعاليم السامية بنفسه، وكان قدوة حقيقية جمعت بين القول والعمل، قل أن نجد من عظماء العالم رجلا عظيما خارج بيته و داخله توافق أفعاله أقواله لا يظهر على الشاشات بوجه جميل، بينما يعيش مع من حوله ذو وجه قبيح، تجمع الروايات على أن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته كان من أرقى أنواع التعامل فيه العدل والمساواة والحب واللطف والبهجة والإتيكيت والذوق الرفيع؛ فرغم أعباء الدعوة ومشاقها كان صلى الله عليه وسلم يشفق أن تراه زوجاته عابثا في وجوههن، بل كان ألين الناس وأكرم الناس، كان ضحاكا بساما، لم يجعل من هيبة النبوة سداً حاجزاً بينه وبين أهل بيته، بل لقد أنساهن برقته وأنسه وحلاوة حديثه أنهن يخاطبن رسول الله في بعض الأحيان، فكن يراجعنه ويجادلنه ويناقشنه حين لا يروق لهن أمر ما.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سدينا رسول الله، إخوتي وأخواتي متابعي قناة الرسالة أينما كنتم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا وسهلا بكم في هذه الحلقة من برنامج (صحابيات).

إخوتي المشاهدين مضت من هذا البرنامج إحدى عشرة حلقة.. كنا في كل حلقة نقتطف من بستان ورود النبي وردة ننتشي بعبيرها وشذاها، أما اليوم فقد اخترنا أن نتحدث عن البستان الجميل الذي ضم كل تلك الورود الفواحة، وسكب عليها بهائه ورونقه، تحدثنا في حلقاتنا السابقة عن قصة زواج كل واحدة من زوجات النبي عليه السلام، وعن سيرة حياتها في بيت النبوة وعن ما أهلها لتكون إحدى سيدات هذا البيت العظيم، بقي علينا أن نتحدث اليوم عن الزوج (محمد صلى الله عليه وسلم) وعن الحكمة التي من وراء تعدد زوجاته، وعن بعض التفاصيل الهامة التي تزيد معرفتنا بمدرسة محمد صلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه إلى يوم يبعثون.

تذكر كتب السيرة والتاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج من إحدى عشرة امرأة، توفيت منهما اثنتان في حياته هن:خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة الملقبة بأم المساكين.

وبقيت تسع زوجات معه إلى أن توفاه الله عز وجل، فمن هن زوجاته الإحدى عشر؟
هاهن مرتبات بحسب تسلسل زواجه عليه الصلاة والسلام منهن:
1ـ خديجة بنت خويلد.
2ـ سودة.
3ـ زمعة.
عائشة بنت أبي بكر.
5ـ حفصة بنت عمر بن الخطاب.
6ـ زينب بنت خزيمة "أم المساكين".
7ـ أم سلمة هند بنت أبي أمية.
8ـ زينب بنت جحش.
9ـ جويرية بنت الحارث.
10ـ صفية بنت حيى بن أخطب.
11ـ أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان.
12ـ ميمونة بنت الحارث الهلالية.

يطرح بعض الناس تساؤلات عن السبب في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العدد من الزوجات؟
لماذا أبيح له الزواج بأكثر من أربع نسوة ولم يبح لبقية المسلمين إلا مثنى وثلاث ورباع؟

أجمع علماء المسلمين على أن هذا الأمر هو من خصوصيات النبي عليه الصلاة والسلام التي نزل بها القرآن الكريم حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [الاحزاب:50].

نحب هنا أن نتمعن في حياة النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا العدد من النساء، كيف كان يتعامل معهن من إقامة العدل بينهن؟
وهل أضاف إلى حياتهن وأضفن إلى حياته شيئًا مهمًا؟ أم أن وجودهن في حياته كان مجرد عدد لا معنى له ولا قيمة؟
نريد أن نعرف مدى مطابقة أفعال النبي لأقواله، فلقد أوصى صلى الله عليه وسلم أصحابه بحسن معاملة الزوجة وبمعاشرتها بالمعروف وقال لهم: «استوصوا بالنساء خيرًا».

نريد اليوم أن نتوقف عند هذا الزوج الذي طبق هذه التعاليم السامية بنفسه، وكان قدوة حقيقية جمعت بين القول والعمل، قل أن نجد من عظماء العالم رجلاً عظيمًا خارج بيته و داخله توافق أفعاله أقواله لا يظهر على الشاشات بوجه جميل، بينما يعيش مع من حوله ذو وجه قبيح، تجمع الروايات على أن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته كان من أرقى أنواع التعامل فيه العدل والمساواة والحب واللطف والبهجة والإتيكيت والذوق الرفيع؛ فرغم أعباء الدعوة ومشاقها كان صلى الله عليه وسلم يشفق أن تراه زوجاته عابسًا في وجوههن، بل كان ألين الناس وأكرم الناس، كان ضحاكًا بسامًا، لم يجعل من هيبة النبوة سداً حاجزاً بينه وبين أهل بيته، بل لقد أنساهن برقته وأنسه وحلاوة حديثه أنهن يخاطبن رسول الله في بعض الأحيان، فكن يراجعنه ويجادلنه ويناقشنه حين لا يروق لهن أمر ما، هل يقبل أزواج اليوم جدل زوجاتهم وصخبهن وصكهن ونقهن؟

اسمع عن بعض العائلات الزوج فيها ضابط في الجيش أو في الشرطة أو وزير أو مدير هذا الزوج يمارس علمه في مكان عمله على الشكل المطلوب، فيأمر هذا ويعاقب هذا ويطرد هذا، يدقق على تصرفات هذا أيضاً، فإذا ما عاد إلى بيته نسي أن أهل بيته ليسوا موظفين عنده ليسوا حجابًا أو عناصر سخرة أو أذنة أو غير ذلك.

ذكر لي عن تصرفات أحد ضباط الجيش في بيته كيف يضرب زوجته ويضرب بناته بالحزام الجلدي، كان هذا الضابط يزعق بهن وكأنهن أسيرات حرب بين يديه، من لا يخاف ربًا ولا يرحم عبدًا .. ما ذنبهن! يا ترى ربما كان الذنب أن الزوجة لم تمسح الغبار عن التليفزيون أو أن الابن تأخر قليلاً عن العودة من المدرسة، أو أن الشاي الذي أعدته الابنة كان أسخن أو أبرد من اللازم، هل هذا سلوك مقبول؟ هذا سلوك في الواقع ليس مقبول في الثكنة فكيف يكون مقبولاً في البيت.

نعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل اكتفى بأن يكون بساماً، لطيف المعشر، حلو المجلس، لا فقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم بمساعدة زوجاته في الأعباء المنزلية قدر ما يستطيع؛ فكان يخسف نعله ويخيط ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه، باختصار كان يقضي حاجة أهل بيته ويساعدهم كلما وجد إلى ذلك سبيلاً بينما نرى أغلب رجال اليوم يعيشون في بيوتهم كالبشوات والأسياد والملوك إذا أرد أحدهم كأس ماء نادى على زوجته وطلب إليها أن تحضرها له، ولا يكلف نفسه عناء أن يذهب إلى المطبخ يخدم نفسه بنفسه.

هذا مثال عن أقل ما يمكن للزوج أن يقوم به في منزله من أعمال فما بالكم في ما هو أصعب من ذلك، ربما يتشدق أحدهم قائلا: "لماذا يتوجب عليّ أن أساهم في أعمال المنزل؟ لماذا تزوجت إذن؟ أليست المهام المنزلية مسؤولية الزوجة وحدها؟"

الجواب يا إخوتي نجده في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، السنة الفعلية كيف كان يعمل في منزله حين كان عوناً لزوجاته في كثير من أمور المنزل كما ذكرنا رغم انشغاله بأعباء الدعوة الإسلامية، طبعًا أنا لست ضد أن تعتني الزوجة بزوجها وأن تقوم بكل ما يمليه عليها محبته واحترامه من دلال وعناية ورعاية، لكنني ضد أن يشعر الزوج بشعور أهل بيته وأن لا يحاول أن يعبر عن مشاركته الوجدانية ولو بتصرف بسيط، لأن لتصرفه البسيط هذا أثر كبير في مزج المشاعر الزوجية وتحويلها إلى وحدة متماسكة متراصة، هي باختصار رسالة إلى الزوجة بأنها ليست زوجته فقط، هي أيضا شريكته وحبيبته.

أمر أخر .. كان عليه الصلاة والسلام يقسم بين زوجاته بالعدل في المبيت والنفقة، أما المبيت فقد بنى عليه الصلاة والسلام تسع بيوت مطلة على المسجد لكل منها بابان، باب على المسجد وباب من الجانب الأخر، وهذه البيوت هي أشبه منها بالحجر منها إلى البيوت هي مبنية من اللبن وجريد النخل المجبول بالطين، وقد هدمت هذه البيوت في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، وأضيفت إلى المسجد.

كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد السفر أقرع بين نساءه واصطحب منهن من تخرج لها القرعة، لا فرق في هذا بين الفتية والكهلة، بين عائشة وسودة، بين زينب وأم سلمة.

فالعدل أساس الحياة بشكل عام، وأساس تعدد الزوجات بشكل خاص، وثمة أمر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم كزوج يستطيع أن يعدل فيه كما يريد، فمشاعره وعواطفه ربما كانت تميل إلى زوجته فلانة أكثر من غيرها، والقلب ليس ليد الإنسان فماذا يفعل؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل في قسمة كل شيء يستطيع العدل فيه، ثم يناجي ربه بشأن ميل عواطفه، فيقول: " «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك».

هذا النموذج النبوي الرائع يقدم للناس قدوة مثلى وسيرة فضلى لو اتبعوها وتأسوا بها لحلوا كثيرًا من مشاكلهم بأبسط الطرق وأرضاها لله عز وجل، سهام المستشرقين وافتراءاتهم نحو الإسلام ونبيه تنتهز كل فرصة للدس والطعن والتشويش والتشويه، ولقد وجدوا في تعدد زوجاته عليه الصلاة والسلام مرتعاً خصباً ومادة دسمة أو هكذا تصوروها؛ فاتهموا النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كان رجلاً مزواجًا ضم إليه أكبر عدد من النساء ليقضي بذلك شهوته ومتعته.

يروي الكاتب الكبير (عباس محمود العقاد) أن مستشرقاً عاب أمامه على النبي كثرة زوجاته فقال: "أن تسع زوجات دليل على فرط الميول الجنسية"، فأجابه العقاد: "إذا كنت لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر جنسياً لأنه لم يتزوج قط، فلا ينبغي لك قط أن تصف محمداً بأنه مفرط الميول الجنسية لأنه عدد الزوجات".

الحقيقة أن لكل زواج تزوجه النبي عليه الصلاة والسلام بعد أم المؤمنين خديجة حكمة وهدفًا، وقبل أن نذكر هذه الحكم تعالوا بنا لنغوص في حياته بشكل عام فنقول: هل هذا الرجل الذي تزوج من خديجة وهي سن الأربعين وقد تزوجت قبله مرتين ولها ولدان وهو لا يزال أعزباً في ريعان الشباب في الخامسة والعشرين من عمره، ثم نذر نفسه إلى هذه الزوجة التي أحبها من كل قلبه مدة حياتها كلها، أي قريبًا من ستة وعشرين سنة ولم يعدد ولم يضم إليها زوجة أخرى، وظل بعد وفاتها وفيًا لها وهي تحت الثرى يحن إلى ذكراها ولا يسمح بأحب الناس إليه أن يذكرها بما لا يليق بها، هل رجل كهذا مزواج يبحث عن متعته وشهوته، هل في عيشة الكفاف التي كان يعيشها فيمر عليه وعلى أهله الهلال والهلال والهلال وهو يعيش على التمر والماء لا توقد في بيته نار ما يدل على انغماسه في ملذات الدنيا ومتعها!! علينا أن نتأمل تلك العيشة المتواضعة التي اختارها بإرادته.

لاحظوا يا أخوتي اختارها بإرادته الزوج والرسول محمد بن عبد الله ونتذكر الخيارين الذين نزل بهما جبريل من السماء قائلا له: "أن الله يخيرك أن تكون عبدًا رسولًا أو "ملكًا رسولاً"، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً، ولنتذكر أن موارد النبي من أموال الفئ والغنائم كانت كبيرة جداً ومع ذلك كان يوزعها على فقراء المسلمين ومحتاجيهم ومصالحهم العامة لا يبقي لنفسه وزوجاته إلا ما يقيم الأود ويرفع الضرر، حتى نتج عن تصرفه هذا ضيق نساءه بشظف العيش الذي يواجههن في مسيرتهن معه عليه الصلاة والسلام، فاعترضن ورحن يطالبنه بزيادة النفقة وهن يعلمن أنه لو أراد أن يأخذ حصته التي أباحها الله له من الغنائم والفيء لأغدق عليهن النعم ولأغرقهن في الحرير والذهب وأطايب الملذات ولما مانعه أحد من المسلمين في ذلك؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحب أن يتمتع بهذا المال هو ونساؤه بينما يلاقي صحابته الفقر والضنك والمشقة، فكان جوابه على شكوى نسائه جواباً حازمًا لا لين فيه ولا تسامح، أتذكرون جوابه إخوتي المشاهدين، لقد اعتزلهن شهراً إلى أن نزلت آية التخيير التي فيها يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب:28،29].

ودخل النبي صلى الله عليه وسلم إثر ذلك على زوجاته وتلى عليهن هذه الآية، وخيرهن بين الله ورسوله وبين الدنيا، بدأ بزوجته المحببة إلى قلبه عائشة فقال لها: "يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" قالت: "ما هو يا رسول الله؟" فتلى عليها الآية آية التخيير فأجابت بلهجة المحب العاتب: "أفيك يا رسول الله أستشير أبوي، بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة".

ثم خير عليه الصلاة والسلام نسائه كلهن فأجبن كما أجابت السيدة عائشة وقنعن بعد تلك الحادثة قنعن بمعيشة ربما كانت كثيرات من زوجات المسلمين آنذاك يعشن أنعم منها فهل هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يعيش كما يعيش الملوك فيختار عيشة الفقراء هل هو رجل... هل هذا الرجل الذي تألبت عليه نساؤه لضيق العيش وقلة النفقة هل هو رجل غلبته لذات الهوى ومتعة الشهوة؟ عندما نتأمل في كل هذا إخوتي المشاهدين ندرك كم هي ضعيفة وواهية هذه الشبهات التي يثيرها هؤلاء المستشرقون حول نبي الإسلام.

أتذكر هنا مناقشة جرت بيني وبين أحد المغرضين المشككين في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، قال لي ذلك الشخص وهو يغمز ويهمز و يلمز: "أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» تؤكد ما أخذ المستشرقين على استسلام النبي للملذات".

أجبته بزهو وفخار أن هذا الحديث دليل على عظمة النبي وعلى عظمة الدين الذي جاء به وليس دليلاً على انغماسه واستغراقه في الملذات، ففي حب النبي صلى الله عليه وسلم للنساء إشارة واضحة إلى أن الدين الذي جاء به يتماشى مع فطرة الإنسان التي خلقه الله سبحانه وتعالى عليها، وهذه الفطرة التي لا يمكن للكون بدونها أن يعمر وأن يستمر، إنه الحب السامي المنضبط بحدود الحلال تحت مظلة الزواج، ليس ذلك الحب مع الإباحية والفوضى الجنسية والعاطفية التي يعيش الغربيون في ظلالها ويعيشون متفلتين من كل ضابط وقيد، شتان بين هذا وبين ذاك، إنه حب لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتداله ولم يشغله عن مهامه، لم يكلفه شططاً في ابتغائه حب النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته، سوف يبقى إلى قيام الساعة إرشاداً ودعوة لكل زوج أن يتأسى به في حب الزوجة والتقرب إلى الزوجة والتحبب إليها.

وعندما نتأمل منجزاته العظيمة والكثيرة لنبي الإسلام نقول بعجب وإكبار: لقد استطاع محمد عليه الصلاة والسلام بعون ربه أن يخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم وأن ينشر دعوته في جزيرة العرب وخارجها، وهو يضم إليه كل تلك الزوجات فمن ذا الذي يقول بعد هذا أن هذا رجل مشغول ومنغمس في الملذات، من الذي يستطيع أن يقول بعد هذا أن حب النساء بهذا المفهوم أمر يندرج تحت معايب الرجال، أن أول زواج تزوجه النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة هو زواج الفطرة، أما زواجه بعد ذلك فيمكن أن نسميه بزواج الحكمة، في كل زواج تزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها بعدها له حكمة وله هدف.

أول حكمة هامة تتكرر في معظم زيجاته: التقرب من أكبر قدر ممكن من بطون قريش وقبائلها عن طريق المصاهرة، الأمر الذي كان له أثر كبير في انتزاع العداوة وزرع المحبة وأواصر القرب مع عوائل العرب، هذا بشكل عام، أما الحكم الخاصة لكل زواج فقد ذكرناها في وقتها عندما تحدثنا عن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ومع هذا نعود لنجمل الحديث عنهم كنوع من التذكير وتثبيت المعلومات.

البداية مع أم المؤمنين سودة بنت زمعة والواقع أن سودة كانت امرأة مسنة بسيطة كما ذكرنا، لا تملك شيئًا من الحسن أو الجمال وكان زواجه مسار استغراب المسلمين والكفار من أهل مكة على حد سواء، أستطيع أن أتلمس الحكمة من هذا فأقول هناك أمران وراء هذا الزواج:
أولهما: جبر خاطر تلك الأرملة التي مات زوجها السكران بن عمر وتركها وحيدة هي وابنها في الوقت الذي كان فيه أهلها لا يزالون على الشرك، في حين كانت قريش تصب أذاها على المسلمين المستضعفين.
أما السبب الثاني: فهو تعليم الصحابة أن دين الزوجة وخلق الزوجة هو أول ما يجب على الزوج أن يبحث عنه وأن المال والجاه والجمال هي أمور تأتي في الدرجة الثانية للدين والخلق.

بعد سودة تأتي أم المؤمنين (عائشة بنت أبي بكر) لا يخفي ما في زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها من توطيد للعلاقة بين النبي عليه السلام وبين وزيره وخليله وعضده الأول أبو بكر الصديق، فتم هذا الزواج ضم شرف المصاهرة إلى شرف الصحبة والخلة والمعاضدة إضافة إلى نظرة النبي عليه الصلاة والسلام البعيدة، فأهمية نشر وتبليغ كثير من أموره الحياتية اليومية والتي لا تراها إلا زوجات النبي عليه الصلاة والسلام فكان لاختيار النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة الذكية والفتية أثر بالغ في إيصال هذه الدقائق الهامة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام إلى جميع المسلمين؛ وبالفعل كانت عائشة رضي الله عنها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تفتي وتعلم فكانت مرجع الصحابة والصحابيات في كثير من ا لأمور حتى قال فيها الصحابي (أبو موسى الأشعري): "ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا"، وقال فيها الحاكم النيسابوري: "حمل عن الصديقة ربع الشريعة".

ثالث نساء النبي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن توفي زوجها (كنيس بن حذافة السهمي) إثر جراحة ألمت به في غزوة أحد، زواج النبي عليه الصلاة والسلام كان إرضاء وتكريما لوالدها (عمر بن الخطاب) الذي عز عليه أن يرى ابنته الشابة الحبيبة أرملة تقاسي لوعة الفراق ولوعة الترمل، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكرمه بالمصاهرة التي شرف بها أبو بكر من قبله، فقال له مطيبا خاطره: «يتزوج حفصة من هو خير من أبي بكر وعثمان»، وكان عمر قد عرضها عليهما رضي الله عنهم أجمعين.

أما زواجه عليه الصلاة والسلام بأم المؤمنين زينب بنت خزيمة والملقبة بأم المساكين لكثرة تصدقها عليهم، فكان أيضاً لجبر خاطر تلك الأرملة استشهد زوجها في غزوة أحد، وأيضا تكريماً لزوجها الشهيد الذي دفع روحه ثمنا لنصرة دين الله، لم تمكث زينب في بيت النبي أكثر من أشهر قليلة قيل ثلاثة أشهر وقيل ثمانية أشهر، فما لبثت أن امتدت إليها يد المنية لتدفن في البقيع كأول أم للمؤمنين.

ننتقل إلى السيدة أم سلمة، وقد ذكرنا في الحلقة الخاصة بها قصة معاناتها في سبيل الله والإسلام وما لاقته من مصاعب وأهوال في هجرتها إلى الحبشة، ثم إلى المدينة وانتهاءاً بفقدها أبا سلمة الزوج المعيل والأنيس الحبيب إثر جراحة أصابته في غزوة أحد، وعندها أربعة أيتام في حجرها، كانت أم سلمة شديدة التعلق بزوجها وقد ردت الخطاب برفق وممن خطبها كان أبو بكر وعمر، وهي تقول في سرها: "هل هنالك خير من أبي سلمة"، فكانت خطبة النبي لها مواساة وكفالة لها ولأيتامها وعرفانا جميلا لتضحياتها وتضحيات زوجها في سبيل الإسلام، وأيضا مكافأة لها من الله ورسوله على صبرها وصمودها وثباتها.

تدخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد أم سلمة، السيدة زينب بنت جحش، زواج النبي عليه الصلاة والسلام بزينب لم يكن بإرادته ورغبته بل زوجه إياها رب السماء لإبطال حكم التبني الذي كان سائدًا في الجاهلية، كانت زينب زوجة لزيد بن حارثة متبنى النبي صلى الله عليه وسلم، فطلقها فكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها إبطالًا عمليًا للتبني وأحكامه.

أما زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين جويرية بنت الحارث فكان زواجًا مباركاً عليها وعلى قومها نبي المصطلق، ذلك بأنها وقعت كما رأينا أسيرة مع عدد كبير من قومها وقعوا أسرى ووزعوا على المسلمين سبايا إثر (غزوة المريسيع) فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وكان صداقها عتق قومها، وبعد العتق أسلم (بنو المصطلق) وكان عونًا للإسلام والمسلمين بعد أن كانوا أعداء لهم.

فهل هناك امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية؟ وهل هناك زواج تتجلى فيه الحكمة بأبهى صورها كهذا الزواج؟

تأتي بعد جويرية أم المؤمنين صفية بنت حي بن أخطب زعيم اليهود من بني النضير، وكانت من سبايا خيبر، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وأعتقها وتزوجها، كان لزواجه منها حكم عديدة من أهمها: تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لصحابته بطريقة عملية كيفية التعامل مع اليهود فيما إذا لم يؤذوا المسلمين ولم يكيلوا العداء للإسلام، إذ بزواج نبينا صفية بات أصهاره من اليهود من أهل الكتاب وحسن معاملة الأصهار من الإسلام.

بعد صفية بنت حي.. يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، ولزواجه منها حكمتان: أول هاتين الحكمتين تعويضها عن صبرها عن مفارقة زوجها الذي ارتد عن الإسلام وتنصر عندما كان في الحبشة، وثانيهما: تألف قلب أبيها رأس الشرك وزعيم المشركين أبي سفيان بن حرب.

أما أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء، وهناك في مكة عقد النبي على ميمونة وكان اسمها برة، وهي أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب عم النبي عليه الصلاة والسلام، ميمونة هذه كانت أرملة في السادسة والعشرين من عمرها وقد زوجه إياها عمه العباس، زواج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة وفق ما بينه وما بين قبلية ميمونة وهي من أعلم قبائل العرب وأشرفها في مكة، وكان إلى جانب ذلك أيضا تكريمًا لعمه العباس وزوجته أم الفضل التي كانت أول امرأة آمنت بالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أم المؤمنين خديجة.

إذن كانت السيدة ميمونة آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، أي آخر أمهاتنا، نعم نساء النبي صلى الله عليه وسلم هن أمي وأمك وأمكِ وأم كل مؤمن إلى يوم الدين، فلقد قال الله تعالى في ذلك: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6]، وحرم الله تعالى على المسلمين أن يتزوجوا نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فقال: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب:53].

بهذا نختم حديثنا عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، أولئك الطاهرات الكريمات اللواتي أكرمهن الله تعالى بهذا الشرف العظيم شرف الانتساب إلى سيد المرسلين وخاتم النبيين واختارهن من صفوة النساء، وجعلهن أمهات للمؤمنين في وجوب التقدير والتعظيم والتبجيل.

إخوتي المشاهدين استمتعنا بصحبتكم في هذه الحلقة التي استعرضنا فيها الحكم من تعدد زواج النبي عليه الصلاة والسلام، ورددنا على المستشرقين الذين أرادوا أن يثيروا الزوابع الهوجاء في حقه صلى الله عليه وسلم، ولكن صدق الله تعالى حين قال: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46].

ولله در الشاعر حين قال:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد *** وينكر الفم طعم الماء من سقم

  • 45
  • -8
  • 123,553
المقال السابق
[10] رملة بنت أبي سفيان
المقال التالي
[13] زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم 1

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً