نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

نبي الطفولة

منذ 2015-11-05

يلاحظ اليوم في الغرب أن هناك موجة تأليف تستهدف بالأساس تحقيق ما يسمى بالتربية المثالية، سواء من خلال استعراض الأخطاء الواجب تلافيها في تربية الأبناء، أو القواعد التي يجدر اتباعها لتمكين الطفل من تنشئة سليمة.

وفي حرصنا على استجداء الغث والسمين، مما أرهق منظوماتنا التربوية بداء التجريب المزمن، نصرعلى تجاهل التصورات والرؤى الواثقة والمنسجمة مع هويتنا الإسلامية وعطائنا الحضاري.

إن النبي المعلم  صلى الله عليه وسلم لم يقف عند حدود التبليغ، بل باشر بنفسه صوغ الحقيقة الإسلامية، وإرساء معالم تربية شاملة تستوعب كافة مناحي الحياة.

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إدماج الطفولة في مخططه لبناء مجتمع إسلامي جديد وفق معايير اجتماعية مغايرة بشكل واضح لما كان سائدا من قبل، ويشكل القطع مع المألوف الجاهلي في معاملة الأطفال رهانا.

حضت جملة من الأحاديث النبوية على كسبه لتثبيت معادلة حضارية مفادها أن بناء المجتمعات لا يمكن أن يتحقق في ظل تنشئة عرجاء أو وضع تربوي مختل! لذا نجد أحاديث عديدة تنص على العدل بين الأبناء، وتكريم الأنثى في صباها، روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم تدركه ابنتاه فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة» وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم».

بيد أن التكريم النبوي للطفولة لم يسلك فقط سبيل الخطب والعظات والوصايا,وإنما نحا منحى واقعيا تم من خلاله تحديد الإطار الذي ينبغي أن يتحرك داخله المسلم في علاقته بهذه المرحلة العمرية الهامة.وهو إطار يستلهم مبادئ الإسلام القائمة على التكريم والتسخير والاستخلاف، لذا فإن استحضارنا لبعض صور معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للطفل يروم في الحقيقة تثوير الحدث أو الموقف؛ وكشف ما ينطوي عليه من رسائل وتوجيهات عملية  تثبت أن بعض ما يتردد اليوم من مقولات التربية الحديثة ليس سوى رجع للصدى!

كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوما على دابة وهو غلام؛ فخصه بدرس يعده أهل العلم من أمهات العقيدة الإسلامية: «يا غلام؛ إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك؛ احفظ الله تجده تجاهك. وإذا سألت فاسأل الله؛ وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رُفعت الأقلام وجفت الصحف» (رواه الترمذي).

غير أن لهذا الحديث أيضا أبعادا تربوية تستوقفنا لفرط تطابقها مع بعض ما بلغته التربية الحديثة من فهم أفضل لعالم الطفولة، إن أول سؤال يقفز إلى الذهن حين نستعيد الحديث ضمن سياق تربوي محدد هو: لماذا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم غلاما صغيرالسن بدرس مثقل بالقضايا الإيمانية حتى وإن أوجزت في" كلمات"؟ وهل بمقدور غلام آخر يملك صفات وقدرات عادية أن يستوعب الأصول والكليات الجليلة التي اشتملت عليها هذه الكلمات؟ إن الأمر يتعلق حقيقة بصبي غير عادي تجلى في ملكاته وصفاته دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»؛ وفي كتب الحديث مواقف أخرى لابن عباس تؤكد تميزه عن سائر أقرانه في التقاط معان وإشارات تفوق سنه وخصائص مرحلته النمائية. فما الذي تقرره التربية الحديثة في هذا الشأن؟

تخلص الباحثة "ستيفاني ليرنر"؛ بعد تناولها للسير الذاتية لأكثر من ثلاثين شخصية مشهورة؛ إلى أن المنظومة المجتمعية تقترف خطأ فادحا حين تسعى لتوحيد المعايير التربوية دون مراعاة الفروق الواضحة بين الطفل العادي والطفل "المميز" الذي يحلق خارج السرب ويسعى لفرض إيقاعه الخاص. ومرد هذا الخطأ؛ برأي الباحثة إلى الاعتقاد السائد بأن المطلوب من الأطفال هو الاندماج السلس في محيطهم الاجتماعي والسير على خطى أترابهم وأقرانهم. في حين أن الطفل الذي يتمتع بصفات غير مألوفة؛ ويمتلك رؤية خاصة وملهمة لتغيير العالم على نحو إيجابي لا يمكنه أن يتلاءم مع هذا التوجيه.

إن ما يبديه الصغار من تحفظ إزاء المواقف الاجتماعية السائدة أمر لا ينبغي أن يثير مخاوف المربين، بل يجدر بهم حفز تلك الرغبة في التميز والتفرد والتفكير على نحو مختلف، لأن الصفات والميزات غير العادية هي حجر الأساس الذي يساعد الطفل على تحقيق ذاته نحو الأفضل، سواء تعلق الأمر بطريقة في التفكير أو موهبة أو أي عامل آخر يرتقي به فوق مستوى المألوف، ويجعله استثناء عن الجموع ينبض بالحياة والنشاط.

يجب علينا أن نشجع عنصر التفرد والتميز، تقول ليرنر، لدى جميع الأطفال. في واقع الحال نحن نقوم عادة بمكافأة الأطفال العاديين على كونهم متشابهين وغير مختلفين، وهذا بدوره يشكل مفتاح من هم وماهم عليه مع ذلك, فإن أولئك الأطفال أيضا قد يمتلكون صفات وميزات رائعة ومميزة ولكنها لن تتعزز وتبرز ما لم يتم اكتشافها ورعايتها جيدا.[1]

وهي الرعاية التي فطن السلف إلى أهميتها في إمداد عالم الكبار بأفكار ورؤى قد يحجبها التقليل من شأن الطفولة في تغذية أسباب النهوض والتقدم، ولعل من أبرز صور هذه الرعاية حرص الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على استشارة "الفتيان" في الشؤون العامة، وتخصيص مقعد استشاري لغلام بني العباس إلى جوار أشياخ بدر!

وإذا كان عالم الطفولة خلوا من التكاليف الشرعية إلى حين؛ فإن الأمر مختلف تماما فيما يتعلق بالتربية على المسؤولية والواجب. لذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحث على عدم إهمال أي تصرف شاذ بحجة أنه صادر عن طفل غير مدرك لتبعات سلوكه؛ أو أن المخالفة يسيرة مادام مرتكبها صغيرا لا يعقل.

في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة»؟". وفي مسند الإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدخل أصبعه في فم الحسن فانتزع التمرة ثم قال: «إنا آل محمد لا نأكل الصدقة».

إن الحنان الأبوي لا يتعارض مع حمل الطفل على التمسك بالحدود والمبادئ المقررة؛ فالتنشئة السليمة تستلزم قدرا من الحزم والزجر الذي يصون أفعال الصغير عن العبث. غير أن هناك فرقا واضحا بين تنشئة الطفل على الطاعة وبين تعويده الاحتكام إلى منهاج شخصي للأخلاق يستمد منه قراراته ومواقفه؛ ويستضيء به في تفاعله مع محيطه الاجتماعي.

وتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتزع التمرة من فم حفيده فحسب بل أحاله على الدستور الأخلاقي الذي يحكم "آل محمد"! مؤكد إذن أن الطفل هنا سيُظهر استجابة واعية لما يتطلبه شرف الانتساب من عدم إخلال بالتوجيهات الأخلاقية.

مؤسف حقا أن عددا من المشاكل التي تواجهها الأسرة المسلمة اليوم وثيق الصلة بالتفريط في الحزم و الصرامة الضروريين لتعويد الطفل الاحتكام إلى مبادئ أخلاقية توجه الفكر والسلوك. ومؤسف أيضا أن عددا من الآباء يفضلون إرجاء الأمر حتى ينضج الطفل ويصبح جاهزا لتحمل المسؤولية لأن الطفولة برأيهم استمتاع ولعب وعبث لا يقع تحت طائلة المحاسبة!

هل يبدو الأمر كذلك من وجهة نظر التربية الحديثة؟

يؤكد الباحثان آلان وروبرت ديفيدسون على أن الخطر يكمن في تنشئة أطفال مطيعين يتبنوا في سلبية واستسلام قيم آبائهم وأفكارهم؛ وبمجرد أن تعترضهم إغراءات بانتهاك تلك القيم لا يملكون القدرة على التصدي لها لأن المعتقدات الداخلية تعوزهم؛ فتكون النتيجة عند مواجهتهم لموقف معين هي الاستجابات العشوائية والافتراض المتهور.

غير أن تعويد الطفل على الإحساس بالمسؤولية والانحياز للمبادئ والقيم لا يمكن أن يتحقق عبر إملاء السلوك الأخلاقي بل ينبغي أن ينبع من الداخل: من بذور الاستقلالية التي يزرعها الآباء والأمهات لحظة تشكيل الهوية الذاتية لصغارهم: "إن الآباء والأمهات الذين يحاولون أن يملوا سلوكا أخلاقيا معينا على أبنائهم يفاجئوا بأن أبناءهم يتمردون على أبسط الأخلاقيات.

لابد للإحساس بالمسؤولية أن ينمو داخليا من بذور الاستقلالية التي يزرعها آباء وأمهات على استعداد دائم لأن يجعلوا أبناءهم يشعرون بمشاعرهم الخاصة ويشكلون هويتهم الذاتية. يؤمن الآباء والأمهات الناجحين الذين التقينا بهم أن محاولة التأثير على قرارات أبنائهم الخلقية أو وعظهم بمواعظ معينة هي من أكبر الأخطاء؛ وهذا لا يعني أنك لا تستطيع أن تشرح وجهة نظرك؛ بل لابد أن تفعل هذا؛ هنا يأتي دور الأسلوب المباشر لتعليم الأخلاقيات؛ لكنه عادة لا يكفي لأن الأبناء بحاجة لمن يعلمهم كيف يعيشون في إطار أخلاقي"[2] 

ويكشف لنا حضور النبي صلى الله عليه وسلم في عالم الطفولة بعدا تربويا آخر لا يقل أهمية عما أسلفنا. يتعلق الأمر بتوسيع دائرة الشورى والحوار وفضيلة الانصات واحترام الرأي الآخر لتشمل الصغار أيضا؛ مما يُشعرهم بكرامتهم ويحررهم من عوامل الخوف والقلق ويعزز ثقتهم في أنفسهم.

روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقدح فشرب منه؛ وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره. فقال: «يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدا يا رسول الله؛ فأعطاه إياه". وكيف لا يفعل وهو الذي بعثه الحق سبحانه لتستعيد البشرية حريتها وكرامتها ودورها في الإعمار وتحقيق مبدأ الاستخلاف؟

وهل تنهل التعاليم فاعليتها من غير معين حاملها والمبشر بها؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليبني الشخصية الإنسانية لا ليهدمها؛ ودعامة البناء هنا هي تعزيز الثقة وبث الروح الإيجابية واحترام الذات. وكون الحرية شرطا للوجود الإنساني يجعل من استحضار عناصرها ومقوماتها في التنشئة ضرورة لا غنى عنها لتخريج جيل سوي وقادر على مواجهة أعباء النهوض والتقدم.

إن هذا الموقف النبوي إزاء الغلام يستحثنا على مراجعة العديد من تمثلاتنا حول الطفولة وجاهزية الطفل للاندماج في عالم ناضج! تمثلات تستمد مرجعيتها من تقاليد عشواء وموروث يغلب عليه قصر النظر وسوء الفهم.

يحيلنا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع الغلام على مسلك تربوي مهم تلح الأدبيات التربوية الحديثة على مراعاته ضمانا للتوافق النفسي والاجتماعي للطفل. يتعلق الأمر بحاجته للشعور بأنه محبوب ومرغوب فيه من لدن كل من يتعاملون معه؛ وأن له قيمة ينبغي أن تُحترم وحضورا يجب أن يُصان. وتغذية الحاجة إلى التقبل والاحترام تُجنب الطفل كل ميل إلى السلبية والانطواء وكراهية الآخر مما يعزز ثقته بذاته؛ ويضمن انخراطه على نحو إيجابي في النسيج المجتمعي.

تقول أخصائية التربية كريستين دورهام: "إذا أردنا لأولادنا أن يتمتعوا باحترام الذات وبثقة عالية بالنفس؛ علينا أن نشجعهم على إيجاد حلقة مفيدة (وليس حلقة مفرغة) حيث تؤدي الثقة بالنفس إلى التحفيز و يؤدي التحفيز إلى طريقة تفكير أفضل وأوسع آفاقا؛ وتؤدي طريقة التفكير الجيدة إلى الثقة بالنفس" [3].

إن استعراض تصرفات النبي صلى الله عليه و سلم في عالم الطفولة يكشف الهوة المؤلمة التي خلفها انفصال الفكرة عن السلوك؛ واحتكام مجتمعاتنا في صوغ سياساتها التعليمية إلى منظومة فكرية متغربة وقلقة؛ وإلى توجيهات وتوصيات تحيل الجبل الشامخ إلى كومة تراب على حد التعبير الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال! وما لم تبادر الأمة إلى المصالحة مع ذاتها وهويتها عبر تربية تصل الماضي بالحاضر فإن كل الوصفات المستوردة لن تحقق ما نطمح إليه من تغيير للمسار وانتفاع راشد بثمار الحضارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – ستيفاني ليرنر : الأولاد الذين يفكرون خارج المألوف. مكتبة العبيكان . 2008 . ص 38-39

2 – آلان وروبرت ديفيدسون : كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما. مكتبة جرير. 2004 .ص 255

3 – كريستين دورهام : تنمية الإبداع عند الأولاد. دار الفراشة للتوزيع و النشر. 2009 .ص 29

  • 2
  • 0
  • 1,062
i